إسرائيل تنافس الأسواق الجزائرية في أوروبا

تواجه الجزائر منافسة جديدة في السوق الأوروبية للغاز، من خلال مشاريع أقيمت مؤخرا شرق البحر المتوسط نحو القارة العجوز، بعد اكتشاف الغاز في سواحل شرق البحر الأبيض المتوسط وإطلاق ما أصبح يعرف بـ "منتدى غاز شرق المتوسط". وأُعلن مطلع العام الماضي عن تأسيس "منتدى غاز شرق المتوسط"، الذي ضم كلا من مصر واليونان وإيطاليا والأردن وفلسطين وقبرص الرومية وإسرائيل، وقد طالبت فرنسا الانضمام إلى هذا الكيان الطاقوي الجديد الذي يشكل منافس قوي قادر على قلب موازين الطاقة في الشرق الأوسط وفي أوروبا.

ومطلع العام الجاري وقعت اليونان وقبرص الرومية وإسرائيل، اتفاقا لمد خط أنابيب تحت البحر بطول ألفي كيلومتر لنقل الغاز الطبيعي من شرق المتوسط إلى أوروبا، وقوبل المشروع بتشكيك من طرف المتابعين، بالنظر إلى عدم ضمان تمويل للمشروع، وشكوك تحوم حول جدواه الاقتصادية.

السؤال الذي يطرح نفسه هل لهذه المنظمة القدرة التنافسية على الغاز الجزائري الذي لا يبعد سوى بضعة عشرات الكيلومترات من سواحل أوروبا؟

قبل ان نتطرق إلى هذا الجواب علينا أن نلقي نظرة على مستقبل الطاقة النفطية للجزائر وعلى رأسها الغاز الطبيعي.

الغاز الطبيعي (1)

العقود الآجلة (فيوتشرز) Henry Hub الغاز الطبيعي هي العقود الغاز الطبيعية التي توفر فرص لإدارة المخاطر تسعير التقلبات العالية للغاز الطبيعي. تستخدم بشكل موسع كسعر قياسي وطني لأسعار الغاز الطبيعية. يتم تعريف العقود الآجلة للغاز الطبيعي بالدولار الأمريكي لكل mmBtu يحتوي العقد الواحد على mmBtu واحد من الغاز، يحتوي اللوت الواحد على 30000 mmBtu من الغاز. يحتوي 1000 متر مكعب من الغاز الطبيعي على حوالي 36 مليون mmBtu. وبلغ سعر الغاز الطبيعي خلال هذا الشهر 2.80 دولار لكل مليون وحدة. 

الجزائر ثاني مورد لأوروبا (2)

وعلى الرغم من أن الجزائر تعتبر حاليا ثاني مورد للغاز إلى أوروبا بعد روسيا، بكميات بلغت العام 2018 أكثر من 36 مليار متر مكعب حسب أرقام رسمية لشركة "سوناطراك". وصدرت الجزائر أكثر من 20 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي؛ بينما بلغت صادرات الجزائر نحو أوروبا، 16 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال "LNG" في 2019.

وأنتجت الجزائر نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز خلال 2019، وفق بيانات "سوناطراك"، صدرت منها ما يفوق 51 مليار متر مكعب نحو الخارج.

وترتبط الجزائر بأوروبا عبر ثلاثة أنابيب تعبر البحر المتوسط، الأول يمر عبر تونس إلى جزيرة صقلية الإيطالية، والثاني عبر الأراضي المغربية وصولا إلى إسبانيا، والثالث عبر"ألميريا" جنوب إسبانيا، وفي 2018 و2019، وقعت الجزائر عقود تجديد صادرات الغاز لمعظم شركائها في أوروبا لفترات تراوحت بين 5 إلى 10 سنوات، على غرار تركيا وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا والبرتغال.

لكن خلال هذه السنة دقت أرقام صادرات الجزائر من الغاز ناقوس الخطر، بعد تسجيلها تراجعا بنسبة 30 بالمائة، متهاويةً إلى 10 مليارات متر مكعب للأشهر الأربعة الأولى من عام 2020، حسب إحصائيات موقع "mees" المتخصص في أخبار الطاقة.

وتزيد هذه الوضعية الضغط على الجزائر العضو في منظمة أوبك، في وقت سقطت فيه إيراداته من النفط والغاز بالتزامن مع انكماش الاقتصاد جراء جائحة كورونا، ما يجعل المعادلة صعبة الحل في ظل الأوراق الضئيلة التي تحوز عليها الجزائر

ودخلت إمدادات الغاز الجزائري إلى أوروبا والمنطقة العربية في معادلة صعبة، في ظل تخمة المعروض العالمي، لا سيما الغاز الروسي الرخيص، فضلا عن دخول منافسين جدد لتصدير الغاز، كالولايات المتحدة الأميركية ودخول اسرائيل على الخط، مع اكتشاف تركيا لحقول نفطية في بحر قزوين، الأمر الذي يزيد من مأزق البلد الأفريقي الباحث عن زيادة موارده المالية لمواجهة تراجع عائدات النفط.

وقال مدير الإحصاء في الوكالة الجزائرية لتثمين موارد المحروقات (سلطة ضبط إنتاج وبيع النفط والغاز في الجزائر)، نبيل جودار، إن "الأرقام الأولية تؤكد توجه مبيعات الغاز نحو التراجع، خاصة عبر عقود الأنابيب نحو إيطاليا وإسبانيا، بنسب كبيرة خلال العام الحالي، قد تفوق تراجع مستويات العام الماضي الذي شهد هبوطا بلغ 25 بالمائة عن سنة 2018".

وكانت الجزائر قد صدّرت، سنة 2018، نحو 51 مليار متر مكعب من الغاز، منها 35 بالمائة نحو إيطاليا، و31 بالمائة نحو إسبانيا، و13 بالمائة نحو البرتغال، و8 بالمائة فقط نحو فرنسا، وفق أرقام "سوناطراك".

معضلة تجديد العقود (3)

وجددت الجزائر عقود توريد الغاز الطبيعي المسال لتركيا، عبر شريكها "بوتاش" حتى 2024، بكميات سنوية تقدر بـ 5.4 مليارات متر مكعب، ووقعت "سوناطراك" عقد تجديد عقود توريد الغاز لشركة "ناتيرجي" الإسبانية، اعتبارا من 2019، لمدة 10 سنوات بكميات تقدر بـ 8 مليارات متر مكعب سنويا.

وفي 2019 قامت سوناطراك، بتجديد عقود توريد الغاز نحو إيطاليا لكل من شركة "إيني" لمدة 10 سنوات بكميات تصل 10 مليارات متر مكعب سنويا، و"إينال" لمدة 8 سنوات بكميات تصل 3 مليارات متر مكعب كل عام.

وجاء الدور على شركة "إديسون" الإيطالية التي تبدأ باستيراد الغاز الجزائري لـ 8 سنوات اعتبارا من 2020، بكمية تقدر بمليار متر مكعب كل عام، وشملت تجديد العقود أيضا، البرتغال، من خلال شركة "غالب" التي ستستورد الغاز الجزائري لمدة 8 سنوات بكميات تبلغ 3 مليارات متر مكعب سنويا.

وحذت "إنجي" الفرنسية حذو بقية شركاء سوناطراك في أوروبا، إذ جددت في نوفمبر/ تشرين ثاني 2019 عقود استيراد الغاز المسال من الجزائر لمدة 4 سنوات قابلة للتجديد، بكميات تقدر بـ 1.7 مليار متر مكعب سنويا، كما تم تجديد عقد تزويد الشركة الفرنسية "إنجي" بالغاز الطبيعي عبر خطوط الأنابيب من خلال إيطاليا أو إسبانيا لمدة 3 سنوات بكميات تصل 500 مليون متر مكعب سنويا.

حرب الأسعار 

ويعيش غاز الجزائر ضغطاً كبيراً من الأوروبيين، حيث يعترض الزبائن على الأسعار، بعد سنة واحدة من تجديد الجزائر عقود إمدادات الغاز مع شركائها التاريخيين في القارة العجوز، في مقدمتهم إسبانيا وإيطاليا والبرتغال.


أول التهديدات التي طاولت غاز الجزائر، كانت من طرف الزبون التاريخي إسبانيا، التي تسعى عن طريق المجموعة الإسبانية "ناتورجي إنرجي" للتوجه نحو التحكيم الدولي لإلغاء عقد إمدادات الغاز بينها وبين الجزائر.


وكشف مصدر(3) من داخل المجمع النفطي الجزائري (سوناطراك)، أن "إسبانيا دعت سوناطراك للجلوس على طاولة الحوار لمراجعة العقد المبرم بين الطرفين سنة 2018، والممتد لغاية نهاية 2029، في ما يتعلق بالسعر المحدد بنحو 4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية(BTU)، في وقت تشتري فيه الغاز الأميركي بأقل من دولارين، وهو ما ترفضه "سوناطراك".


وكانت الجزائر تموّن إسبانيا بـ34 بالمائة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال قبل 2020، إلا أن الأخيرة قررت، مطلع السنة الحالية، تخفيض حصة الجزائر إلى 22.6 بالمائة، بعد رفع حصة غاز الولايات المتحدة إلى 27 بالمائة، بسبب انخفاض سعر الغاز الأميركي، وأزاحت بذلك الجزائر عن رأس قائمة مموني إسبانيا بالغاز طوال الـ30 سنة الماضية.

أما الضربة الثانية للغاز الجزائري فجاءت من البرتغال، إذ أكد مصدر مسؤول داخل "سوناطراك"، أنها لم تستورد الغاز الجزائري عبر الأنبوب الغازي (ميد غاز) الذي يربط بلاده بإسبانيا، منذ بداية شهر إبريل/ نيسان الماضي 2020

وأضاف المصدر، أن "مقاطعة البرتغال للغاز الجزائري ترجع لسببين، الأول متعلق بالسعر المرتفع والمقدر بـ4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، أما السبب الثاني فتسجيل البرتغال لفائض في التخزين مقابل استقرار الطلب الداخلي بسبب جائحة كورونا. وفي شهر مارس/ آذار الماضي استوردت البرتغال 345 ألف طن من الغاز الطبيعي السائل مقابل 400 ألف خلال شهر فبراير/ شباط الماضي، حسب المصدر.

وكانت الجزائر والبرتغال قد اتفقتا على تمديد عقد إمداد الغاز، يعود إبرامه إلى 25 سنة، بين سوناطراك وشركة "غالب"، في شهر يونيو/ حزيران 2019، بحجم 2.5 مليار متر مكعب سنوياً لمدة عشر سنوات أخرى.

من جهة أخرى فدخول إيطاليا في الكيان الطاقوي الجديد لدول حوض شرق البحر البيض المتوسط سيكون له الأثر السلبي الكبير على واردات الغاز من الجزائر، خصوصا إذا ما تم تجسيد المشروع الكبير لنقل النفط من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.

ودخلت الجزائر، سنة 2018، مرحلة تجديد عقود الغاز مع شركائها التقليديين، بعد وصول أغلب العقود إلى نهاية آجالها، مع انتهاء سنة 2019. ويؤكد خبير الطاقة، مهماه بوزيان، أن "عهد العقود طويلة الأمد انتهى دون رجعة".

ويبدو أن "تجديد العقود مهما كانت مدتها يعتبر نجاحاً للجزائر"، بعد تغير مشهد الطاقة العالمي، بدخول أميركا قائمة كبار مصدري الغاز مع قطر وأستراليا، ووصول الغاز الروسي والنرويجي لجنوب القارة الأوروبية، وكذا غاز اسرائيل حديثا ما يزيد الضغط على الغاز الجزائري المهدد بخسارة أسواقه التاريخية.

