إشكالية التدريس في المنظومة التعليمية المغربية تحديات وإصلاحات

إشكالية التدريس في التعليم في المغرب تمثل تحديًا بنيويًّا يؤثر في جودة المنظومة التربوية، مع فجوات في تكوين المدرسين والإصلاحات المتعاقبة. يعاني المدرس من الاكتظاظ والضعف الرقمي، ما يعيق تحقيق الإنصاف والنجاعة حسب تقارير دولية.

هذا الدليل يستعرض التحديات ويقترح حلولًا عملية لتعزيز دور المدرس المحوري للتغيير.

يمثل التدريس قلب العملية التعليمية، وهو الوسيط الأساسي بين المعرفة والمتعلم، وبين السياسات التربوية ومخرجاتها الفعلية. لكن المنظومة التعليمية المغربية، على الرغم من التعدد الكبير في مشروعات الإصلاح منذ الاستقلال، لا تزال تعاني من اختلالات بنيوية عميقة تؤثر في جودة الفعل التعليمي ومستوى المتعلمين.

فقد تعاقبت مخططات وبرامج متعددة، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى البرنامج الاستعجالي، وصولًا إلى الرؤية الاستراتيجية 2015–2030، دون أن تنجح في بناء مدرسة مغربية قادرة على تحقيق الإنصاف والجودة والنجاعة.

إن هذا الوضع يجعل التدريس إشكالية مركزية، لا يمكن اختزالها في نقص الوسائل أو الاكتظاظ فقط، بل تمتد إلى طبيعة تكوين المدرس، ووضعه الاجتماعي والمهني، والاختيارات البيداغوجية، والمرجعيات الفكرية التي تؤطر الفعل التعليمي.

تكوين المدرسين في المغرب: الفجوة بين النظرية والممارسة

يمثل تكوين المدرسين أحد أبرز مداخل إصلاح التعليم، لكن التجربة المغربية كشفت عن فجوة كبيرة بين التكوين النظري والممارسة الصفية. فالبرامج التعليمية غالبًا ما تركِّز على الجوانب النظرية دون تأهيل المدرس لمواجهة التعقيدات الصفية وتنوع المتعلمين.

وأدى ضعف التكوين التطبيقي، وربطه أحيانًا بالاعتبارات المالية أكثر من البيداغوجية، إلى إضعاف الكفايات المهنية للمدرسين الجدد، وهو ما أكدته تقارير وطنية ودولية عن جودة التعليم بالمغرب.

فكثير من المدرسين يشتكون من أنهم لم يتلقوا تدريبًا كافيًا على التعامل مع التلاميذ ذوي الصعوبات التعليمية أو على تطبيق طرق تعليمية مبتكرة؛ ما يجعل الفعل التعليمي محدودًا ويكرر النمط التقليدي نفسه. وفقًا لتقرير UNESCO 2023 عن التكنولوجيا في التعليم، يفتقر 70% من المدرسين في المغرب إلى تكوين كافٍ على أدوات التعلم الرقمي، ما يعمق الفجوة بين النظرية والتطبيق.

الوضع المهني والاجتماعي للمدرس المغربي

تمثِّل الوضعية المهنية والاجتماعية للمدرس عاملًا حاسمًا في جودة التدريس، فيعاني المدرس المغربي من تراجع مكانته الرمزية في المجتمع نتيجة أجور منخفضة، وغياب الاستقرار المهني، وتنامي مظاهر العنف المدرسي، وكلها عوامل تؤثر في دافعيته وأدائه داخل القسم.

هذه العوامل تتفاقم في المناطق القروية والنائية حيث الموارد محدودة، والمدرسون مضطرون للقيام بأدوار إضافية مثل الإشراف على الأنشطة اللامنهجية، أو المشاركة في مهام إدارية لم يتم تدريبهم عليها؛ ما يزيد الضغط النفسي والإرهاق المهني.

وأوضح تقرير البنك الدولي 2023، يعاني التعليم في المغرب من نقص في الدعم للمدرسين في المناطق النائية، ما يؤدي إلى تراجع الجودة بنسبة تصل إلى 20% مقارنة بالمناطق الحضرية.

الإصلاحات التعليمية في المغرب: فشل أم نجاح؟

على الرغم من كثرة الإصلاحات التعليمية، فغالبًا ما بقي التدريس محصورًا في منطق تقني وإجرائي، دون معالجة أعمق لأزمة المدرسة المغربية. وأدى استنساخ نماذج أجنبية دون مراعاة الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للمغرب إلى ضعف ملاءمة هذه الإصلاحات للواقع المدرسي، وهو ما أشار إليه عدد من الباحثين في التربية المقارنة.

الفجوة بين الخطاب البيداغوجي الرسمي والممارسة الواقعية داخل القسم تظهر ضعف التكوين التطبيقي، وتناقض الزمن المدرسي مع متطلبات المناهج؛ ما يجعل الإصلاحات بلا جدوى فعلية.

على سبيل المثال، التلميذ في الصف التاسع قد يواجه منهجًا مصممًا على التعلم النشيط، لكن المدرس، بسبب ضغط الوقت وكثرة المواد، يلتزم بأسلوب التلقين؛ ما يؤدي إلى فقدان الهدف البيداغوجي.

التحديات المجالية والرقمية في التدريس المغربي

الاكتظاظ في الأقسام الدراسية، خصوصًا في المناطق النائية، يحول دون اعتماد بيداغوجيا الفروق الفردية، ويجعل التقويم والدعم التربوي إجراءات شكلية.

إضافة لذلك، تعاني هذه المناطق من ضعف البنيات التحتية ونقص الوسائل الديداكتيكية (التعليمية)؛ ما يضاعف الصعوبات ويعمِّق الفوارق المجالية في التحصيل الدراسي. فالأقسام التي تضم أكثر من 50 تلميذًا تواجه تحديات لا يمكن للمدرس التغلب عليها بمفرده، مهما كانت خبرته.

