الخطوات الصّغيرة تؤدي إلى الخطوات الكبيرة، والخطوات الكبيرة تؤدي إلى الخطوات الأكبر، وكذلك استمرارنا في ارتكاب الأخطاء الصّغيرة يؤدي بنا غالباً إلى التورّط فيما هو أكبر.
سامر طفلٌ كسولٌ يكره التّوبيخ والتّأنيب ويحبّ ألّا يستفسر أحدٌ عن أفعاله، ولذا فهو كثيراً ما يتهرّب من تحمّل مسؤولياته عن طريق الالتفاف والدّوران أو بالأحرى الكذب، وهكذا ألِف الكذب!
ولمّا كان الأمر بسيطاً كتناول الحلويات دون إذنٍ أو إخفاء كسره لإحدى الكؤوس، أصبح الكذب شيئاً فشيئاً لعبةً ضحيّتها أحد إخوته أو زملائه، وكان دائماً ما يخبر نفسه والآخرين بأنّه مجرّد مزاح.
في البداية كان كذبه بسبب الخوف من الاعتراف بالخطأ أو من العقوبة، ثمّ أصبح فيما بعد هوايةً يمارسها أوقات الفراغ بغرض التّسلية والتّرفيه، إلى أن أصبح الكذب عادةً يوميّةً يستحيل الاستغناء عنها، فهو يكذب بقدر ما يتنفّس، وحاجته إلى الكذب كحاجة المرء إلى الطّعام؛ وهكذا وجد الأخير نفسه مدمناً على الكذب.
ولأنّه ألِف الكذب، وفقَد شعور تأنيب الضّمير الذي طالما راوده في محاولاته الأولى أصبح من السّهل عليه القيام بأيّ فكرةٍ تخطر على باله دون التّفكير في عواقبها لأنّ الحلّ في نظره دوماً هو الكذب!
لم يعِ أنّه - وإن لم يره أحدٌ - يخادع نفسه وأنّ الله يسمعه ويراه أينما كان، ولأنّه كان يتناسى الأمر رغم معرفته التّامة به، ويستمرّ في خطئه؛ فقَد إدراكه وفقَد معه الشّعور بتأنيب الضّمير، والشّعور بالخطأ، وشعور النّدم.
زعم سامر أنّ كلّ أخطائه صغيرةً، إلّا أنّه استمرّ فيها وفي كذبه، وما إن كبر وبلغ أشدّه حتّى تضخّم كذبه وكذا أفعاله الطّائشة، فهو يصاحب رفقاء السّوء، وعند العودة إلى المنزل يكذب، يسرق ثمار حديقة جاره ويكذب، يغشّ في الامتحان ويكذب، يسرق الباعة ويكذب، يكون في مكانٍ ما وعند سؤاله عنه يكذب، ومن فرط الكذب أصبح يكذب علناً دون أدنى شعورٍ بالإحراج رغم علمه بأنّ مَن حوله يعرفون الحقيقة.
أصبح يكذب أكثر ممّا يتنفّس؛ لينخرط بعدها مع رفقاء السّوء في بعض الآفات الاجتماعيّة كالتّدخين والسّرقة، ومن دون دافعٍ يورّط نفسه في الأزمات لأنّه في النّهاية سيكذب.
لا غرض له في هذه الحياة غير الكذب، رغم معرفته الواسعة بأنّه لا يجني منه شيئاً إلّا أنّه يكذب، لا لشيءٍ ما، ولكنّ يكذب ليكذب.
فقَد الجميع ثقتهم فيه حتى أهله وذووه، بل وأقرب النّاس إليه، فلا أحدَ يأتمنه على قولٍ أو حاجةٍ لأنّه بالطبع سيكذب، وهكذا أصبح كاذباً ثمّ كذوباً ثمّ مدمناً على الكذب!
الكذب هو أوّل خطوةٍ للوقوع في المعاصي، لذا اُصدق؛ فالصّدق منجاة، وقل الحقّ ولو كان مُرّاً فأمواج الحياة مهما تعالت لا تقوى على سفينة الصّدق، وإيّاك والكذب وإن كان مُزاحاً فهو يهوي بصاحبه في لُجج الظّلام.
في الختام كن صادقاً فالصّدق بيتٌ متينٌ وملاذٌ آمنٌ، والكذب كشراكِ العنكبوت وإنّ أوهن البيوت لبيت العنكبوت..
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.