وأضاف بوزيان أن "سوناطراك" تعي جيداً أنها مضطرة لتغيير سياستها التسويقية، بعيداً عن الاعتبارات الداخلية، فالسوق العالمية تغيرت، خاصة مع دخول فيروس كورونا كمتغير أحدث زلزالاً عالمياً في أسواق النفط والغاز على السواء، وبالتالي على سوناطراك إدخال مرونة على عقودها وأن تعرف متى تنحني أمام العاصفة.

أهمية غاز شرق حوض البحر الأبيض المتوسط (4)

قدَّرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية في العام 2010 احتمال وجود ما يقرب من 122 تريليون م3 من مصادر الغاز غير المكتشفة في حوض شرق المتوسط قبالة سواحل سوريا ولبنان وإسرائيل وغزة وقبرص، بالإضافة إلى ما يقارب 107 مليارات برميل من النفط القابل للاستخراج. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تبقى في إطار التقديرات ولا تشمل أيضًا الأرقام المتعلقة بحوض دلتا النيل، إلا أنها لم تأت من فراغ، فخلال العقد الماضي، جرى اكتشاف العديد من حقول الغاز في منطقة شرق البحر المتوسط. بدأت عمليات الاستكشاف بالازدياد بعد نجاح الكونسورتيوم الذي تقوده شركة "نوبل إنرجي" الأميركية في اكتشاف حقل تمار في العام 2009 قبالة ساحل إسرائيل، ومع توالي الاكتشافات أصبحت دول المنطقة أكثر اهتمامًا بتكليف الشركات الأجنبية بالقيام بأعمال الاستكشاف

ويحظى الغاز في شرق منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط بأهمية خاصة نظرًا لعدة عوامل:

  1. الأهمية الجيوبوليتيكية للمنطقة الأوسع التي يقع فيها وهي منطقة الشرق الأوسط التي تضم حوالي 47% من احتياطي النفط و41% من احتياطي الغاز في العالم. وزاد من أهميتها انفتاح البحر المتوسط على تقاطع آسيا وأوروبا وإفريقيا، واتصاله بطرق التجارة العالمية عبر مضائق السويس والبوسفور وجبل طارق.
  2. الآمال الجيو-سياسية والجيو-اقتصادية والجيو-أمنية التي يحملها الغاز في تلك المنطقة بالنسبة إلى دول الجوار والتي راهن البعض على أنها ستغير المعطيات السياسية والاقتصادية لدول المنطقة.
  3. الصراع على استغلال ثروات الهيدروكربون والتنافس على طرق تصديرها والتزاحم على حصص الأسواق الخارجية، بالإضافة إلى تحويل دول المنطقة إلى لاعب دولي صاعد في لعبة الغاز.
  4. المنافع السياسية والاقتصادية والأمنية التي افترض كثيرون أن الغاز سيأتي بها لدول المنطقة.

ومع توالي الاكتشافات، رفعت هذه التقديرات آمال دول شرق البحر المتوسط، وفتحت شهية شركات النفط والغاز، وألهبت التنافس الإقليمي على الموارد، وجذبت انتباه القوى الدولية إلى ثروة إضافية وبؤرة صراع محتملة.

أفضلية غاز إسرائيل على غاز الجزائر

تمتلك إسرائيل التكنولوجيا المتطورة والخبرة البشرية المستمدة من الولايات المتحدة، كما تملك رأس المال بالإضافة إلى العقلية الصهيونية التي ترى أن دولة إسرائيل يجب أن تسود العالم وتقوده، وهو ما تمثل بالمقولة الإسرائيلية الدارجة بأن التطبيع القائم هو شراكة بين "العقل اليهودي والمال الخليجي"،  أضف إلى ذلك أن تقريبا كل أوروبا هم شركاء وحلفاء حقيقين لدولة إسرائيل وعلى رأسها فرنسا، هذه الأخيرة هي من قدمت برنامج الطاقة النووية إلى إسرائيل كعربون صداقة واليوم إسرائيل هي إحدى أكبر عشر دول نووية في العالم التي يحسب لها ألف حساب، أيضا رغبة فرنسا في الانضمام إلى هذا الكيان الاقتصادي الجديد وراءه أبعاد أخرى أكثر منها اقتصادية، بل أكيد ستستخدمه في الضغط على إدارة ملف الغاز الجزائري مستقبلا. 

نفط الامارات والسعودية عبر إسرائيل

بعد إمضاء معاهدة السلام بين الإمارات العربية وإسرائيل وخروج العلاقات للعلن، قامت شركة موانئ دبي العالمية بإمضاء وتوقيع شراكة مع شركة إسرائيلية تهدف إلى عبور البضائع والسلع عبر جبل على ومن خلال البحر الأحمر إلى ميناء إيلات الإسرائيلي (للإشارة فإيلات هي أم رشراش المصرية التي قامت إسرائيل بالاستيلاء عيها ليكون لها منفذا عبر البحر الأحمر)، كما تجدر الإشارة إلى أن جزيرتي  "تيران وصنافير" المصريتان  اللتان تم التنازل عنهما للسعودية في خطوة غير متوقعة من طرف مصر، تبين اليوم أنها كانت عملية مدبرة من طرف إسرائيل لتتمكن من استغلال ميناء إيلات دون وجود قوى مصرية مستقبلا بجوار المنطقة،

مشروع غاز الشرق الأوسط

وتضغط إسرائيل مدعومة من الولايات المتحدة والامارات لدفع السعودية التطبيع مع إسرائيل والقبول بعبور أنابيب النفط (الغاز والبترول) عبر أراضيها ومنها إلى ميناء إيلات الإسرائيلي مباشرة، والذي دون شك سيستخدم في تصدير نفط الامارات والسعودية كأكبر منتج للنفط في الشرق الأوسط عبر هذه الأنابيب إلى إسرائيل ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط ومنه إلى كل أنحاء العالم.

وقد تجد كل من دولتا قطر والكويت نفسيهما في وضع لا يحسدان عليه فإما الانضمام إلى محور الامارات والسعودية أو دخولهما في عزلة قد يصعب تخطيها، خصوصا إذا تم ربط خطوط النفط من العراق لتستحوذ على نسبة 40 بالمائة تقريبا من كميات النفط المنتجة عالميا.

وتتخوف الدول الآسيوية، خاصة الصين والهند، من تداعيات التطبيع الإماراتي الإسرائيلي على أمن الطاقة ومصالحها التجارية مع إيران في المستقبل. ولدى كل من الهند والصين مصالح تجارية واستثمارات ضخمة في إيران، خاصة على صعيد النفط. 

وتعتمد الدول الآسيوية ذات النمو السريع في تلبية جزء كبير من احتياجات الطاقة، سواء النفط أو الغاز الطبيعي، على الاستيراد من إيران والدول الخليجية.

الموقع الاستراتيجي لإسرائيل (5)

بجانب النفط، الذي تشتريه إسرائيل حاليا بشكل أساسي من الأكراد شمال العراق، وينتقل عبر خط الأنابيب التركي، وطالما أن أنقرة ليست من أصدقاء تل أبيب اليوم، فستكون الإمارات بديلة لتركيا لتزويد إسرائيل باستهلاك النفط المطلوب. 

تستند التطلعات الاقتصادية الإسرائيلية في اتفاقات التطبيع الجارية إلى أنه لم يكن رائجاً الإبحار مباشرة من الإمارات لإسرائيل، لكن ذلك سيتغير الآن، فلدى إسرائيل موقع يسمح باتصال قصير بالعالم، فالمسافة بين حيفا وبغداد 900 كم، في حين أن المسافة بين البصرة وبغداد 600 كم، وهذه مزايا لوجستية واضحة لإسرائيل، لاسيما ميناء حيفا، الذي يتمتع بموقع لوجستي مثالي لنقل البضائع للعراق.

مع العلم أنه خلال فترة الحكم البريطاني في المنطقة، كانت هذه هي الطريقة المستخدمة لنقل النفط من الشرق الأوسط لأوروبا عبر خط أنابيب يبدأ من شمال العراق في كركوك، ويصل إلى حيفا. 

إسرائيل تخطط لتغيير مسارات تصدير النفط الخليجي (6)

ذكرت نشرة "ستاندرد آند بوورز" الأميركية، أن تطبيع الإمارات طوق نجاة للاقتصاد الإسرائيلي لأن لدى إسرائيل مصالح كبرى في مناقشة تجارة النفط مع الإمارات لتلبية احتياجاتها من المشتقات البترولية وكذلك ربما مستقبلاً في التسويق الخارجي. وكان الخبير الإسرائيلي جدعون فيثلسون قد تناول في دراسة خطط إسرائيل المستقبلية للاستفادة مالياً من احتياطي النفط العربي وتحديد مساراته وتصديره ونقله. 

 مشروع خط اتابيب اسرائيل أوروبا

وجاء في الدراسة: "إن البترول العربي هو أهم مادة خام موجودة في الشرق الأوسط من حيث الإنتاج اليومي والاحتياطي، وتمثل عملية نقل النفط من الخليج العربي إلى أسواق أوروبا وأميركا الشمالية حجماً كبيراً من سوق النقل، ومن ثم فإن عائد النفط يجب تقسيم فوائده على الدول الموجودة في منطقة الشرق الأوسط". 

وتقترح الدراسة إقامة شبكة من خطوط نقل النفط إلى إيلات، على أن يتم أولا نقل النفط السعودي من رأس تنورة إلى ميناء العقبة/ إيلات، ونقل النفط الإماراتي إلى الخط السعودي عبر ‏خط التابلاين القديم الذي يمر من العراق عبر سورية إلى حيفا، وبالتالي تستفيد إسرائيل من موقعها المطل على البحر الأبيض المتوسط في نقل النفط العربي وتسويقه في أوروبا.

على الصعيد المحلي، فإن إسرائيل ستستغل عملية التطبيع في استيراد النفط الإماراتي بدلاً من الخام الروسي. وتعتمد إسرائيل في تلبية حاجتها النفطية على الشركات الروسية التي تخضع لسياسات الكرملين التي ربما تتعارض مع المصالح الإسرائيلية، إذ لدى روسيا مصالح في سورية وعلاقات تجارية واتفاقات نفطية واسعة مع إيران. وبالتالي ربما تمكن اتفاقية التطبيع مع الإمارات المصافي الإسرائيلية من الاستغناء عن خام الأورال الروسي. 

وقال مصدر بالحكومة الإسرائيلية لنشرة "ستاندرد آند بوورز": "نعلم أن لدى الإمارات إنتاجا نفطيا يقدر بنحو 3 ملايين برميل يومياً، وإنها تصدر نحو مليوني برميل يومياً، وبالتأكيد سننظر لخيار استيراد النفط الإماراتي".

وفي هذا الصدد، ترى نشرة "فورن بوليسي" أن إسرائيل تسعى لتصدير النفط العربي عبر أراضيها لتفادي مرور الحاويات النفطية عبر مضيق هرمز، وذلك عبر إحياء مشروع قديم لخط الأنابيب بين ميناء إيلات وعسقلان.

وفي حال تنفيذ المشروع، فإنه سيكون على حساب قناة السويس التي تعاني حالياً من عدم قدرتها على تمرير الحاويات النفطية الضخمة التي تحمل نحو مليوني برميل. وفي عام 1968، أنشأت الحكومتان الإسرائيلية والإيرانية ما كان يسمى آنذاك شركة خط أنابيب إيلات عسقلان كمشروع مشترك مناصفة بنسبة (50-50) في المائة لإدارة تصدير النفط الخام الإيراني عبر الأراضي الإسرائيلية، ومن ثم عن طريق الناقلات إلى أوروبا.