أشارت دراسة بعنوان (الاكتظاظ بالأقسام يتراجع بـ3%) في موقع Hespress إلى أن 15 ألف قاعة في المغرب تتجاوز سقف 41 تلميذًا، ما يعيق الجودة التعليمية.

والتحول الرقمي، على الرغم من أهميته، لا يزال محدود الأثر؛ بسبب ضعف التكوين الرقمي للمدرسين، ونقص البنية التحتية، والعدالة الرقمية، وهو ما أظهرته تجربة التعليم عن بُعد في أثناء جائحة كوفيد-19.

هذه الأزمة كشفت عن فجوة كبيرة بين السياسات الرسمية وبين الواقع المدرسي، فلم يكن لدى المدرسين أو التلاميذ القدرة على الوصول إلى الأدوات الرقمية الأساسية؛ ما أدى إلى فقدان متسلسل للتعلم.

وأوضح تقرير تأثير جائحة كوفيد-19 على المنظومة التعليمية بالمغرب في موقع المركز الديمقراطي العربي، أدت الجائحة إلى إغلاق مدارس وفقدان تعليمي لملايين التلاميذ، مع نقص في الوصول الرقمي بنسبة تصل إلى 50% في المناطق القروية.

الأبعاد النفسية والسوسيولوجية لمهنة التدريس

الأبعاد النفسية والسوسيولوجية لمهنة التدريس لا تقل أهمية، فالضغط المهني وتعدد المهام الإدارية، إلى جانب ضعف الاعتراف المجتمعي، يُسهمان في احتراق المدرس النفسي، ويضعفان قدرته على أداء دوره التعليمي بفاعلية.

وتشير الدراسات إلى أن المدرسين الذين يعانون من الاحتراق النفسي يميلون إلى الانسحاب من الممارسة الإبداعية داخل القسم، والاعتماد على أساليب تلقينية مكررة؛ ما يزيد معدل الرسوب والتسرب المدرسي.

من منظور نقدي راديكالي، يعود فشل إصلاحات التعليم بالمغرب إلى خضوعها لمنطق التقنوقراطية والإملاءات الخارجية، وتحويل التدريس إلى تكلفة مالية بدل أن يكون استثمارًا استراتيجيًّا.

التكوين، والترقيات، والاستقرار المهني، كلها مظاهر تم إضعافها؛ ما أدى إلى إفراغ مهنة التدريس من بعدها الرسالي والمعرفي. فضلًا على ذلك، أظهرت الدراسات أن تدخلات بعض المؤسسات المالية الدولية كانت توجه الإصلاحات نحو دلائل كمية (مثل نسب النجاح والرسوب) بدل التركيز على جودة التعلم والفهم العميق؛ وهو ما أدى إلى تقليص دور المدرس إلى منفذ لتعليمات بيداغوجية محددة.

تعاني المدرسة المغربية اليوم أزمة معنى حقيقية، فتتناقض المرجعيات، وتتعدد الأهداف، ويغيب المشروع المجتمعي الواضح. فالمدرس يجد نفسه في موقع هش، بين الأوامر الإدارية وبين حاجة المتعلمين إلى تعليم فعلي وهادف.

ثم إن المدرسة تسهم، على نحو غير مباشر، في إعادة إنتاج انعدام المساواة الاجتماعية بالفوارق المجالية، والازدواجية اللغوية، وتفاوت جودة التعليم بين القطاعين العمومي والخاص؛ ما يجعل مهمة المدرس لتحقيق تكافؤ الفرص شبه مستحيلة. هذه الإشكالية تتفاقم حينما يواجه المدرس توقعات متناقضة بين المجتمع المحلي والمتطلبات الرسمية للوزارة.

المدرس، في هذا السياق، يمارس سلطته التربوية داخل مؤسسات تحد من استقلاليته؛ ما يحول التدريس إلى ممارسة بيروقراطية تعتمد على العلامات الكمية لا على جودة التفاعل المعرفي.

حلول لإصلاح التدريس في المغرب

يكمن الحل في إعادة بناء فعل التدريس على أسس شمولية، تجعل المدرس محور المعرفة، وتعيد الاعتبار للتكوين والتحفيز، وتربط المدرسة بالمشروع الديمقراطي والتنمية الثقافية. وأي إصلاح حقيقي يجب أن يدمج الجانب النفسي والاجتماعي للمدرس، مع مراعاة السياق المحلي، وتقديم الدعم المستمر، وتبني سياسات تحفيزية فعالة.

إضافة إلى ذلك، يقترح تقرير البنك الدولي 2023 تعزيز التمويل بـ250 مليون دولار لدعم التعليم، مع التركيز على تكوين المدرسين وتقليل الاكتظاظ لتحقيق إنصاف أفضل.

خلاصة القول: إن إشكالية التدريس في المغرب ليست أزمة مهنة فحسب، بل أزمة مجتمع في علاقته بالمعرفة، والعقل، والنقد. وإن أي إصلاح حقيقي يجب أن يجعل المدرس مثقفًا عضويًّا، لا منفذ قرارات، وأن يربط المدرسة بمسؤولية اجتماعية وثقافية عميقة، لتحويلها إلى فضاء حقيقي للإبداع والمعرفة والعدالة الاجتماعية.

ويعتمد المستقبل التعليمي للبلاد على إعادة الاعتبار للمدرس، وتمكينه من أدوات التدريس، والحرية الفكرية، والدعم الاجتماعي والنفسي، ليتمكن من أداء مهمته الأساسية، وهي نقل المعرفة، وبناء العقل النقدي لدى الأجيال الجديدة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.