هل تعلم أن أول إبادة جماعية في القرن العشرين لم تحدث في أوروبا، بل في قارة إفريقيا؟ قبل عقود من فظائع الحرب العالمية الثانية، شهدت أراضي ناميبيا واحدة من أبشع جرائم الاستعمار الأوروبي في إفريقيا. إنها قصة الإبادة الألمانية في ناميبيا، حيث تعرض شعبا الهيريرو والناما لحملة تطهير عرقي ممنهجة.
في هذا المقال، نكشف الستار عن الجذور التاريخية لمجازر ألمانيا في ناميبيا، ونستعرض تفاصيل جرائم ألمانيا في ناميبيا، بدءًا من مؤتمر برلين مرورًا بثورات القبائل، وصولًا إلى الاعتراف الألماني المتأخر والجدل القائم عن تعويضات ألمانيا لناميبيا البالغة 1.1 مليار دولار عام 2021.
تُعد الإبادة الجماعية في ناميبيا التي ارتكبها الاستعمار الألماني بداية أكثر فصول القرن العشرين دموية، فقد بحث المتخصصون والأكاديميون في التاريخ الاستعماري الأفريقي عن أسوأ الانتهاكات المرتكبة، وغالبًا ما تتصدر بإبادة ألمانيا في تاريخ ناميبيا الحديث قائمة الفظائع لكونها أول إبادة جماعية موثقة في العصر الحديث، هذه الجرائم التي استهدفت قبائل الهيريرو والناما تتجاوز الاستغلال لتصل إلى حد التطهير العرقي الممنهج.
لا تكاد تجد قطعة أرض في إفريقيا لم تتعرض للاستعمار، ولم يتعرض أهلها للظلم والاستعباد واستنزاف الموارد والخيرات على مدار سنوات طويلة. لكن الجرائم الاستعمارية في إفريقيا ليست كلها سواءً، فبعض هذه الجرائم لا يمكن نسيانه أبدًا حتى مع مرور الوقت وولادة أجيال جديدة لم ترَ هذه الأهوال.
ومن بين أكثر الجرائم بشاعة للاستعمار الأوروبي في إفريقيا كانت جرائم ألمانيا في ناميبيا أو ما كانت تُعرف بـ(جنوب غرب إفريقيا الألمانية) التي مر عليها أكثر من 120 عامًا، لكنها ما زالت حية في ضمير الإنسانية وذاكرة التاريخ.
الاستعمار الألماني لناميبيا وبداية المعاناة
بعد مؤتمر برلين عام 1884، قُسِّمت الأراضي الإفريقية وكأنها قطع من الحلويات على الدول الأوروبية القوية، وكانت أراضي ناميبيا من نصيب الإمبراطورية الألمانية، وبدأ الاحتلال الألماني لجنوب غرب إفريقيا، وأصبح لها الحق في السيطرة على السكان واستنزاف الموارد والخيرات. وفي غضون سنوات قليلة كان الألمان في ناميبيا قد وصلوا إلى نحو 5 آلاف مستوطن يحكمون نحو 250 ألف شخص من السكان المحليين.
لم يكن الأمر يتعلق فقط باستنزاف الموارد، وإنما سيطر المستوطنون الألمان على الأراضي وأجبروا قبائل (الهيريرو) على ترك المناطق التي يعيشون فيها منذ عهد أجدادهم، ودفعوا بهم إلى مناطق جديدة أُطلق عليها (المحميات)، إضافة إلى تقليص الحريات، وفرض القوانين الظالمة، ومعاقبة السكان بطرق بعيدة عن الإنسانية مثل الجلد والشنق.
وعلى الجانب الآخر، كان الاستعمار الألماني يتعامل مع المستوطنين الألمان بتساهل، مثل صدور الأحكام المخففة في حالة ارتكاب جرائم كبيرة مثل القتل أو الاغتصاب؛ وهو ما أدى إلى بركان من الغضب والاستياء بين السكان المحليين في ناميبيا الذين شعروا بالظلم بسبب القوانين وتطبيقها من ناحية، وبسبب فقدان أراضيهم من ناحية أخرى.
ثوره الهيريرو ورد الفعل الألماني الوحشي
تحت قيادة زعيمهم صامويل ماهريرو، ثار عدد كبير من السكان الأصليين في ناميبيا على الاستعماريين الألمان عام 1904، وهاجموا إحدى البلدات التي يتركز فيها الألمان؛ ما أدى إلى مقتل أكثر من 100 شخص معظمهم من الألمان؛ وهو ما أدى إلى اشتعال الموقف من كل الجوانب، فقد انضم إلى الثورة عدد كبير من السكان في مستعمرات أخرى، واستشاط غضب الألمان الذين اتخذوا كل الاجراءات من أجل السيطرة على هذه المستعمرات الثائرة.
ومن ناحيته، عيَّن القيصر الألماني فيلهلم الثاني (Wilhelm II) الجنرال لوثر فون تروسا قائدًا للمعارك ضد السكان الأصليين، فقرر تطبيق سياسة جديدة في التعامل معهم لا تتضمن التهدئة وإنما الإبادة بشتى الطرق، فقصف القرى والأكواخ بما فيها من رجال ونساء وأطفال؛ وهو ما دفع السكان الأصليين إلى الدفاع عن أنفسهم ضد القوات الألمانية في معركة ووتربيرغ (Battle of Waterberg) الشهيرة.
وعلى الرغم من قلة عدد الجنود الألمان أمام السكان الأصليين الذين كانت أعدادهم تقدر بالآلاف، أما اللواء الألماني فلا يتجاوز 6000 جندي، فإن الجنود الألمان كانوا يستخدمون الأسلحة الحديثة، وكان من بينها المدافع الآلية التي وُضعت في الصفوف الأمامية، ما كان له تأثير كبير في المعارك، حيث سقط الآلاف من أبناء القبائل أمام النيران السريعة للمدافع.
ومع تقدم القوات الألمانية فرَّ الثوار ناحية الشرق إلى صحراء كلهاري القاحلة التي لا تحتوي على الماء وإنما فقط الحرارة والرمال، والتي يطلق عليها السكان في إفريقيا (أوماهيكي)، وهو ما أدى إلى هلاك عشرات الآلاف من الثوار بسبب الحرارة والعطش، وألقت القوات الألمانية القبض على كثير من الثوار ووضعتهم في معسكرات الاعتقال بين التعذيب والاستخدام في الأعمال الشاقة بمبدأ السخرة.
سياسة التطهير العرقي وأمر الإبادة الجماعية
لم يكتفِ الجنرال فون تروسا بالانتصار وعودة السيطرة على المستعمرات في ناميبيا، وإنما أراد الرجل أن يقضي على الهيريرو تمامًا كما يحدث في التطهير العرقي والإبادات الجماعية، فأنشأ خطًا طويلًا من البؤر الاستيطانية وصل إلى مئات الكيلومترات؛ وذلك حتى يمنع قبائل الهيريرو من العودة إلى القرى المهجورة والمزارع، وأعطى أوامره لباقي الجماعات من السكان الأصليين بمنع الهيريرو من استخدام آبار المياه.
وفي أكتوبر عام 1904 أعلن الجنرال فون تروسا أمر الإبادة الجماعية المعروف بـ(Vernichtungsbefehl) عندما قال: «أنا الجنرال العظيم للجنود الألمان أرسل هذه الرسالة إلى شعب الهيريرو، حيث لم يعودوا رعايا لألمانيا وسيتم إطلاق النار عليهم إذا ظهروا داخل الحدود الألمانية، ولن أقبل حتى النساء والأطفال، حيث سأعيدهم إلى شعبهم مرة أخرى أو أسمح لهم بإطلاق النار عليهم، وهذه هي كلماتي الأخيرة لشعب الهيريرو». هذا الأمر العسكري يُعد دليلًا دامغًا على نية الإبادة، وفقًا لـتوثيق الأرشيفات الألمانية.
وهكذا قرر هذا المحتل الذي ينهب الأرض ويسرق الموارد ويخرج الناس من قراهم ويمنعهم من استخدام المياه المملوكة لهم في الأصل، قرر أن يقتل كل شخص من أبناء الهيريرو تقع عليه عيناه، حتى النساء والأطفال لم يرحمهم، وكأنه صاحب حق، أو كأنه إله يملك الحياة والأرض ومن عليها.
وهنا بدأ شعب الهيريرو بيأس كبير يتنقلون في الصحراء يبحثون عن الماء والملاذ؛ وهو ما أدى إلى تساقط الآلاف منهم موتى على نحو مخزٍ للإنسانية على يد الاستعمار الألماني، الذي يتحدث مواطنوه دائمًا عن الرفق بالحيوان؛ وهو الأمر الذي أشعل فتيل الغضب السياسي في ألمانيا، وجعل الناس تتحدث عن وحشية الاستعمار ووحشية القيصر، وهو ما دفع قيصر ألمانيا أن يرسل إلى القائد فون تروسا أوامر بإلغاء الإبادة الجماعية.
اشتعال المقاومة في ناميبيا وانضمام شعب الناما
كان شعب الناما الذي يمثل الضلع الثاني في أراضي ناميبيا بجانب شعب الهيرورو، قد بدأ يشعر بالغضب الشديد من وحشية الاستعمار الألماني لناميبيا، فبدأ يتظاهر ضد القوات الألمانية. وبعد مدة وجيزة قام أبناء الناما في حروب مسلحة ضد الاستعمار الألماني بقيادة زعيمهم هندريك ويتبوي (Hendrik Witbooi)، واستجاب لهذه المقاومة كثير من العشائر في ناميبيا، وهو ما جعل الجنود الألمان والمواطنين الألمان في موقف صعب، فقد كانت غارات شعب الناما لا تتوقف حتى قتل زعيمهم عام 1905؛ وهو ما أدى إلى هزيمة الناما أمام القوات الألمانية.
وهكذا انتهى تحالف الناما لمجموعة من المشردين الذين ألقت السلطات الألمانية القبض عليهم، بجانب من تبقى من قبائل الهيريرو، ودفعت بهم إلى معسكرات الاعتقال، حيث كانت الأوضاع بعيدة تمامًا عن الإنسانية، وعانى كثير من السجناء من أمراض مثل الإسقربوط ونقص الطعام، إضافة إلى التجارب التي قام بها الأطباء الألمان على المساجين بقيادة الطبيب يوجين فيشر (Eugen Fischer)، مثل الحقن بالزرنيخ والأفيون، وفتح الجثث من أجل إجراء التجارب، إضافة إلى إرسال كثير منهم في أربعينيات القرن الماضي إلى ألمانيا حيث معهد القيصر فيلهلم؛ لاستخدامهم في التجارب الطبية المميتة.
توثيق الجرائم الألمانية في ناميبيا والاعتراف الدولي
كان يمكن أن تمر هذه الجرائم الوحشية التي ارتكبها الاستعمار الألماني في ناميبيا مرور الكرام، خاصة مع أحداث الحرب العالمية الثانية، إلا إن سلطات جنوب إفريقيا التي كانت تابعة للاستعمار البريطاني كانت قد دخلت إلى ناميبيا ومناطق أخرى في جنوب غرب إفريقيا عام 1915، وأصدرت كتابًا عام 1918 بعنوان (الكتاب الأزرق) عن تجاوزات الاحتلال الألماني في ناميبيا، وتحدث الكتاب عن موت 65 ألف من أبناء الهيريرو أي ما يعادل 80% من السكان، و10 آلاف من أبناء الناما نحو 50% من السكان؛ نتيجة سياسات الاستعمار الألماني في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.
واعترفت الأمم المتحدة نفسها بأحداث الإبادة الجماعية في ناميبيا، وذلك في تقريرها الذي صدر عام 1985 الذي قال إن ما حدث لشعوب الناما والهيريرو في بدايات القرن العشرين هو إبادة جماعية، وهو ما أحرج الحكومة الألمانية، وجعلها تعترف رسميًّا بأن ألمانيا مارست إبادة جماعية في ناميبيا.
تعويضات ألمانيا لناميبيا المثيرة للجدل
أصدرت ألمانيا عام 2021 إعلانًا مشتركًا مع حكومة ناميبيا، والتزمت فيه بتقديم تعويضات بنحو 1.1 مليار دولار بمساعدات تنموية مدة 30 عامًا، تُنفق في المناطق نفسها التي جرت فيها أحداث الإبادة الجماعية التي يعيش فيها أحفاد ضحايا الإبادة الجماعية في ناميبيا. وقد تسبب هذا الإعلان في استياء عام في ناميبيا، فطالب النشطاء بإعادة التفاوض، والحصول على مبالغ مالية أكبر؛ نظرًا لحجم الجريمة وعدد الضحايا.
أيضًا فإن كثيرًا من الناشطين السياسيين وأبناء الهيريرو والناما قد رفضوا ذلك الإعلان المشترك، واتهموا الحكومة الناميبية بأنها لا تمثلهم في ذلك الأمر. بل طلبوا أيضًا أن يشاركوا مباشرة في المحادثات مع الحكومة الألمانية، وهو ما رفضه الجانب الألماني تمامًا، ورفض البرلمان في ألمانيا أي محادثات مع ناميبيا بخصوص التعويضات، وعدَّ أن الإعلان المشترك والمبلغ الذي أقرُّوه كافٍ تمامًا لإغلاق الموضوع.
تظل الإبادة الجماعية في ناميبيا فصلاً أسود في تاريخ الاستعمار، فلا يمكن للزمن أن يمحو ذكرى جرائم الاستعمار الألماني لناميبيا ضد قبائل الهيريرو والناما. وعلى الرغم من اعتراف ألمانيا بمسؤوليتها وتقديم تعويضات ألمانيا لناميبيا، فإن الجدل حول العدالة الكافية والمشاركة المباشرة لأحفاد الضحايا ما يزال مستمراً. فجرائم القتل وجرائم سلب الأراضي تأتي دائمًا على رأس قائمة الجرائم التي لا تموت بالتقادم، وتبقى شاهداً على الوجه القبيح للاستعمار.
وفي النهاية، تظل الجرائم تحتفظ ببشاعتها حتى لو مر عليها مئات السنين، ويظل الوجه القبيح للاستعمار جليًا ومقيتًا، حتى لو كانت التعويضات بالمليارات. فجرائم القتل وجرائم سلب الأراضي تأتي دائمًا على رأس قائمة الجرائم التي لا تموت بالتقادم.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن جولة تاريخية في أحداث الإبادة الجماعية التي قامت بها ألمانيا في ناميبيا في بدايات القرن العشرين، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.