أيهما ينتصر.. برودة الجو أم الروح؟

شاهدنا الشتاء في الماضي ونحن صغار، يترك علامات مؤثرة في الحجر والبشر.

شاهدنا المطر الشديد يحطِّم أسقف بعض المنازل المبنية بالطوب اللبن والمسقوفة بالغاب الذي يطلق عليه السدة وطبقة من الطين.

اقرأ أيضًا ما الفرق بين فصل الشتاء في أوروبا وشمال إفريقيا؟

الشتاء في الماضي

والمنزل قد يتكون من دورين، والسلالم من الطوب اللبن والطين بديلًا عن الإسمنت، أما الطرق في شتى الشوارع فهي ترابية، ومع الشتاء تصير طينًا بسُمك يصل إلى نصف متر من الطين تغوص أقدامنا فيه، وقد نقع في الطين فيكون لوننا أسود طينيًّا من أقدامنا إلى رأسنا.

ورغم ذلك كنا سعداء، وأرواحنا تدب فيها الحياة والحركة والنضارة، وآه عندما نسمع أن بيتًا أصيب من المطر، فكل القرية تهرع إليه، وكل منا يساعد بما يقدر.

كنا نملك الصفاء والنقاء ولا نعرف البغضاء والحقد والكراهية، رغم المطر وشدة برودة الجو، كنا روحًا واحدة وجسدًا واحدًا، هذه الروح كنا نواجه بها شدة البرودة، فنتغلب عليها بروحنا العالية.

وأقصى ما كنا نفعله طمعًا في الدفء هو التجمع حول ما يُسمى بالراكية، حيث تجتمع الأسرة في حجرة أو صالة المنزل حول راكية من النار أوقدت بأعواد الحطب وقطع الخشب، وكلنا نلتمس الدفء منها.

وكنا نسعد عندما يُخبز الخبز في الفرن البلدي الموجود في كل منزل، وهو مبني بالطوب اللبن وبه قطعة حديد تسمى عرسة، وكان وقوده أقراص مجففة من روث البهائم والقش.

وعندما تنتهي النساء من الخبز كنا نجلس أمام الفرن البلدي نلتمس الدفء، أو نصعد فوق الفرن ننام أو نجلس فوقه.

اقرأ أيضًا أجمل ما قيل من عبارات عن المطر

الرفاهية تبدل الروح

أما الآن فوسائل الرفاهية منتشرة في كل مكان، ووسائل الراحة متعددة من رصف لكثير من الشوارع وعمارات شاهقة ومنازل مصبوبة بالصبة الحديثة من حديد وإسمنت وزلط ورمل، ووسائل تدفئة حديثة بالكهرباء وغطاء وفير سميك من البطاطين الصوفية.

وملابس ثقيلة تمنع البرد والمطر عن الجسد، ورغم كل ذلك وأكثر ما زلنا في صقيع وبرودة وأمراض شديدة عاتية لم نعرف لها اسمًا من قبل.

بالإضافة إلى ذلك فأرواحنا تبلَّدت وانحلَّت وتفكَّكت، لم تعد تلك الروح العالية سابقًا موجودة، قد يصيب الجار والقريب مكروه كبير ولا نهتم به، الكل لا يهتم إلا بنفسه فقط ولا يعبأ بالآخرين.

ليس هذا فقط، بل إذا استطاع الجار والقريب أن يستولي على حقوق جاره من مال وأرض وغير ذلك، يفعل ذلك ببرود وتلوُّن شديد وكأنه لم يفعل شيئًا، وانتهت رابطة الروح التي تجمع الكل.

الكل يجري وراء المادة والمال ولا يهتم من أين كسبه أمن حلال أم من حرام؟

وانتفت صفة الاحترام والتقدير للكبير، وطغى الصغير على الكبير بقلة أدبه. 

لذلك تمكَّنت البرودة من أجسادنا وأرواحنا، ولم نعد نواجه البرد القارس بالروح وننتصر عليه، كما كنا نفعل في الماضى ونحن صغار، رغم عدم وجود إمكانيات نهائيًّا، وانتشرت فينا الآن الأوجاع التي لم تكن من قبل.

فهل من عودة إلى روح الماضي من ترابط ومحبة وإخاء وإيثار الغير على أنفسنا؛ كي يرفع الله ما حلَّ بنا من غلاء وكرب؟  

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة