إسمها دُنيا

 لا أحب ان أعود إلى الماضي. العودة إلى الماضي تعني العودة إلى ذكرياتي، وذكرياتي كئيبة ليس فيها أي ذرة من البهجة  وإنما  تترك في نفسي أثر مُحزن مصبوغ باللون الأسود القاتم. وما فائدة العودة إلى هذا؟ لا فائدة من هذا، اللهم إلا المزيد من الكوابيس والعتمة في روحي. فلماذا أفعل هذا بنفسي؟ فالحياة متكفلة بهذا! وتقوم بدورها على أكمل وجه، وبالتالي لن آخذ وظيفة غيري.

ولكن ليست جميع الذكريات قاتمة، مازلت أذكر تلك القصة المحببة إلى نفسي والتي قد يتبين البعض منها أنها كئيبة مثلها مثل الجميع. ولكنها كانت وستظل الذكرى الوحيدة التي تتمتع ببعض من الجمال والسعادة.

كان إسمها دُنيا، وكانت أفضل ما في الدنيا، كانت الشيء الوحيد المبهج في الحياة. قامت روحها بسرقة كل صفات الجمال والصفاء والحُسن من جميع البشر. إستولت علي السعادة فلم تترك للبشر إلا الحزن. ولقد كنت أتعجب في الماضي لماذا أصيب معظم البشر إن لم يكن جميعهم بالحزن والكآبة؟ ولكني عرفت السبب بعدها. لقد سرقت هي كل شيء! أحبها ولا أجد اي سبب يدفعني إلى حبها, أحبها ولا أعرف ماذا أفعل لكي أتخلص من هذا الحب، أحبها وكنت أراقبها من بعيد وهي لا تدري عسى أن أجد فيها أي شيء يُفسر لي سبب عشقي لها ولكني لا أجد، أحبها وكنت أتمتع بمراقبتي لها، أحبها وأنا لا أعلم ما هو الحب.

كانت زميلتي في أيام الجامعة، أيام السواد والإحباط والأمل الضائع، لقد كنت لا أطيق معظم الأساتذة في الجامعة بالإضافة إلى جزء ليس صغير من الطلاب. ثلاث أيام في الأسبوع على أقل تقدير كان يجتاحني صداع عنيف يطيح برأسي ذهاباً وإيابا لسبب لا أعرفه،  ربما بسبب كرهي للطلاب أو ربما كان بسبب تنمر الأساتذة علينا مُدعين أننا جيل فاشل يداعب شعره طوال اليوم ويجلس أمام الإنترنت ولا يفعل شيء مفيد في حياته. كانت أيام ثقيلة على نفسي.. جاثمة على قلبي. ذات يوم... أذكره جيداً، حدث ما لم أتوقعه ولا يمكن تصديقه! في هذا اليوم كان لدي إمتحان، أسوء من أسوء الذكريات في ذلكرتي... أذكر ورقة الاجابة  التي بقت خالية من أي حبر عدا المنطقة الخاصة بإسمي. وقبل أن ينتهي وقت الإمتحان بخمس دقائق سلمت ورقة الاجابة إلى الدكتور المُراقب علينا وغادرت اللجنة ولكني توقفت بعدها، لاني سمعت الدكتور ينادي على إسمي فعدت، سألني: لماذا تركت الورقة فارغة؟ هل أنت أحمق؟ لم أرد عليه ولبثت واقفاً صامتاً أمامه حتى إنتهى من درسه الأخلاقي هذا. قمت بتثبيط جميع الأفكار التي كانت تجري في عقلي وقتها والتي كانت تحثني على السب ولكني لم أرد. ولى لي ظهره ومن ثم تركته ومضيت إلى حالي. أرتفع الصداع إلى أعلى رأسي ونزل بكل قوة إلى عيني، حتى ظننت وقتها أني سأقع على الأرض في الحال، ولكني لم اقع وأكملت السير. كان علي أن أذهب إلى المكتبة لأعيد كتاب قمت بإستعارته الأسبوع الماضي، وكان علي أن اعيده في هذا الوقت حتى لا أدفع غرامة للتأخير. تحاملت على نفسي وذهبت إلى هناك وعندما عدت أدراجي لكي أغادر الجامعة، هنا رأيتها...وكانت تسير مع أصدقائها فلم أستطع أن أتحدث إليها وفي الحقيقة أنا لا أستطيع ان أخاطب البنات بسبب ما يعتريني من خجل وخوف غير مبرر. كنا نسير في إتجاه مضاد. رأتني هي من بعيد ولكنها شاحت بنظرها بعيداً عني فأدركت أنها لا تريد رؤيتي وبالطبع هي لا تطيقني .. كعادة أصحابها! ولما إقتربنا أكثر وصرنا على بعد ستة أمتار من بعضنا البعض, نظرت في وجهي وألقت علي السلام وسألتني عن حالي... فلم أجب غير ..الحمد لله. ومضت هي في طريقها ومضيت أنا في طريقي.

ولكن ما حدث بعدها كان غير معقول وربما كان نوعاً من الأحلام أو نوعاً من الأفلام الخيالية، إذ ما  أن غادرت ... زالت جميع أثار الصداع التي كانت تضرب في رأسي وشعرت بنشوة غريبة. ولكنها كانت جميلة! إنتباتني حالة قوية من السعادة المفرطة! صوتها كان هو السبب في ذلك أو رؤيتها، وربما كان كل شيء فيها يبعث فيّ السعادة.

حاولت مراراً وتكراراً أن اعاند قلبي وأن أبعد عن هذا الحب. لا أريد هذا النوع من الحب لاني كنت أعلم أنها سترفض الزواج مني، وإذا قبلت فلن يغير من الأمر شيء فأنا شخص عصبي، مُتغير المزاج، لا أحب الناس وأميل أكثر إلى العزلة. وهذه الجميلة بالطبع انا لا أستحقها، لقد رأيتها كثيراً ورأيت الحياة تنضب فيها، ورأيت البهجة والنور تشع من وجهها، فكيف آتي أنا بكل جفاء وسذاجة وأطفي كل هذه البهجة فيها؟

حاولت البعد عن الأماكن التي تتواجد فيها ولكني كنت أجدها كثيراً. لكني وجدت حلاً أفضل... عرفت المواد التي تأخذها وقررت ان آخذ غيرها وبهذا أكون قد إبتعدت عنها ولن أراها مرة أخرى. ولمدة 5 شهور كاملة لم أرها بالفعل. وهدأ قلبي قليلاً وكنت مستقرا نوعاً ما، وبعد مرور الخمس شهور خمنت أني لا أحبها, فيكف أحب فتاه مختلفة عني في كثير من الأشياء؟وإدعيت على نفسي أني لا اطيق رؤيتها... وكل هذا ليس بحب وإنما هو هراء كامل مكتمل الأركان فأنا لا أعرف معنى الحب وبالتالي أنا لا أحب ولا أعرف كيف أحب. ومرت ثلاث شهور غير الخمس شهور الأولى وأنا لا أراها وجائت السنة الأخيرة لي في الجامعة ،ولم أستطع أن أبعد عنها لان أغلب موادي الدراسية كانت تأخذها معي. وعندما رأيتها بعد ذلك لم أشعر بشيء نحوها إلا بعض الحنين الذي فقدته طوال الثماني شهور الماضية، ولكن قلبي كان هادئاً ولم يثر في نفسي أي إنزعاج .

ولكن لماذا أرتجف وأبكي الآن؟ أبكي لأني تذكرت وقتها أني جلست بجانبها في الإمتحان بمحض الصدفة لأن إسمها يبدأ بحرف الدال وأنا إسمي يبدأ بحرف الواو, ورأيت شيء لعين أسود قاتم مليء بكل أنواع العذاب موجود في يدها .. صعقت! لقد جاء وغد لعين وخطبها وبعد سنة سيأتي نفس الوغد ليتزوجها، لعنة الله على هذا الوغد. أدركت وقتها أني مازلت أحبها ولم يتم شفائي من عشقها، وقتها اُشعلت نيران الغيرة بداخلي.. إرتجفت أكثر وأكثر، ومن المدهش أنها كانت جالسة بجانبي ولم تشعر بي، ربما أنها تعاقبني لأني لم آتي أنا وتركت الوغد اللعين لكي يتزوجها. وهل هو وغد أم أني أنا الوغد الحقيقي؟ أنا لم اتحرك نحوها ولم أصارحها ولم أبالي بها وتركتها. نعم أنا الوغد, بل إني وغد.. جبان لا يملك أي ذرة من الشجاعة.

كان إسمها دُنيا... ولقد انطفأت الدنيا من بعدها...

قلت لك من قبل أني لا أحب الرجوع إلى الذكريات. سأذهب إلى المرحاض لكي أتعافي قليلاً  من هذه الذكرى وسأعود إليك بعدها لأقص عليك الباقي من هذه الذكريات، لأني أشعر أنك قد أعجبت بهذه الذكرى وأشعر أيضاً أنك يا صديقي تحب الكآبة والحزن مثلي!

سأذهب الآن وأعود إليك بعد قليل... إذهب و أحضر الكثير من المناديل من المحتمل أنك ستحتاج إليهم بعد قليل!

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب