إسحاق نيوتن لم يكن عالم فيزياء فقط، بل كان عبقريًّا متعدد الأبعاد، جمع بين الشعر والعلم، وبين الخيال والدقة، إنه ذلك النور الذي خرج من قرية إنجليزية هادئة ليضيء مسار البشرية نحو الفهم الأعمق لقوانين الكون، قد لا يشعر الناس دومًا بحاجتهم للعلماء، ولكن إنجازات مثل تلك التي تركها نيوتن، هي ما يرفع الإنسان من الأرض إلى السماء.
غالبًا ما يغرق الإنسان المعاصر في بحر الحياة اليومية المتسارع، ويتجاهل الإسهامات العظيمة التي قدمها العلماء لـمسيرة التطور في الحياة. ففي عصرنا هذا، حيث نرتاد الطائرات النفاثة التي تقطع القارات في ساعات معدودة، ونستمتع بـالكهرباء التي تضيء دروبنا وتدير آلاتنا، يميل كثيرون إلى نسيان العقول الفذة التي احترقت وذابت لإضافة كل هذا العطاء إلى معمار الحضارة والحياة نفسها.
لقد أخرجت هذه العبقرية البشرية من المغارة والكهف إلى ناطحات السحاب، ومن الرحلات الشاقة التي تستغرق أيامًا على ظهور الإبل، إلى رحلات جوية سريعة تربط أطراف العالم. ومن بين هؤلاء العباقرة الذين أرسوا دعائم التقدم العلمي، يبرز اسم السير إسحاق نيوتن، العالم الذي لا يزال إرثه يُشكل حجر الزاوية في فهمنا للكون، ولكن هل نعرف الجوانب الخفية في حياة هذا العبقري الذي لا نذكر اسمه إلا مقترنًا بقانون الجاذبية؟
إسحاق نيوتن: طفولة غير متوقعة وبراعم ذكاء مبكر
وُلد إسحاق نيوتن في عام 1642 بعد مخاض داهم أصاب أمه في غير أوانه، فبدا للقابلة أنه لن يعيش، إذ لم يزد حجمه عن كوز صغير. كما أن الظروف المحيطة بولادته كانت صعبة للغاية، فقد توفي أبوه قبل ولادته بـشهور، ولم يكن له سوى أمه الشابة التي لم تملك إلا الحب والحنان لترعاه. عاش نيوتن ونما بين عيني أمه، مظهرًا بوادر ذكاء مبكر.
وحين بلغ الرابعة من العمر، اضطرت أمه لتسليمه إلى جدته بعد أن تقدم لها من كانت لا تستغني عن الاقتران به. لقد أحاطت الجدة حفيدها بالرعاية والتدليل، وغمرته بـحبها وحنانها، وهي تلاحظ كيف تتفتح فيه براعم الذكاء وتظهر عليه مخايل التطلع والطموح.
نيوتن فنان وشاعر قبل أن يكون عالمًا
عندما بلغ نيوتن الثانية عشرة من عمره، أدخلته جدته المدرسة الابتدائية، وكانت تتوقع له التفوق على أقرانه. ومع أنه لم يُظهر كسلًا أو تراخيًا، فإنه لم يكن التلميذ المتفوق الذي تصورته جدته في العلوم والرياضيات في البداية. بل أخذ يُعرف بـتفوقه ونبوغه في الشعر والرسم، فكان في صباه يرفرف بـجناحيه الفضيين في أجواء الشعر، وكانت يده تعالج الألوان والظلال، ما يجعله أقرب إلى الفنان والشاعر في تلك المرحلة من حياته.

صراع بين الفن والعلم العودة إلى الحقل
لم تكن رؤية الأم وأفراد الأسرة للشعر والرسم كافية لـتأمين مستقبل نيوتن. فالأم التي فقدت زوجها، كانت بحاجة إليه في فلاحة الأرض، إذ كان أبوه فلاحًا، ورأت أنه الأجدر به أن يعود إلى الأرض ويستغل شبابه ونشاطه في جني الخير منها. وهكذا، ترك نيوتن المدرسة في عام 1656م وبدأ يعمل في الأرض كما أرادت له أمه.
ومع ذلك، لم يترك الكتاب؛ إذ وجد فيه الآفاق التي تتسع لـخياله وطموحه، وتابع من خلاله دراسة المواد التي حُرم منها بتركه المدرسة، محتفظًا بشغفه بـالتحليق في الآفاق التي يجدها في الكتاب ولا يجدها في الحقل.
الانعطاف نحو العبقرية العلمية: جامعة كامبريدج
بعد 4 سنوات قضاها في العمل بـالأرض، جاء القدر ليغير مسار حياة نيوتن. فذات يوم، مر به خاله، الذي كان ناظرًا أو عميدًا لـكلية الثالوث في جامعة كامبريدج. رأى الخال نيوتن عاكفًا على كتاب، واقتنع بعد أن رأى ما يقرأه الشاب، بضرورة عودته إلى المدرسة، وبالتحديد إلى كليته.
شهدت هذه الكلية مراحل تفتح عبقرية نيوتن يومًا بعد يوم. وعلى الرغم من تفوقه في العلوم الرياضية، حيث كان يصل إلى حلول للمسائل تختلف عن تلك التي يصل إليها المدرسون، فإنه ظل يعشق الفن والشعر، ويجد في الشعر (مسابح روحه المحلقة فيما وراء المنظور والمحسوس). بعد خمس سنوات قضاها في الكلية، لم يتفوق نيوتن في المواد العلمية التي يتلقاها فحسب، بل كان يناقشها ويبحثها بعمق، ويصل إلى نتائج تبهره وتلهب مشاعره نحو المزيد من الاكتشاف. تخرج نيوتن بدرجة بكالوريوس في العلوم، وانصرف إلى متابعة البحوث التي تلامحت له وهو لا يزال في الكلية.

اكتشافات نيوتن العلمية الرائدة: التفاضل والتكامل وقانون الجاذبية
قبل مضي سنتين على تخرجه، اكتشف نيوتن علمًا جديدًا من علوم الرياضيات: حساب التفاضل والتكامل، وابتكر طريقة غير معروفة قبله لـحساب مساحات الأقواس والمنحنيات وأحجام الجمادات. لم يخطئه تقدير دوائر العلم، فسرعان ما عُين أستاذًا في جامعة كامبريدج التي تعد صنو جامعة أكسفورد، وهما أعظم وأقدم جامعتين في إنجلترا.
في كامبريدج، أُتيحت له وسائل البحث، فكرس جهده لـدراسة طبيعة الضوء. وخلال سنته الأولى في كامبريدج، خرج على العالم بأول تلسكوب عاكس من نوعه، واكتشف به النجيمات التي تدور حول كوكب المشتري، ثم ما يُسمى الممر الإهليلجي للمذنبات.
بعد توليه منصب أستاذ الرياضيات، شيَّد نيوتن لنفسه مختبرًا كيميائيًا، حرص على أن يحيطه بحديقة لصنوف من الزهر، تروي بـشكولها وألوانها عطشه إلى الفن والجمال. ولم يمنعه ذلك من دراسة هذه الأزهار والنباتات، ومواصلة بحوثه عن الضوء، وتكوين الألوان، ليقرر أن النور يتحرك في أمواج، وليس شعاعًا.

النقطة الأكثر تحولًا في تاريخ العلم كانت عندما استرعى انتباه نيوتن سقوط تفاحة من غصنها في الشجرة، في حين كان مستغرقًا في التفكير في إحدى تهويماته في حديقة منزل والدته. انفتح أمامه باب واسع للاستنتاج انتهى به إلى وضع قانون الجاذبية الذي لخصه بأن (مادة أو ذرة من مادة في هذا الكون، تتجاذب مع ذرة أخرى بقوة تتناسب عكسيًا مع مربع المسافة بينهما). هذا القانون لا ينطبق على الأرض فحسب، بل على كل الأجرام السماوية في الكون الكبير.
الصراعات والنقد: كتاب (القواعد الرياضية للفلسفة الطبيعية)
بعد اكتشافه هذه الحقائق في تأملاته، أسرع نيوتن إلى كامبريدج ليضع كل ما استنتجه في معادلات تُضيف إلى الفيزياء وعلم الفلك كشفًا يُغير كثيرًا من اتجاه العلم. ومع ذلك، ظل يتردد في نشر نظرياته ومعادلاته، إلى أن أقنعه بضرورة نشرها أحد أصدقائه المخلصين. فعكف على تدوين وشرح ما وصل إليه طيلة عامين كاملين. نُشرت هذه النظريات في كتاب باسم: (القواعد الرياضية للفلسفة الطبيعية).

لكن الجفاف الذي تميزت به أبحاث الرياضيات، خاصة هذا البحث الجديد، صرف كثيرين عن الاهتمام بـالكتاب. يمكن القول إنه "لم يحدث في دوائر العلم تلك الهزة التي يحدثها أي كشف علمي جديد". والذين اهتموا بتقليب صفحات الكتاب من كبار علماء إنجلترا، لم يزيدوا على أن يُوسعوا المؤلف نقدًا وتجريحًا، حتى قال أحدهم: «أي مخبول رياضي هذا؟ لن يجد عشرين شخصًا يفهمون ما يقول..». وكان هذا هو الواقع، فقد عاش نيوتن أربعين عامًا بعد نشر كتابه ونظرياته، ولم يتجاوز عدد الذين فهموها وآمنوا بها اثني عشر رجلًا.
نيوتن والحياة الشخصية: قصة حب لم تكتمل والمسار السياسي
على الرغم من انشغاله بـالأبحاث العلمية العميقة التي استغرقت حياته، لكن نيوتن وقع في شراك الحب التي أحبها كانت فتاة، ربما لم تكن لترفض الزواج منه، على الرغم من إهماله لهندامه ومظهره، لكن المشكلة لم تكن في مظهره، بل في حالة الاستغراق التي جعلته يحاول حشو غليونه بأصابع الفتاة بدلًا من التبغ. ربما لم يذهل عنها، بل كان مستغرقًا في جمالها. وعندما أيقظته صرختها، اعتذر وصارحها أو صارح نفسه، بأن لا سبيل إلى أن يتزوج أبد العمر.
يُؤخذ على نيوتن، وهو العالم الذي كرس حياته للبحث العلمي، أنه تطلع إلى مركز سياسي، وأن يُعد في الحاشية الملكية البريطانية. يبدو أنه كان لديه من الأصدقاء الوجهاء من سعوا لتحقيق أمله، حيث عينه القصر مساعدًا للقيّم على المسكوكات. فرح نيوتن بالمنصب بلا شك، ولكن نقاده وحساده اعتبروا تعيينه في هذا المنصب سقوطًا من منابر العلم إلى حضيض الوظيفة.
يقول كتاب سيرته إن نيوتن: أُصيب بما يشبه لوثة عقلية، ربما دخل من أجلها مستشفى الأمراض العقلية. يجمع المؤرخون على أنه بات كثير الشكوك في أصدقائه وزملائه، بحيث لم يبق له من يأنس إليه سوى ابنة أخت له، كانت رائعة الجمال بارعة الذكاء، وقد فرغت لرعايته والعناية به وإدارة بيته وشؤونه. وحين أنعم عليه الملك بلقب فارس (سير (Sir)).
قال فولتير وغيره من كتاب العصر: إن ابنة الأخت الجميلة هذه هي التي يعود إليها الفضل في حصوله على اللقب، يريدون بذلك أن اللقب لم يكن تقديرًا للعالم الذي وضع حساب التفاضل والتكامل واكتشف قانون الجاذبية، وإنما إعجابًا بالصبا والجمال، والحسن والدلال، الذي تمتع به ابنة أخت العالم الكبير.
وفاة نيوتن وإرثه الخالد
توفي إسحاق نيوتن في عام 1727م وقد تجاوز الخامسة والسبعين من العمر، وتدهورت صحة نيوتن، لم يخطئه تقدير القصر والدولة بعد وفاته، إذ دُفن في دير وستمنستر مع كثير من عظماء إنجلترا.

مرت سنوات طويلة قبل أن يُقام له تمثال في كامبريدج يُذكر طلبة العلم بالعالم الذي غيّر كثيرًا من أساسيات العلم بالكون. ولعل نيوتن لم يتمتع بمثل التقدير الذي أصبح يتمتع به في دوائر العلم في هذا العصر الذي نرى فيه ما تحققه العلوم والتكنولوجيا من انتصارات تُضاف إلى حضارة الإنسان. يظل إرث نيوتن شامخًا، يذكرنا بـقوة العقل البشري وقدرته على كشف أسرار الكون، حتى لو لم تُقدر هذه الإنجازات حق قدرها في عصره.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.