إدوارد سعيد أحد أبرز الروائيين العالميين، وأشهر الكُتّاب والمؤلفين في العالم، لم يكن ناقدًا أدبيًّا فحسب، بل كان مفكرًا عالميًا ومثقفًا عضويًا، وصوتًا قويًا يدافع عن المهمشين. بمناسبة ذكرى وفاته في 25 سبتمبر، بعد 22 عامًا مرت على رحيل الناقد والمفكر والمثقف الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد، لا يزال يحظى بالاهتمام نفسه الكبير من الأدباء والنقاد والمثقفين الذين يتناولون أعماله بالدراسة والمناقشة، وما زالت قيمته الفكرية والأدبية حاضرة في أذهان وعقول وكتابات أصحاب الأقلام الشهيرة في الشرق والغرب، ويعد إدوارد من أبرز عشرة مثقفين عرب في القرن العشرين.
نستعرض في هذا المقال سيرة إدوارد سعيد الذي عاش خارج البلاد ولكنه ترك أثرًا عميقًا في قلب الفكر العالمي، مسلطين الضوء على أكثر رواياته تأثيرًا في الأدب العالمي، وجولة سريعة في عالم إدوارد سعيد الأدبي وأهم المحطات التي مر بها في حياته على المستوى الشخصي والأدبي، إضافة إلى معلومات وأسرار المفكر الفلسطيني الكبير.
إدوارد سعيد النشأة والهوية المزدوجة
وُلِدَ إدوارد وديع سعيد يوم 1 نوفمبر عام 1935 في مدينة القدس لأب فلسطيني بروتستانتي وأم نصف لبنانية، وكان الابن الأكبر للعائلة التي أنجبت بعد ذلك أربع فتيات.

قضى إدوارد سعيد طفولته حتى سن 12 عامًا متنقّلًا بين مدينتي القدس حيث العائلة، والقاهرة حيث عمل والده، قبل أن يهاجر مع أهله إلى القاهرة بعد مصادرة أملاكهم من قبل الاحتلال عام 1948.
وفي مصر التحق إدوارد سعيد بكلية «فيكتوريا كوليدج» في الإسكندرية التي كانت تشتهر بأنها تضم أبناء الطبقة الثرية في مصر، لكنه طُرد منها بسبب مشاغبته وعدم التزامه، ليتم إرساله إلى إحدى المدارس في الولايات المتحدة وهو في 15 من عمره.
المسيرة الأكاديمية والمهنية لإدوارد سعيد
وفي عام 1957، تخرّج إدوارد من جامعة «برنستون» الأمريكية، قبل أن يحصل بعد ذلك على ماجستير في الآداب عام 1960، ودكتوراه في النقد والأدب عام 1963.
بدأت مسيرة إدوارد سعيد في تدريس اللغة الإنجليزية والأدب المقارن منذ عام 1963 عندما انضم إلى جامعة «كولومبيا» الأمريكية، وظل في المهنة نفسها حتى توفي عام 2003. وعلى الرغم من أنه تنقّل للعمل في عدد من الجامعات والمراكز، ومنها جامعة «هارفارد» وجامعة «جون هوبكنز» وجامعة «ييل»، إضافة إلى محاضراته المتفرقة التي ألقاها في أكثر من 100 جامعة حول العالم.
وعلى الرغم من أن إدوارد سعيد عاش في الولايات المتحدة منذ سن صغيرة؛ فإنه أتقن اللغة العربية والفرنسية بجانب إتقانه للغة الإنجليزية، وكان يقرأ الأعمال الأدبية العربية والأعمال الفكرية باللغة العربية بصورة مستمرة ليحافظ على وجوده وهويته كمفكر عربي وفلسطيني.
أهم المفاهيم في فكر إدوارد سعيد
لفهم تأثير إدوارد على الفكر العربي والعالمي، يجب التعمق في مفاهيمه الأساسية التي مثَّلت ثورة في النقد الثقافي:
-
الاستشراق: وهو المفهوم الأشهر في فكره. يوضح سعيد أن الاستشراق ليس دراسة الغرب للشرق، بل هو نظام معرفي وسلطوي بنى به الغرب صورة نمطية، غريبة، ومتدنية عن الشرق لتبرير هيمنته الاستعمارية. وهي الفكرة المحورية في كتابه الأهم الاستشراق (Orientalism).
-
المثقف العلني: يرى سعيد أن دور المثقف الحقيقي ليس خدمة المؤسسات أو السلطات، بل هو أن يكون صوتًا للمقاومة، وأن "يقول الحقيقة للسلطة" ويدافع عن قضايا العدالة والحرية، حتى لو جعله ذلك خارج المكان دائمًا.
-
الثقافة والإمبريالية: في هذا العمل، يوسع سعيد فكرة الاستشراق ليحلل كيف أن روائع الأدب الغربي (مثل روايات جين أوستن وجوزيف كونراد) كانت متورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في المشروع الإمبريالي ومرتبطة به.
أشهر أعمال إدوارد سعيد
يُعد كتاب «الاستشراق» الذي عمل عليه إدوارد سعيد بين عامي 1975 و1976، أشهر أعماله، وتسبب في شهرة كبيرة للناقد والمفكر الفلسطيني الكبير، إذ كان من أوائل الدراسات والكتب التي تحدَّثت عن قوالب وطرق الدول الاستعمارية لفرض سيطرتها على الدول الأخرى.

وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حققه كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد؛ فإنه أثار كثيرًا من الجدل في العالم بين الكتّاب والمثقفين والنقاد العرب والغربيين؛ إذ اتفق بعضهم مع الأفكار الواردة فيه، واختلف بعض آخر، وظل الكتاب مادةً ثريةً للنقاش والجدل سنوات طويلة.
كذلك كان كتاب «مسألة فلسطين» من أهم مؤلفات إدوارد سعيد، وصدر عام 1979، وتحدث فيه عن رؤيته الخاصة للقضية الفلسطينية من زاوية رجل فلسطيني عاش الأحداث من البداية وتعرَّف عن قرب على السياق الثقافي الاستعماري، واستعرض في الكتاب مجموعة كبيرة من الحقائق التاريخية التي تخص الشعب الفلسطيني.
قائمة أعمال إدوارد سعيد
- «جوزيف كونراد ورواية السيرة الذاتية» – عام 1966.
- «بدايات القصد والمنهج» – عام 1975.
- «الاستشراق» – عام 1978.
- «مسألة فلسطين» – عام 1979.
- «تغطية الإسلام» – عام 1981.
- «ما بعد السماء الأخيرة» – عام 1986.
- «القومية والاستعمار والأدب» – عام 1988.
- «متتاليات موسيقية» – عام 1991.
- «سياسة التجريد: كفاح شعب فلسطين لتقرير المصير» – عام 1994.
- «تمثيل المثقف» – عام 1994.
- «السلام والسخط عليه» – عام 1995.
- «خارج المكان: سيرة ذاتية» – عام 1999.
- «نهاية عملية السلام: أوسلو وما بعدها» – عام 2000.
- «تأملات في المنفى» – عام 2000.
- «إدوارد سعيد القارئ» – عام 2000.
- «من أوسلو إلى العراق وخريطة الطريق» – عام 2004.
- «الإنسانية ونقد الديمقراطية» – عام 2004.
- «المواطن المتناقض: إدوارد سعيد» – عام 2006.
- «عن النموذج الأخير: الموسيقى والأدب ضد التيار» – عام 2006.
جوائز وتكريمات إدوارد سعيد
حصل إدوارد على عدد من الجوائز وحظي بكثير من التكريمات وعضويات المؤسسات والمعاهد المرموقة، إضافة إلى أكثر من 20 شهادة فخرية من جامعات عالمية عدة. ومن أشهر الجوائز التي حصل عليها ما يلي:
- جائزة «بودوان» من جامعة هارفارد.
- جائزة «ليونيل تريلينج» في مناسبتين.
- جائزة «ويليك» من الجمعية الأمريكية للأدب المقارن.
- جائزة «سبينوزا».
- جائزة «لانان الأدبية».
- جائزة «أستورياس».
- جائزة «سلطان بن علي العويس».
- جائزة «نيويوركر» لفئة الأعمال غير الروائية.
- جائزة «كتب أنيسفيلد-وولف».
- جائزة «مورتون داوين زابل» للأدب.
نضال إدوارد سعيد السياسي من أجل فلسطين
من الجدير بالذكر أن إدوارد سعيد كان عضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني منذ أواخر السبعينيات حتى أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وكان مؤيدًا تمامًا لحل الدولتين، ثم إنه إنه كان معارضًا تمامًا لاتفاقية «أوسلو»، وقال عنها إنها صفقة خاسرة.