وكان خط أنابيب النفط الصحراوي، الذي يربط بين ميناء إيلات ومحطة ناقلات النفط بعسقلان مشروعاً سرياً على أيام شاه إيران، أي قبل "الثورة الإسلامية".

وحسب تحليل نشرة "فورن بوليسي"، فإن التطبيع الإسرائيلي الإماراتي سيمنح إسرائيل دوراً أكبر بكثير في تجارة الطاقة في المنطقة وسياسات البترول واستثمارات النفط.

 وسبق أن أفادت صحيفة "غلوبس" الإسرائيلية (8) التي تعنى بالاقتصاد والتجارة، بأن تل أبيب اقترحت على أبو ظبي إقامة أنبوب لضخ النفط والغاز ومشتقات النفط الخام إلى أوروبا والقارة الأميركية، وذلك من خلال استخدام شبكة أنابيب شركة "كاتسا" الإسرائيلية لنقل النفط من إيلات إلى ميناء عسقلان (أشكلون).

ويقضي المقترح الإسرائيلي الذي قدم للإمارات بربط محطة النفط التابعة لـ"كاتسا" في إيلات بالشبكة السعودية التي تصل إلى مصفاة ينبغ (700 كيلومتر عن إيلات) حيث إن ربط شبكة الأنابيب السعودية بالشبكة الإسرائيلية سيسهم في تقليص المدة الزمنية لنقل النفط ومشتقاته من السعودية ودول خليجية إلى العالم، كما أنه سيوفر من تكاليف النقل وسيعفي من دفع الرسوم مقابل عبور البواخر والناقلات في قناة السويس.

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن السعودية ودولا خليجية تنظر باهتمام لإمكانية تفعيل شبكات الأنابيب وإقامة ممر بري لنقل وتصدير النفط إلى العالم عبر التوفير بتكاليف النقل والحراسة الأمنية، وأيضا تقليص المسار البحري الذي يشكل خطرا على ناقلات النفط من التهديدات بالاستهداف من إيران واليمن في الخليج العربي ومضيقي هرمز وباب المندب، وأيضا سيجري صد هجمات القراصنة عند مدخل البحر الأحمر بمساره قرب الصومال.

نفط الامارات والسعودية عبر اسرائيل

تجدر الإشارة إلى أن تخلي القاهرة عن السيادة على جزيرتي تيران وصنافير ونقلهما للسعودية، حفز تل أبيب وأبو ظبي على بلورة خطة مشروع الممر البحري من إيلات إلى جدة وربط شبكات أنابيب النفط بين الإمارات والسعودية وإسرائيل، علما أن تيران وصنافير تتحكمان في مدخل خليج العقبة وميناءي العقبة الأردني وإيلات، وتقعان على امتداد يتسم بأهمية إستراتيجية، ويمثل طريق إسرائيل لدخول البحر الأحمر.

تبين الخريطة الملحقة مخطط مشروع ربط خط أنابيب النفط من الامارات عبر السعودية ومنه إلى ميناء إيلات بإسرائيل وتقوم هذه الأخيرة بإنجاز مشروع مد للقناة إلى عمق 10 كيلومتر داخل إسرائيل، ثم ربطه بخط السكة الحديدية لغاية ميناء عسقلان المطل على البحر الأبيض المتوسط.

إن فتح هذه القناة واستغلال ميناء إيلات سوف يقلص مداخيل قناة السويس إلى حدود دنيا قد تصل إلى نقص بنسبة 70 بالمائة، لتصبح مصر الخاسر الأكبر من هذا المخطط الاستراتيجي، خصوصا إذا علمنا أن الولايات المتحدة وحلفاء إسرائيل الأوروبيون زيادة على الامتيازات الموضوعية التي سيكسبونها من خلال ربح الوقت وخفض التكاليف فإنهم يفضلون استثمار أموالهم وتجارتهم عبر إسرائيل بدلا من المرور عبر قناة السويس.

فهل الحل في الغاز الصخري؟

والحل الوحيد والمنطقي يكمن في تخفيض ومسايرة الأسعار في الأسواق العالمية، وإلا فمعظم متعاملي الجزائر سيتوجهون أمام التحكيم الدولي، حيث يجب أن يخفض السعر إلى نحو دولارين للوحدة البريطانية (أي ما يعني خفض السعر ّإلى النصف، حيث أن السعر الحالي للغاز الجزائري هو 4 دولار للوحدة البريطانية) فهل بإمكان الجزائر مسايرة هذه الأسعار؟ وهل هذه الأسعار قادرة على تغطية تكلفة الإنتاج المحلي للغاز الطبيعي؟ بالإضافة إلى تقليص المداخيل بنسبة 50 بالمائة في هذا القطاع الحيوي الذي طالما كانت تلعب فيه الجزائر دور السيدة بلا منازع.

ربما الحل الموضوعي الأقرب هو التوجه السريع نحو استغلال الغاز الصخري عن طريق استثمارات وشراكات مع شركات عالمية أبدت النية للاستثمار في قطاع استغلال الغاز الصخري الذي للأسف مازال موضوع شد ومد وجدال عقيم أقحم فيه غير أهل الاختصاص وما زال يراوح مكانه.

ويبدو أن المستقبل الطاقوي للجزائر ليس ورديا كما يتصوره البعض وينظر له وإنما ينذر بمشاكل جمة. وأن أحد أهم الحلول هي التوجه السريع لاستغلال الغاز الصخري قبل نهاية سنة 2025 لأن المصادر تتحدث أن سنة 2030 هي سنة الطاقات البديلة صديقة البيئة والمتجددة أو ما يعرف أيضا بالطاقات الخضراء مثل طاقة الأمواج البحرية والطاقة الباطنية لكرة الأرض وطاقة الهيدروجين والليثيوم وغيرها من الطاقات النظيفة، لذلك وجب على القيادة الجزائرية استباق الزمن ورسم استراتيجية طاقوية مبنية على التنوع الطاقوي الغير تقليدي واستغلال كل المقدرات الطاقوية وعلى رأسها الغاز الصخري، حيث تحتل الجزائر المرتبة الثالثة عالميا من حيث المخزون العالمي وذلك قصد حماية مواردها من العملة الصعبة المهددة وكل تأخير في استغلال هذا الملف العالق سيعقد من الوضعية المالية والاقتصادية للجزائر مستقبلا.

وأمام هذه المستجدات وأمام تعقد الوضعية، وانعدام رؤية مستقبلية استراتيجية واضحة قائمة على العقلانية والموضوعية، تبدو الحكومة الجزائرية عاجزة عن توفير الحلول، فمنذ سنوات والحكومات المتعاقبة تعلن عن انتقال طاقوي قريب، يسمح بالتوجه نحو الطاقات المتجددة، وبالرغم من إنشاء وزارة كاملة للانتقال الطاقوي قصد خفض الطلب الداخلي وحماية صادرات البلاد الغازية والنفطية، التي تشكل أكثر من 95 بالمائة من عائدات الجزائر من العملة الصعبة، في وقت يبقى ملف الغاز الصخري مجمداً بقرار سياسي، كونه محل رفض شعبي، بسبب المخلفات التي تترتب على استغلاله، خاصة على البيئة والمياه الجوفية، وافتقار الجزائر لآليات التنقيب والاستغلال وكلفتها الباهظة، تبقى دار لقمان على حالها مما ينذر بسنوات عجاف، فهل الحل في استغلال الغاز الصخري حقا؟ هذا ما سنراه في المقالة المقبلة.

 

هوامش

(1) موقع Investing.com

(2) حسان جبريل/ الأناضول.

(3) موقع العربي الجديد.

(4) عن موقع مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية علي حسين باكير – الجزيرة.

(5) عدنان أبو عامر سوريا.

(6) موسى المهدي لندن موقع الغربي الجديد.

(7) محمد محسن وتد - القدس المحتلة موقع الجزيرة.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

انيس محمد - Jan 11, 2021 - أضف ردا

لقد افادني هذا المقال شكرا لك

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب