سلطة الناشر وجمود الذائقة: كيف يُعاد إنتاج الأدب الكلاسيكي المكرر؟

تُمثِّل الذائقة الأدبية للمسؤولين عن نشر المواد الأدبية -سواء كانوا ناشرين، أو رؤساء تحرير، أو محكمين في المؤسسات الثقافية- إشكالية جوهرية في حركة الإنتاج الأدبي؛ إذ يقع على عاتق هؤلاء مهمة غربلة الإبداعات الأدبية وتقديمها للجمهور.

وتتأثر هذه الذائقة بعوامل متشابكة تشمل التوجهات الفكرية، والبيئات الاجتماعية، والتكوين المعرفي، وهو ما ينتج تباينًا في معايير الاختيار والتحكيم، ويؤدي في كثير من الحالات إلى تكريس أنماط أدبية كلاسيكية متكررة على حساب التجارب الإبداعية الجديدة.

هيمنة ذائقة مسؤولي النشر المتأثرة بالبيئة والأيديولوجيا وضغوط المؤسسات تدفع غالبًا إلى تفضيل النصوص الكلاسيكية الآمنة، مما يؤدي إلى تكرار الأنماط الأدبية وإقصاء التجارب الإبداعية الجديدة.

مفهوم الذائقة الأدبية وتشكلها

الذائقة الأدبية ليست مجرد انطباع عابر أو استحسان عفوي للنصوص، بل هي ملكة مركبة تتشكل عبر تراكم المعارف والخبرات والانفعالات الوجدانية تجاه الأعمال الأدبية. وهي «متنوعة الوجوه بين القصص والقصائد والمسرحيات والروايات... وتحيا بحياة اللغات، وتنمو وتتغير لتواكب العصور، وتواكب حركة الحياة». هذا يعني أن الذائقة الأدبية كيان متطور، غير ثابت، يتأثر بمحيطه ويتفاعل مع متغيراته.

تتشكل الذائقة الأدبية عبر تراكم المعارف والخبرات والانفعالات الوجدانية تجاه الأعمال الأدبية

وتتشكل الذائقة عبر عملية معقدة تبدأ منذ الطفولة، وفيها تسهم التربية اللغوية والأسرية في بناء الأسس الأولى للتذوق الأدبي. فـ«الاستماع والمحاكاة أساس اكتساب اللغة، أما صناعة اللغة فتحتاج إلى من ينميها ويقود متعلمها ليصبح صانعًا ماهرًا بفنونها». ومن ثمَّ يبرز دور التنشئة الثقافية والاجتماعية في توجيه الذائقة نحو أنماط أدبية محددة.

العوامل المؤثرة في تشكل الذائقة الأدبية للمسؤولين عن النشر

تُعد ذائقة المسؤول عن النشر نتاجًا لتقاطعات معقدة لا تتوقف عند حدود التذوق الفني المجرد؛ فهي بناء تتشكل ملامحه بفعل التنشئة الاجتماعية الأولى، والقيود الأيديولوجية التي قد تحجب الرؤية عن التجارب المغايرة.

1. البيئة الاجتماعية والثقافية

تؤدي البيئة الاجتماعية دورًا حاسمًا في تشكيل الذائقة الأدبية، فالظاهرة الأدبية «تتشكل وتتخذ سماتها المميزة من عقائد وعادات الجماعة بكل أحوالها، فتثبت بالتكرار والتعود». والمسؤول عن النشر، كأي فرد في المجتمع، يحمل في ذائقته بصمات بيئته الاجتماعية التي نشأ فيها وتكوَّن وعيه الأول.

وهذا ما يجعل من العسير عليه أحيانًا تجاوز حدود تلك البيئة في تقييمه للأعمال الأدبية؛ إذ «لن يستطيع التعبير عن البيئة الإنجليزية مثلًا، لأنه ليس عضوًا في المجتمع الإنجليزي، وليس معتادًا عاداته وتقاليده».

2. التوجهات الفكرية والأيديولوجية

تتداخل التوجهات الفكرية للمسؤولين عن النشر مع ذائقتهم الأدبية على نحو وثيق؛ فالأديب أو الناقد «يذيع أفكارها ومشاعرها وكل ما يؤثر فيها من أحداث ظاهرة أو باطنة، وعليه أن يتغلغل إلى الصميم من نفسه ومن الوجود وأسراره». لكن عندما تتحول هذه الأفكار إلى أيديولوجيات جامدة، فإنها قد تحول دون تقدير الأعمال الأدبية المخالفة لتلك التوجهات. ويؤدي هذا إلى ترجيح كفة الأعمال التي تتوافق مع الإطار الفكري للمسؤول عن النشر، بغض النظر عن قيمتها الإبداعية الحقيقية.

3. المستوى المعرفي والثقافي

الذائقة المتطورة «هي محصلة الوعي والمعرفة والإدراك»، وهي تحتاج إلى «الثقافة الأم ثم الثقافة الإنسانية ثم الثقافة الكونية لكي تتشكل لدينا». وبقدر اتساع الأفق المعرفي للمسؤول عن النشر، بقدر ما تتسع ذائقته لتستوعب أشكالًا أدبية متنوعة. أما ضيق الأفق المعرفي، فيؤدي إلى ذائقة محدودة تبحث عما يتوافق معها فقط، وترفض ما يخالفها.

3. السلطة المؤسسية والخوف من المغامرة

يخضع المسؤولون عن النشر لضغوط مؤسسية وتجارية تدفعهم أحيانًا إلى تفضيل الأعمال الأدبية «الآمنة» التي تحقق نجاحًا مضمونًا، وتتوافق مع الذوق العام السائد. وهذا «الخوف من المغامرة» يؤدي إلى تكريس الأنماط الأدبية المستقرة، وتجنب تبني التجارب الجديدة التي قد لا تلقى قبولًا جماهيريًا فوريًا.

آليات إنتاج الأدب الكلاسيكي المكرر

تتحول الذائقة من أداة تذوق إلى «سلطة رمزية» تمارس هيمنتها عبر فرض قوالب جاهزة تحاكي النماذج العالية قديماً، مما يفرغ العمل الأدبي من حيويته ويحيله إلى تكرار آلي.

الهيمنة النموذجية للكلاسيكية

الكلاسيكية كمذهب أدبي تقوم على «محاكاة النماذج العالية من أدب اليونان والرومان»، وتتميز بـ«الموضوعات الجليلة ذات الطابع الإنساني» والالتزام بـ«الأصول الفنية» المستقرة. وعندما يتبنى المسؤولون عن النشر رؤية كلاسيكية جامدة، فإنهم يحولون هذه المبادئ إلى قوالب جامدة يجب على الإنتاج الأدبي الجديد أن يطابقها، وهو ما يؤدي إلى إنتاج أدب «كلاسيكي مكرر» يفتقر إلى الحيوية والتجديد.

الذائقة المغلقة والتقليد الأعمى

تتحول الذائقة الأدبية إلى أداة لإنتاج الأدب المكرر عندما تغلق على نفسها وترفض التطور والانفتاح. ويشير طارق الكرمي إلى أن «الذائقة تتطور وتتسع بحسب ماهية وعينا وكيفية استدراكنا للثقافات الأخرى». لكن عندما يظل الوعي «يراوح مكانه» فإن الذائقة تظل أسيرة أنماط محددة، وتتحول إلى حاجز أمام التجديد الإبداعي.

آليات السلطة الرمزية

يمتلك المسؤولون عن النشر سلطة رمزية تمكنهم من فرض رؤاهم الأدبية وتكريسها. وعندما تتشكل هذه السلطة في بيئة ثقافية مغلقة، فإنها تعمل على إعادة إنتاج نفس النماذج الأدبية باستمرار، وتستبعد التجارب المخالفة. وتتحول المؤسسات الثقافية والنشر إلى «بوابات» لا تسمح إلا لما يتوافق مع الذائقة السائدة للمسؤولين عنها.

الاختلاف في التذوق الأدبي: أسبابه ونتائجه

يكشف التباين في تقييم النصوص عن صراع خفي بين الأجيال والرؤى المعرفية؛ فالتاريخ الأدبي شاهدٌ على معارك ضارية خاضها الشعر الحديث ضد الذائقة الكلاسيكية المهيمنة، وهذا الاختلاف، رغم كونه محركًا طبيعيًا للتطور، قد يتحول إلى أداة إقصاء عندما تستأثر ذائقة محافظة بقرار النشر، مما ينتج مشهدًا أدبيًا يتسم بالرتابة ويفتقر إلى الحوار الثقافي الخلاق الذي يغذيه التعدد والتنوع.

التباين في التكوين المعرفي

الاختلاف في التذوق الأدبي بين المسؤولين عن النشر يعود في جزء كبير منه إلى التباين في تكوينهم المعرفي واتساع آفاقهم الثقافية. فالكاتب الحقيقي «يجب عليه أن يكون ذا وعي ونضج وثقافة واسعة، وهذه بدورها تشكل نمطًا استثنائيًا لتطوير الحواس التي تشكل بدورها تناميًا فعليًا في تحسين الذائقة لديه». وبالمثل، فإن المسؤول عن النشر ذو الثقافة الواسعة يكون أكثر قدرة على تقدير الأعمال الأدبية المتنوعة، في حين يظل محدود الثقافة أسير ذائقة جامدة.

المسؤول عن النشر ذو الثقافة الواسعة يكون أكثر قدرة على تقدير الأعمال الأدبية المتنوعة

الصراع بين الأجيال الأدبية

يظهر الاختلاف في الذائقة الأدبية بوضوح في الصراع بين الأجيال الأدبية. والتاريخ الأدبي يشهد على «أن الشعر الحديث (الشعر الحر وشعر التفعيلة وقصيدة النثر) قد تمت محاربته من قِبَل شعراء كلاسيكيين، قبل أن تنقلب الموازين». هذا الصراع يعكس تباين الذائقات بين جيل يحمل رؤية كلاسيكية وجيل يسعى للتجديد.

النتائج على المشهد الأدبي

يؤدي تعدد الذائقات وتباينها إلى ثراء المشهد الأدبي عندما يكون هذا التعدد في إطار حوار مفتوح. لكنه يؤدي إلى «أدب مكرر بطابع كلاسيكي» عندما تتمكن ذائقة واحدة - غالبًا ما تكون محافظة - من الهيمنة على مؤسسات النشر والتحكيم الأدبي، وتهميش الأصوات المخالفة.

نحو ذائقة أدبية منفتحة

إن تجاوز مأزق الجمود يتطلب تحولًا جذريًا في وعي القائمين على المؤسسات الثقافية، يبدأ بالتحرر من «القوالب الجامدة» والاعتراف بشرعية الاختلاف.

ضرورة التكوين المستمر

تطوير الذائقة الأدبية للمسؤولين عن النشر يقتضي «الاهتمام بأمور كثيرة، وعليه، لا بد أن يكون في زاوية كونية ليُلمَّ بوعي حقيقي لتطوير الذائقة». وهذا يتطلب انفتاحًا مستمرًا على الثقافات الأخرى، وتجديدًا دائمًا للمعارف الأدبية.

التحرر من القوالب الجامدة

الذائقة «لا يمكن تجميدها في إطارات محددة، بل هي فن وإبداع قابل للتجديد دائمًا». وتحرير الذائقة من القوالب الجامدة يتطلب وعيًا نقديًا ذاتيًا، وقدرة على مراجعة الأحكام الأدبية وتطويرها باستمرار.

تعددية المعايير

الحاجة ملحة إلى تعددية في معايير التحكيم الأدبي، تعترف بشرعية الاختلافات الذوقية، وتتيح مساحة للتجارب الأدبية الجديدة، بدلًا من إخضاعها لمعايير كلاسيكية جامدة قد لا تناسب طبيعة العصر والمتغيرات الثقافية.

تُمثِّل الذائقة الأدبية للمسؤولين عن النشر قضية محورية في توجيه حركة الإنتاج الأدبي. وتأثُّر هذه الذائقة بالتوجهات الفكرية والبيئات الاجتماعية أمر طبيعي، لكن المشكلة تكمن في تحول هذا التأثر إلى قوالب جامدة تكرس أنماطًا أدبية كلاسيكية مكررة، وتحول دون ظهور إبداعات جديدة.

وتجاوز هذه الإشكالية يقتضي وعيًا نقديًا ذاتيًا، وانفتاحًا ثقافيًا مستمرًا، واعترافًا بتعددية الذائقات وشرعية الاختلافات في التذوق الأدبي. فالأدب الحي هو الذي يعبر عن عصره ويتفاعل مع متغيراته، لا الذي يظل أسير نماذج ماضوية يعاد إنتاجها باستمرار.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.