التوحد والسلوك العدواني.. التعامل مع إيذاء الذات ونوبات الغضب للطفل المتوحد

يُعد التعامل مع السلوكيات الصعبة لدى الأطفال والمراهقين المصابين بالتوحد تحديًا كبيرًا يواجهه الآباء ومقدمو الرعاية، ففي بعض الأحيان، يُعبِّر الأطفال المصابون بالتوحد عن مشاعرهم وتوترهم بسلوك عدواني قد يكون موجهًا نحو الآخرين أو الأشياء، أو حتى نحو الذات، وهو ما يُعرف بـسلوك إيذاء الذات. ويمكن أن تظهر هذه السلوكيات في نوبات غضب شديدة، وتُعد علامة واضحة على الضيق الذي يعانينه الطفل.

في هذا المقال، سنُقدم لكِ دليلاً شاملًا لفهم هذه السلوكيات والتعامل معها بفعالية، بدءًا من تحديد الأسباب الكامنة وراءها، مرورًا بـاستراتيجيات التعامل الفوري مع نوبات الغضب وإيذاء الذات، ووصولًا إلى نصائح للوقاية وطلب المساعدة المتخصصة، مع التأكيد على أهمية الحفاظ على الهدوء ودعم نفسك كولي أمر.

ويمكن أن يساعدك الحفاظ على هدوئك على التعامل مع السلوك العدواني أو المؤذي للذات لدى الأطفال أو المراهقين المصابين بالتوحد، فإذا تمكنت من تحديد سبب حدوث السلوك العدواني أو المؤذي للذات؛ يمكنك التخطيط لتجنبه مستقبلًا. ويمكن لاختصاصيي الرعاية الصحية مساعدتك في فهم السلوك العدواني أو المؤذي للذات والتعامل معه.

السلوك العدواني وإيذاء النفس لدى الأطفال والمراهقين المصابين بالتوحد

يُعبِّر الأطفال والمراهقون المصابون بالتوحد أحيانًا عن مشاعرهم بسلوك عدواني، أحيانًا يكون السلوك العدواني موجهًا نحو الأشياء أو الأشخاص الآخرين. على سبيل المثال، قد يضربون أو يركلون الناس أو يرمون الأشياء.

عندما يشعر الأطفال والمراهقون المصابون بالتوحد بالإرهاق الشديد قد يعانون نوبات غضب وهذه النوبات علامة على الضيق

أحيانًا يكون السلوك العدواني موجهًا نحو أنفسهم، عندما يؤذي الأطفال والمراهقون أنفسهم، يُسمى ذلك سلوكًا إيذاءً للذات. ومن الأمثلة على ذلك ضرب الرأس بالحائط أو الأرض.

عندما يشعر الأطفال والمراهقون المصابون بالتوحد بالإرهاق الشديد، قد يعانون نوبات غضب. وتُعد هذه النوبات علامة على الضيق. ويفقد الأطفال والمراهقون السيطرة على سلوكهم ويجدون صعوبة بالغة في تهدئة أنفسهم.

التعامل مع السلوك العدواني لدى الأطفال والمراهقين المصابين بالتوحد

لا يمكنك منع كل نوبة غضب لدى طفلك المصاب بالتوحد، لذلك من المهم أن يكون لديك إستراتيجيات للتعامل مع السلوك العدواني عند حدوثه.

حافظ على هدوئك

تحدث معظم نوبات الغضب العدواني لأن طفلك لديه مشاعر قوية ولا يستطيع التعبير عنها. من خلال إدارة مشاعرك والحفاظ على هدوئك، فأنت تُقدِّم نموذجًا جيدًا لسلوك التأقلم. وعندما تكون هادئًا، يسهل عليك أيضًا الاستجابة بصورة مناسبة لاحتياجات طفلك.

عندما تكون هادئًا فأنت تقدم نموذجًا جيدًا لسلوك التأقلم ويسهل عليك الاستجابة بصورة مناسبة لاحتياجات طفلك العنيف

قلل من كلامك

خلال نوبة الغضب العدوانية، سيشعر طفلك بتوتر شديد، وسيصعب عليه استيعاب ما يقوله الآخرون عندما يشعر بالتوتر، وقد يفيد استخدام عبارات قصيرة أو حتى بضع كلمات، على سبيل المثال، قل «اجلس» بدلًا من «حبيبي، تعال واجلس هنا».

انقل طفلك إلى مكان أكثر أمانًا

حاول قدر الإمكان التحقق من أن طفلك بعيد عن أي شيء قد يؤذيه أو يؤذي الآخرين - مثل الرفوف التي قد تتساقط أو الأشياء الزجاجية. وقد تحتاج أيضًا إلى مساعدة الآخرين على الانتقال إلى مكان آمن.

فكِّر في الإشارات البصرية

يمكن للإشارات البصرية أن تُساعد في هذه المواقف. على سبيل المثال، قد يكون لديك صورة لمكان هادئ في منزلك يمكن لطفلك الذهاب إليه.

اطلب المساعدة إذا كنتَ بحاجة إلى استخدام التقييد الجسدي

إذا وجدتَ نفسكَ مضطرًا لاستخدام التقييد الجسدي عندما يُصاب طفلكَ بنوبة عدوانية، فتحدث مع طبيب الأطفال أو أي متخصص آخر حول خيارات أخرى، وقد يُمثل التقييد الجسدي خطرًا عليكَ وعلى طفلكَ، ويُمكن أن يزيد من قلق طفلكَ ويفاقم الموقف.

إذا وجدتَ نفسكَ مضطرًا لاستخدام التقييد الجسدي عندما يُصاب طفلكَ بنوبة عدوانية فتحدث مع طبيب الأطفال المتخصص

التعامل مع سلوك إيذاء النفس لدى الأطفال والمراهقين المصابين بالتوحد

يمكن أن تساعدكَ هذه الإستراتيجيات على التعامل مع سلوك إيذاء النفس عند حدوثه.

الهدوء مطلوب

عندما يكون طفلكَ المصاب بالتوحد في حالة من الضيق، حافظ على هدوئك واستخدم نبرة صوت هادئة. هذا يُطمئن طفلكَ بأنه آمن وأنكَ موجود لدعمه.

توقف عن الطلبات أو التوقعات

توقف عن أي أنشطة أو مهام قد تُشعر طفلكَ بالتوتر، تجنَّب إعطاء مزيد من التعليمات أو الطلبات، وتجنَّب أيضًا التحدث عن المشاعر. ويُمكنك العودة إلى النشاط أو المهمة عندما يشعر طفلكَ بالهدوء مرة أخرى.

من فضلك غيِّر البيئة

إذا كان طفلك يؤذي نفسه بسبب ضغوط بيئته، ففكِّر فيما يمكنك تغييره ليشعر براحة أكبر. على سبيل المثال، قد تتمكن من تقليل الضوضاء بنقله إلى غرفة أخرى أو تزويده بسماعات رأس عازلة للضوضاء. أو قد يمكنك تخفيف انزعاج طفلك الجسدي بمساعدته على تغيير ملابسه المفضلة أو استنشاق بعض الهواء النقي.

أزل الأشياء الضارة وقدّم بديلا آخر

أزل الأشياء التي تؤذي طفلك، ووفِّر له بديلاً أكثر أمانًا، على سبيل المثال، إذا كان طفلك يضرب رأسه بكتاب، يمكنك استبدال الكتاب بوسادة. إذا كان طفلك يعض نفسه، يمكنك إعطاؤه وجبة خفيفة أو لعبة مضغ بدلاً من ذلك.

أزل الأشياء التي تؤذي طفلك ووفِّر بديلاً أكثر أمانًا.. مثلًا إذا كان طفلك يضرب رأسه بكتاب يمكنك استبدال الكتاب بوسادة

شجِّع طفلك على أداء نشاط آخر

حاول توجيه انتباه طفلك إلى نشاط مفضل أو تجربة حسية ممتعة، على سبيل المثال، عناق قوي، أو القفز على الترامبولين، أو الاختباء تحت الأغطية، أو قراءة كتاب، أو مشاهدة برنامج تلفزيوني، أو صفّ المكعبات، أو أخذ أنفاس عميقة.

امدح طفلك

امدح طفلك بهدوء ولطف إذا هدأ تدريجيًّا وتوقف عن السلوك بدعمك، استخدم مدحًا وصفيًا ليعرف طفلك ما فعله جيدًا وما يمكنه فعله في المرة القادمة، على سبيل المثال «أُعجبتُ باختيارك القفز على الترامبولين بدلًا من ضرب رأسك عندما شعرت بالضيق».

لماذا يتصرف الأطفال والمراهقون المصابون بالتوحد بعدوانية أو يؤذون أنفسهم؟

قد يتصرف الأطفال والمراهقون المصابون بالتوحد بعدوانية أو يؤذون أنفسهم للأسباب التالية:

  • يواجهون صعوبة في فهم ما يحدث من حولهم، على سبيل المثال، ما يقوله الآخرون.
  • يواجهون صعوبة في التعبير عن مشاعرهم أو التعبير عن رغباتهم واحتياجاتهم.
  • يشعرون بقلق أو توتر شديد.
  • لديهم حساسية حسية، مثل الحساسية المفرطة للضوضاء أو الحاجة إلى التحفيز.
  • يشعرون بالألم أو لا يشعرون بأنهم على ما يرام ولا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم.
  • يرغبون في الهروب من المواقف أو الأنشطة المرهقة.
  • يشعرون بالغضب أو فقدان السيطرة بسبب تغيير في الروتين أو الخطة.

