إذا عملت عملًا... فأتقنه


إذا ضربتم فأوجعوا، وإذا أطعمت فأشبع، وإذا مشيت فأســــرع، وإذا تحــــدّثت أو تكلمت فأقنع وإذا كتبت أو صنعت أو فعلت أيّ فعل فأبدع وأتقن... هذه الصّفات مأثورة  من صفات أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه موافقة ومتّفقة مع شخصيّته القوية المحبّة للإحسان والإتقان لكلّ شيء... وفي كلّ شيء.

ولكن إذا تأملنا هذه الصفات لعرفنا أنّها تأمر بإتقان أيّ عمل نقوم به، وأيّ فعل نفعله على كل وجه من وجوه الإتمام والإحسان والإتقان والإبداع، كي يأتي هذا العمل على غير المألوف أو المعتاد السهل اليسير الذي يستطيع فعله كثير من الناس؛ فلكي تتحقّق السّعادة الغامرة بعد كل عمل أو فعل ننجزه فلا بد من إنجازه على غير مثال سابق، لا بد من إنجازه بتميّز ودقّة وتفرد...

فالضرب للعدو يتطلب الإيلام والشدّة (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حتى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حتى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا).

والإطعام يتطلب الإشباع والإطعام من أفضل ما تحبّ، والحكم يتطلب العدل، والحديث والخطابة تتطلب الإقنـــــــاع والإمتاع والجاذبية حتّى تؤثر في المتلقين، والمشي يتطلب الإسراع، وليس التّسكع والإبطاء الشديد الذي يؤدّي إلى الوهن.

وإذا كنت دارسًا أو كاتبًا أو قارئًا فأتقن الدّراسة والكتابة والقراءة واستحضر قول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: إن الله يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه واعلم (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴿39﴾ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴿40﴾ ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى)، (إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا).

وإذا هممت لأداء فريضة دينية أو ممارسة أيّ من الأعمال الدّنيوية فقم به على وجهه الأكمل، ولا تضيع الوقت فيها دون إتقان؛ فتحاسب على ضياعها، وضياع الوقت سدى.

وأخيرًا حتى إذا ظننت فأحسن الظن قال تعالى: (فَمَا ظَنّكُم بِرَبّ العَالمِين) يقولُ ابن مَسعُود: "قسماً بالله ما ظنَّ أحدٌ باللهِ ظناً؛ إلّا أعطَاه ما يظنُّ... وذلكَ لأنَّ الفَضلَ كُلَّه بيدِ الله"..

قيل لأعرابيّ في البصرة كان قد وصل إلى أعلى درجات حسن الظنّ:

هل تحدّث نفسك بدخول الجنّة! قال: والله ما شككت في ذلك قطّ.

وأنّي سوف أخطو في رياضها، وأشرب من حياضها، وأستظل بأشجارها، وآكل من ثمارها، وأتفيّأ بظلالها، وأرتشف من قلالها، وأعيش في غرفها وقصورها.

قيل له: هل بحسنة قدّمتها؟ أم بصالحة أسلفتها؟ قال: وأيّ حسنة أعلى شرفًا وأعظم أجرًا من إيماني بالله تعالى وجحودي لكلّ معبودٍ سوى الله تبارك وتعالى.

قيل له: أفلا تخشى الذّنوب؟

قال: خلق الله المغفرة للذّنوب، والرّحمة للخطأ، والعفو للجرم، وهو أكرم من أن يعذب محبّيه في نار جهنم.

فكان النّاس في مسجد البصرة يقولون: لقد حسن ظنّ الأعرابي بربّه، وكانوا لا يذكرون حديثه إلا انحلت غمامة اليأس عنهم، وغلب السلطان الرجاء عليهم...

شكرًا لكم... وإلى اللقاء.

بقلم الكاتب


كبير معلمين .. اللغة العربية والعلوم الإسلامية .


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

احسنت استاذنا عبد الشافي والى المزيد من التالق والتوفيق يارب

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

كبير معلمين .. اللغة العربية والعلوم الإسلامية .