بقلم د. أحمد الوحش
يُقَال "إن الطب كان معدوماً فأوجده أبقراط، وكان ميتاً فأحياه جالينوس، وكان متفرقاً فجمعه الرازي، وكان ناقصاً فأكمله ابن سينا".
ترتبط دراسة الطب حالياً باللغة الإنجليزية، والذي وُضِعَت أساساته في العصر الذهبي للإسلام، وارتبطت اللغة العربية بالطب ارتباطاً وثيقاً آنذاك، فكانت بمثابة اللغة الأم للطب الحديث.
بدأ المسلمون دراسة الطب في القرن التاسع الميلادي في عصر الخلافة العباسية، وقد ربطوا الأعراض بالأمراض وكانت تلك سابقةً لم تحدث من قبل، ووضعوا منهجاً علمياً تستند عليه المراجع الطبية الحديثة، بينما حرمت الكنيسة الغربية علاج المرضى في ذلك الوقت؛ لأن المرض عقاب من الله ولا يجوز للطبيب أن يعالج المريض، واستمر هذا الاعتقاد الغربي حتى القرن الثاني عشر.
ترجم الأطباء العرب كتابات جالينوس وأبقراط وديسقوريدوس وغيرهم من أطباء الإغريق والتي كانت بدائيةً، فطورها الأطباء العرب وشيدوا الأعمدة التي قام على أساسها الطب الذي ندرسه الآن.
لم تقتصر مهنة الطب على الرجال فقط، قد ذكرت الكتابات الأدبية عن طبيبات قدمن خدمات التداوي في بلاط الخلافة العباسية، ارتبطت أسماءٌ مميزةٌ كثيرةٌ بالطب العربي، فكان أشهرهم أبو بكر الرازي وابن سينا وابن زهر وابن النفيس...وغيرهم من العظماء في تاريخ الطب.
سأحدثك عن أهم أطباء العرب وكيف أسسوا الطب الحديث...
أبو بكر الرازي طبيب وفيلسوف وكيميائي وعالم في الرياضيات، لكنه تميز في مجال الطب عن سائر المجالات، كتب أبو بكر الرازي كتاب الحاوي في الطب، والذي جمع فيه كتابات الإغريق والهنود وتجاربه وملاحظاته كطبيب، وترجم الأوروبيون موسوعات الرازي واعتمدوها كمراجع أساسية لهم قرابة أربعة قرونٍ، وأُعِيدَ طبع كتابه المترجم للإيطالية عدة مرات، وقد استحق لقب "أعظم أطباء الإنسانية على الإطلاق".
مات أبو بكر الرازي واستمر علمه، وورثه أطباء المسلمين الشبان، وفي عام ٣٧٠ه ولد أمير الأطباء وأبو الطب الحديث كما لقبه أطباء الغرب.
إنه ابن سينا الذي وضع قوانين الطب متبعاً نهج أبقراط وجالينوس، ألف كتاب "القانون في الطب"، والذي كان لسبعة قرونٍ المرجع العالمي للطب حتى القرن السابع عشر في جامعات أوروبا، وربط الأعراض بالأمراض وأهمية الحالة النفسية في شفاء المرضى، وكان له كتابات شاملة في الطب ثم فصلها في كتابات أخرى، وبدأ كتابه بتشريح كل عضوٍ ثم مناقشة الأمراض والأدوية وكيفية العلاج، وبذلك وضع ابن سينا أسس الطب الحديث.
ابن النفيس وهو أحد أعمدة الطب العربي، ومكتشف الدورة الدموية الصغرى، وأحد رواد علم وظائف الأعضاء بل وُصِفَ بأعظم طبيب لوظائف الأعضاء في العصور الوسطى، وقد عُيِنَ كبير الأطباء في مصر، ومن أهم مؤلفاته كتاب "شرح تشريح قانون ابن سينا" والذي تضمن اكتشافات جديدة في علم التشريح والوظائف والأمراض، وأهمها الدورة الدموية الصغرى، وألف كتاب "الشامل في الصناعة الطبية" المكون من ٤٣ مجلداً، وصحح بعضاً من نظريات ابن سينا خاصةً جزء الأدوية وذلك في كتابه "شرح الأدوية المركبة"، وقد استعان ويليام هارفي بكتابات ابن النفيس في شرح الدورة الدموية الكبرى.
ابن زهر أشهر جراحي الأندلس الذي عاصر دولة المرابطين والموحدين، وهو أول من شرح الجثث بعد الوفاة، وكتب "التيسير في المداواة والتدابير"، والذي أهداه لصديقه ابن رشد الذي أكمله بكتاب "الكليات في الطب".
كان ابن زهر متميزاً في الطب والجراحة، وساهم بالكثير من المؤلفات التي اعتمد عليها الطب الأوروبي، وألف كتاب "الأغذية والأدوية" ووصف فيه آثار العقاقير والغذاء على الصحة.
هناك الكثير من الأطباء العرب يستحقون الذكر، مثل كمال الدين الفارسي، الذي شرح العين في القرن الثالث عشر اعتماداً على أفكار ابن الهيثم، ومنصور ابن إلياس أحد الأوائل في تشريح بدن الإنسان... وغيرهم.
عزيزي القارئ، نتعلم من تاريخنا العربي درساً هاماً، قد أهملنا تراثنا فخسرنا مستقبلنا، بينما استغل الآخرون تراثنا فتفوقوا علينا، فهل سنتعلم الدرس؟
شكرا. لا تتوقف عن مثل هكذا مقالات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.