قد يتصرف الأطفال المصابون بالتوحد بعدوانية إذ واجهوا صعوبة  في التعبير عن مشاعرهم أو التعبير عن رغباتهم واحتياجاتهم

فهم السلوك العدواني أو المؤذي للنفس لدى الأطفال والمراهقين المصابين بالتوحد

  • إذا استطعت فهم سبب تصرف طفلك المصاب بالتوحد بعدوانية أو إيذاء نفسه، يمكنك وضع خطة لتجنب هذا السلوك في المستقبل.
  • عندما تشعران بالهدوء، ويمكنكما التحدث مع طفلكما عن هذا السلوك وما يعتقد أنه سببه.
  • إذا لم يستطع طفلكِ إخباركِ بما يُقلقه أو لم يفهمه بنفسه، يُمكنكِ استخدام مُفكرة يومية لمساعدتكِ على فهم سلوك طفلكِ.
  • حاولي الاحتفاظ بمفكرة يومية للسلوك مدة أسبوع أو أسبوعين، مع ملاحظة ما يحدث قبل السلوك وبعده.

ضع الأسئلة التالية في حسبانك:

  • في أي وقت من اليوم يحدث السلوك؟
  • ما المُدخلات الحسية التي يتعامل معها طفلكِ؟
  • هل طفلكِ مُتعب أو جائع؟
  • ماذا كان يفعل طفلكِ قبل السلوك مُباشرةً، على سبيل المثال، الاستعداد للمدرسة، أو الانتقال من نشاط لآخر، أو إكمال واجباته المدرسية؟

تجنب السلوك العدواني أو المؤذي للذات لدى الأطفال والمراهقين المصابين بالتوحد

عندما تفهم سبب السلوك العدواني أو المؤذي للذات لدى طفلك المصاب بالتوحد، ويمكنك تهيئة بيئة تساعده على الهدوء، كما يمكنك مساعدته على تعلم مهارات إدارة سلوكه.

هذه الإستراتيجيات مفيدة:

  • غيِّر البيئة إذا كانت الحساسية الحسية تُشكِّل مشكلة لدى طفلك. على سبيل المثال، خصِّص مساحة هادئة يستطيع طفلك الذهاب إليها، أو دعه يجرب سماعات رأس أو سدادات أذن عازلة للضوضاء.
  • استعد للانتقالات أو التغييرات في الروتين بإصدار تحذيرات واستخدام جداول مرئية.
  • ساعد طفلك على تعلم كيفية التعرف على مشاعره وفهمها وإدارتها.
  • ساعد طفلك على تطوير مهارات التواصل. قد يشمل ذلك كلمات أو عبارات أو إشارات يدوية أو بطاقات يمكن أن يستخدمها إذا شعر بالانزعاج أو الغضب أو الإرهاق.

مساعدة متخصصة في التعامل مع السلوك العدواني أو المؤذي للذات لدى الأطفال والمراهقين المصابين بالتوحد

يمكن لمتخصص ذي خبرة، مثل طبيب أطفال أو اختصاصي نفسي، مساعدتك في فهم سلوك طفلك العدواني أو المؤذي للذات والتعامل معه، قد يفيدك التحدث إلى اختصاصي إذا كنت قد جربت فعلًا مجموعة من الإستراتيجيات وما زلت قلقًا بشأن سلوك طفلك.

يمكن لمتخصص ذي خبرة مثل طبيب أطفال أو اختصاصي نفسي مساعدتك  في فهم سلوك طفلك العدواني والتعامل معه

إذا كنت منهكًا.. كيف ستساعد طفلك؟

يمنحك الاهتمام بنفسك جسديًّا وعقليًّا وعاطفيًّا الطاقة اللازمة للتعامل مع سلوك طفلك الصعب.

يمكنك الاعتناء بنفسك بـ:

  • تناول طعام صحي وممارسة بعض الأنشطة البدنية
  • محاولة الحصول على قسط كافٍ من الراحة أو النوم
  • تخصيص وقت للأشياء التي تستمتع بها

وأنتم أعزائي القراء، شاركونا آراءكم في التعليقات أسفل هذه المقالة: هل كانت المقالة مفيدة لكم؟

في الختام، إن التعامل مع السلوك العدواني أو المؤذي للذات لدى الأطفال والمراهقين المصابين بالتوحد يتطلب إستراتيجية مزدوجة: إدارة الأزمة الفورية بهدوء وحكمة، والعمل على المدى الطويل لفهم وظيفة السلوك ومنع مسبباته. إن استخدام أدوات مثبتة علميًا مثل تقييم السلوك الوظيفي (FBA) والاستعانة بمتخصصين يعملون بأطر علاجية كـ(PBS) و(ABA) ليس رفاهية، بل هو ضرورة لوضع خطة فعالة. الأهم من ذلك، أن دعم مقدم الرعاية لنفسه هو جزء لا يتجزأ من العلاج، فالهدوء والقوة اللذان تبنيهما في نفسك هما أفضل ما يمكنك تقديمه لطفلك في أصعب الأوقات.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة