في ظل ترنح سعر صرف الدولار عالميًا تواجه المعادن النفيسة هي الأخرى أزمات وضغوطات سواء أكانت على المستثمرين أم على الأفراد العاديين، ليصل الحال بالدول إلى التسارع في اكتناز المعدن الأصفر "الذهب"، ليس هذا هباءً، إنما بكل تأكيد لتعزيز احتياطها من الدولار، ولم لا.
اقرأ أيضاً كابوس صرف الدولار يقلق منام الدول العربية
الدولار والذهب وجهان لعملة واحدة
الدولار والذهب وجهان لعملة واحدة لدى عدة دول؟ فليس سرًّا أن روسيا والصين تتهافتان على إنتاج الذهب واكتنازه، وفي حقيقة الأمر هما تتصدران قائمة المنتجين للذهب، فلك أن تتخيل مثلًا روسيا سجلت حوالي 350 طنًا في عام 2021، لدرجة ارتفاع الطلب العالمي على سبائك الذهب بنسبة 30% خلال عام 2021، فهذا الرقم هو الأعلى منذ 10 سنوات تقريبًا...
وإذا كان لديك أخت أو زوجة فعلى الأرجح ستحاول أن تستثمر في سبائك الذهب التي تعد زينة وخزينة دون خسائر مستقبلية لا عند الشراء ولا عند البيع، فكثيرًا ما يُحاول الاستثمار في الملاذات الآمنة بين الدولار تارة والذهب تارة أخرى.
فما هي علاقة الدولار بالذهب الذي تتسارع الدول إلى تكديسه في ظل انخفاض سعر صرف عملاتها المحلية أمام الدولار الأخضر؟
اقرأ أيضاً الغلاء بين ارتفاع الدولار وجشع التجار.. فما الحل؟
العلاقة بين الذهب والدولار
يعد صعود وهبوط الدولار الأمريكي في السوق الدولية من إحدى الأدوات الرئيسة لتحديد أسعار الذهب، وما دام الدولار المتحكم هنا، فسوق الذهب سيظل متقلبًا في جميع أنحاء العالم، وأسعاره ستختلف كل يوم من بلد إلى آخر بناء على سعر الدولار...
إذن، كيف يختلف سعر سوق الذهب بمرور الوقت إلى حد كبير؟ وكيف يرتبط الذهب بالدولار الأمريكي؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تجعلنا نعود إلى غياهب التاريخ..
في عام 1944 وقِّعت اتفاقية بريتون وودز المهمة بين 44 دولة، ومن خلال هذه الاتفاقية قرروا أن الدولار الأمريكي سيكون العملة المعتمدة في الواردات والصادرات أو التجارة الدولية...
وفي نهاية العام ستجمع الدول إجمالي احتياطي الدولار الأمريكي فيها، وعندما تذهب دولة ما إلى صندوق النقد الدولي (IMF) بهذا المبلغ من الدولار الأمريكي ستُمنح ذهبًا يحمل نفس القيمة من الدولارات الأمريكية؛ أي إن العملات قابلة للتحويل إلى ذهب، لكن هذا لم يستمر طويلًا نتيجة وجود عدة دول ليس لديها القدرة على تغطية عملاتها بالذهب، ومن وقتها ارتبط سعر الصرف لجميع العملات بالدولار وليس بالذهب..
وبسبب هذه الاتفاقية استفادت الولايات المتحدة في النهاية من حقيقة أن جميع الدول الأخرى ملزمة بالتداول مقابل الدولار الأمريكي..
اقرأ أيضاً توقعات الدولار والين.. لا يزال الدولار والين متضارب حول 130.000
تحرر الذهب من الدولار
فقد خاضت الولايات المتحدة حرب فيتنام التي انتهت عام 1975، وفي هذا الوقت من الحرب تزايدت حاجتها إلى الحصول على مزيد من الدولارات لتغطية تكاليف الحرب، ولكنها للأسف واجهت أزمة كبيرة في أن الذهب الموجود فيها لم يعد كافيًا لتغطية طباعة مزيد من الدولارات، وحينها أعلن الرئيس نيكسون التوقف عن تغطية الدولار بالذهب.
وبعدها انتقل الذهب إلى أسعار الصرف العائمة، وهذا ما جعل سعره عرضة للقيمة الخارجة عن الدولار الأمريكي، وفي نهاية المطاف تحرر الذهب من الدولار..
لكن هذا لم يؤثر كثيرًا على الدولار الأخضر، وكيف يحدث هذا ووحده يشكل أكثر من 60 في المئة من احتياطي النقد الأجنبي العالمي، ويليه اليورو الذي يمثل ثلث هذه النسبة تقريبًا..
ففي عام 2008 قدَّر صندوق النقد الدولي (IMF) أن 40-50 ٪ من التحركات في أسعار الذهب منذ عام 2002 كانت مرتبطة بالدولار، وأدى تغيير 1٪ في القيمة الخارجة فعليًا عن الدولار الأمريكي إلى تغير أكثر من 1٪ في أسعار الذهب.
حقيقة دعونا نقول إنه من الصعب على الدول الكبرى كالصين وروسيا على سبيل المثال إنشاء عملة دولية واحدة تنافس الدولار الذي يسيطر على الأسواق التجارية العالمية، لذلك يُعد الدولار العملة الآمنة في العالم، ولا أحد سيعرف هل سيأتي يومٌ ويغير أحد هذه الحقيقة، ويصنع بديلًا عن الدولار الآمن؟ فنحن نتابع الأسواق، وما الجديد الذي ستأتي به؟
دعونا نشير هنا أنه في الغالب كنا نجد علاقة عكسية بين الدولار الأمريكي المرجح للتجارة وبين سعر الذهب، فلا يزال هناك ميل نفسي نحو الذهب كلما انخفضت قيمة الدولار الأمريكي...
اقرأ أيضاً الدولار الكذبة العالمية.. قصة العملة الخضراء
أسباب العلاقة العكسية بين الدولار وسعر الذهب
-
إن انخفاض قيمة الدولار تؤدي إلى زيادة قيمة عملات الدول الأخرى، ما يزيد الطلب على السلع وارتفاع الأسعار بما فيها أسعار الذهب.
-
إن فقدان الدولار الأمريكي لقيمته يدفع المستثمرين نحو البحث عن مصادر استثمار بديلة لتخزين القيمة، فيصبح الذهب هنا هو البديل؛ لأن قيمته ترتفع خلال الفترات التي تزداد فيها نسبة التضخم..
ولكن لا تمنع هذه العلاقة بين الذهب والدولار في أن يتحرك الذهب والدولار في اتجاه واحد سواء أكان ذلك بالصعود أم بالهبوط، وهذا يحدث في حالة وجود مؤثر خارجي قوي يدفع الاثنين ليسيران في ذات الاتجاه معًا.
-
حركات الأسعار، ففي المدة الأخيرة التي نعيشها تحديدًا بين عامي 2022 و2023 نجد حالة من الترنح والتضخم والانكماش الاقتصادي تجعل المستثمرين أو الأشخاص العاديين في أنحاء العالم يتهافتون على امتلاك السبائك الذهبية بالتزامن مع شرائهم الدولار، لكن وبكل صراحة في شهر كانون الثاني (يناير) الماضي من عام 2023 كان للدولار قوته وسطوته التي كادت أن تقتل الذهب، وكان ذلك واضحًا من ارتفاع سعر الذهب ارتفاعًا كبيرًا.
بكل تأكيد نرى تفوقًا ملحوظًا للمعدن الفضة في بدايات عام 2023، فعامل العرض والطلب هنا جعله مطلبًا أساسيًا بعد ارتفاع الدولار والذهب.
فلقد كان مؤشر الدولار قد ارتفع حوالي 0.1 بالمئة، الأمر الذي جعل الذهب أكثر تكلفة بالنسبة للمشترين من حاملي العملات المحلية كالجنيه المصري على سبيل المثال، وبالمقارنة بين سعر جرام الذهب بين منتصف عام 2022 وبين عامنا الحالي سنجد أن سعره كان 750 و800 جنيهٍ، لكنه في هذا العام ارتفع ليصل سعر الجرام الواحد إلى 1720 جنيهًا..
كانت هناك توقعات حول إبطاء المجلس الاحتياطي الفيدرالي لوتيرة رفع أسعار الفائدة التي تدعم الذهب، لكن هيمنة الدولار والأسهم الأمريكية على الدول جعلت منهم أسودًا لا يمكن لأحد أن يقف في وجههم أو التفكير فيما يفكرون به، لكن دعني أذكرك بما قلته لك: "سوق الذهب متأرجح والدولار هو السيد"، فالارتفاع الذي حققه الذهب في شهر كامل هبط في يومين فقط، لا تعجب، فلقد هبط بمقدار 100 دولار، وهذا يعادل 1000 نقطة في هذين اليومين، وهذا أمر مربك للجميع حتى المستثمرين.
نعم، لقد هبط الذهب، والدولار ظل محلقًا عاليًا، فقد صرَّح رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي بأنه بعد أن رفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، وجد تحسنًا مبهرًا في حجم التضخم، وأن سياسة الهيمنة التي اتبعها آتت ثمارها، كل هذا طبعًا من وجهة نظره..
فالواقع يشير إلى تزايد نتائج معدلات البطالة ومتوسط الأجور ومعاناة الدول، لكن ليس هذا فقط، فلقد أشار رئيس البنك الفيدرالي أنه ربما تزيد أسعار الفائدة مرتين أو ثلاثة إلى حد أقصى ليصل إلى 5.25% أو 5.5%، أو ربما يتوقف عن سياسة التشديد التي ينتهجها في أٌقرب فرصة ممكنة، ليتقلص سعر الدولار والذهب.
وبذلك يتأكد الجميعُ أن الدولار هو الرابح لا محالة؛ لأننا لا ندري إن كان تكديس الذهب سيعيده إلى مكانته، لكن الدولار ما زال محتفظًا بمكانته في الأسواق العالمية.
ماذا تخبئ الأيام المقبلة؟ هل سيظل الدولار مواصلًا الصعود ليحبط الذهب أم أن العكس قد يحدث؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.