إدوارد فون هارتمن.. فيلسوف اللاشعور والتوفيق بين التشاؤم والتفاؤل

في تاريخ الفلسفة الألمانية، يقف إدوارد فون هارتمان كونه شخصية فريدة حاولت أداء مهمة شبه مستحيلة (المصالحة بين قطبين متناقضين) وهما فلسفة (الإرادة التشاؤمية) عند شوبنهاور، وفلسفة (الفكرة التفاؤلية) عند هيجل. انطلاقًا من مفهوم محوري هو (اللاشعور)، بنى هارتمان نظامًا فلسفيًا شاملًا يسعى لتفسير الكون، والأخلاق، والخلاص.

يستعرض هذا المقال المسيرة الفكرية للفيلسوف إدوارد فون هارتمان، من حياته العسكرية القصيرة إلى عمله الفلسفي الأبرز (فلسفة اللاشعور)، موضحًا كيف حاول بناء جسر بين أكبر تيارين في الفكر الألماني في القرن التاسع عشر.

نشأة إدوارد فون هارتمان

هارتمان، إدوارد فون: (1842-1906م)، فيلسوف ألماني من أنصار شوبنهور، ولد في برلين في 23 شباط/ فبراير 1842م، وتوفي في جوس ليشترفيلد في 5 حزيران/ يونيو 1906م، وكان أبوه ضابطًا في المدفعية البروسية.

إدوارد فون هارتمان (1842-1906م).. فيلسوف ألماني من أنصار شوبنهور ولد  في برلين وتوفي في جوس ليشترفيلد

ولهذا دخل ولده مدرسة المدفعية، لكنه أصيب في ساقه في سنة 1861م، إضافة إلى آلام روماتزمية؛ ما جعله يتخلى عن مهنته العسكرية، وبقي طول حياته شبه عاجز، فانصرف إلى دراسة التأليف في الموسيقى والرسم مدة عامين؛ بعدها تحول إلى دراسة الفلسفة، فأكبَّ عليها بشدة، ثم أخذ في التأليف في الفلسفة، فأصدر كتابه الأول والأساسي بعنوان (فلسفة اللاشعور) في برلين سنة 1869م، فوطد شهرته في الأوساط الفلسفية.

ومن ثم نشر مؤلفات عدة توسع فيها في بعض موضوعات كتابه الأول هذا، أو عدل في آرائه الأولى، وتناول فيها مسائل فلسفية ومسائل في الحضارة المعاصرة. وقبل وفاته أصدر المجلد الأول من كتاب من ثمانية مجلدات بعنوان: (موجز مذهب في الفلسفة)، ونشر الباقي بعد وفاته.

فلسفة اللاشعور.. المصالحة بين شوبنهاور وهيجل

سعى إدوارد فون هارتمان إلى تنمية فلسفة شوبنهور التي اعتنقها في اتجاه يقارب بينها وبين الهيجلية، وقد تأثر بـ(كنت، وشلنج)، خصوصًا شلنج في مطلع فلسفته، وعنه أخذ فكرة اللاشعور.

مفارقة التشاؤم والتفاؤل في مذهب إدوارد فون هارتمان

حاول هارتمان التوفيق بين تشاؤم شوبنهور وتفاؤل ليبنتس، إن العالم بوصفه إرادة يدعو إلى التشاؤم، لكن العالم بوصفه تصورًا يدعو إلى التفاؤل، لكن المطلق اللاواعي واحد، ويجب التوفيق بين التشاؤم والتفاؤل، ويعدل فون هارتمان من تحليلات شوبنهور للذة حين نعتها بأنها سلبية، ويرى فون هارتمان أن بعض اللذات -مثل التأمل في الجمال والنشاط العقلي- إيجابية. 

ومع ذلك يقر بأن القدرة على التألم تزداد بقدر ما يزداد النمو العقلي، والشاهد على ذلك أن الشعوب البدائية والطبقات غير المتعلمة أكثر شعورًا بالسعادة من الشعوب المتحضرة والطبقات المثقفة.

أصدر إدوارد فون هارتمان كتابه الأول والأساسي (فلسفة اللاشعور)  سنة 1869م فوطد شهرته في الأوساط الفلسفية

وقد ظن فون هارتمان أن كانط -وليس شوبنهور- هو الملهم لتشاؤمه؛ لأنه يرى أن هذا العالم ليس أسوأ عالم؛ لأن الغائية اللانهائية الموجودة لدى الجزئيات في العالم تجعل منه أحسن عالم ممكن، وإن من الأفضل ألا يوجد العالم أبدًا، حسب رأيه.

ويعتمد فون هارتمان في دفاعه عن تشاؤمه على اعتبارات عصبية ونفسانية، إلى جانب اعتبارات مستمدة من أحوال الإنسان في هذا العالم الشقي.

أخلاق التشاؤم ودراما الخلاص الكوني عند إدوارد فون هارتمان

يذهب الفيلسوف هرتمان إلى أن تشاؤمه هو الأساس لقيام مذهب في الأخلاق، وأنه يعطي الأساس لنظرة غائية يمكن تقدير الدين فيها. وفي كتابه (ظاهريات الشعور الأخلاقي) (برلين، 1897م) حاول أن يبين أن كل المحاولات السابقة لإيجاد أساس للأخلاق -مثل السعادة، أو المنفعة أو الديمقراطية الاجتماعية- قد أخفقت كلها لأنها لا تصدق على الإنسان والكون، وعلى هذا الأساس، تحولت أخلاق التشاؤم عند هرتمان إلى دراما كونية للخلاص.

في نهاية المطاف، يمثل إدوارد فون هارتمان محاولة فلسفية طموحة لبناء نظام ميتافيزيقي شامل يفسر كل شيء، في توحيد التيارات الكبرى في الفكر الألماني. ورغم أن فلسفته لم تحظ بنفس التأثير التاريخي الذي حظي به شوبنهاور أو هيجل، لكن تركيزه المحوري على مفهوم "اللاشعور" كونه قوة كونية كان له أثر تمهيدي كبير، وسبق التطورات الهائلة التي شهدها هذا المفهوم لاحقًا في مجال علم النفس مع سيغموند فرويد وكارل يونغ. وبهذا، يظل هارتمان حلقة وصل فريدة ومهمة في تاريخ الفكر الأوروبي الحديث.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.