من أقوال إدوارد سعيد
إليك سبعة من أجمل الاقتباسات من أعمال الكاتب إدوارد سعيد:
- «أجدني أتساءل في سري ما إذا كان نظام الواجبات والمواعيد النهائية سوف ينقذني الآن، مع أني أدرك طبعًا أن مرضًا يزحف زحفًا على نحو غير منظور وبسرية أكبر وأعظم غدر من سريان الوقت الذي كانت تعلنه الساعات اليدوية الأولى، وقد حملتها وأنا غافل آنذاك عن حقيقة أنها ترقم فنائيتي ترقيمًا وتقسمها إلى فواصل تامة وغير متبدلة من المواقيت غير المحققة إلى أبد الآبدين».
- «النقد كما يُمارَس الآن نشاط أكاديمي يقع معظمه بعيدًا عن القضايا التي تهم قارئ الصحيفة اليومية».
- «الاستسلام للتخصصية، حسب ما أشعر دائمًا، هو كسل؛ ولذا ينتهي بك الأمر إلى تنفيذ ما يطلبه منك الآخرون، لأن هذا هو ما يمليه عليك التخصص».
- «كل صفحة من صفحات القصيدة أو الرواية لا بد أن تكون استولت على حقيقة اجتماعية ما، أو مسّت حياة إنسان ما، أو كبَتت طبقة اجتماعية، أو أعلت من شأن أخرى».
- «لا يصح أن يكتفي المثقف بتأكيد أن شعبًا ما قد سُلبت أملاكه أو تعرض للظلم أو للمذابح أو إنكار حقوقه ووجوده السياسي، بل عليه في الوقت نفسه أن يربط بين تلك الفظائع وألوان المعاناة المماثلة لغيره من البشر».
- «التذوق الأدبي هو ما يعلمه مدرس الأدب في الجامعات ويمارسونه، والمستفيدون من هذا النوع بالمعنى الحرفي هم ملايين الناس الذين يتعلمون في قاعات الدراسة كيف يقرأون القصيدة».
- «إن مهمة المثقف والمفكر تتطلب اليقظة والانتباه على الدوام، ورفض الانسياق وراء أنصاف الحقائق أو الأفكار الشائعة باستمرار. ومن شأن هذا أن يستلزم واقعية مطردة ثابتة، ويستلزم طاقة عقلانية فائقة، وكفاحًا معقدًا للحفاظ على التوازن بين مشكلات الذات عند الفرد ومتطلبات النشر والإفصاح عن الرأي علنًا. وذلك هو الذي يجعل منه جهدًا دائمًا متواصلًا لا يكتمل قط ولا بد أن تعيبه عيوب».
حياة إدوارد سعيد في الغرب
عاش الكاتب الفلسطيني معظم حياته في الغرب، وعلى الرغم من ذلك كان يعتب على أهله في الشرق أنهم لم يسمحوا له بأن يكون واحدًا منهم وينخرط في مجتمعهم؛ لذلك كان يطلق دائمًا على حياته في أمريكا «العيش في المنفى».
فكر وإرث إدوارد سعيد
يمثل فكر إدوارد سعيد إرثًا فكريًا لا يزال حيًا ومؤثرًا، لقد علم أجيالًا من المفكرين والنقاد كيف يقرؤون النصوص والسلطة معًا، وكيف يكشفون عن العلاقات الخفية بين الثقافة والسياسة، لقد كان بحق المثقف العلني الذي عاش خارج المكان ليكون أكثر قربًا من الحقيقة.

وفاة إدوارد سعيد
توفي توفي إدوراد سعيد في 25 سبتمبر عام 2003 عن عمر ناهز 67 عامًا، في أحد مستشفيات مدينة نيويورك، بعد 10 أعوام من الصراع مع مرض اللوكيميا.
وكما أوصى الكاتب الفلسطيني أن يُنثر رماده في إحدى الدول العربية، فقد نُقِل رماده إلى لبنان يوم 30 أكتوبر عام 2003، حيث وُضع في إحدى المقابر في جبل لبنان بحضور عائلته وبعض أصدقائه.
ومن الجدير بالذكر أن جامعة «كولومبيا» الأمريكية قد أسست ما يُعرف باسم «كرسي إدوارد سعيد للدراسات العربية» في قسم التاريخ بعد وفاة الأديب الفلسطيني والناقد العربي الكبير، كما نُشر عنه عددٌ من الكتب والدراسات خلال الأعوام التالية في عددٍ من الجامعات ومراكز غربية.
وفي ختام مقالنا عن الناقد والمثقف الفلسطيني الكبير إدوارد سعيد، نرجو أن نكون قد قدَّمنا لك المتعة والفائدة. كما يسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، وأن تنشر المقال على مواقع التواصل الاجتماعي لتعمَّ الفائدة على الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.