لعله من غير المجدي أن نمضي بعيدًا في عرضنا للكتب ذات المضامين الفكرية والعلمية والفلسفية دون أن نحطَّ الرحال قليلًا في محطة مهمة جدًّا وفاصلة في تاريخ تطور المعرفة البشرية.
كانت صاحبتها في مرحلة ما أحد أهم أوعية العلم والثقافة، حُفظت بفضلها فلسفات عالمية من الاندثار، ودشَّنت الولوج إلى ما سمي لاحقًا بعصر التنوير.
اقرأ أيضًا ملخص كتاب أسرار البلاغة للجرجاني
هل البلاغة تناسب هذا العصر؟
نعم.. أقصد لسان العرب. أو لغة (العين) لا لغة (الضاد) كما يرى عباس العقاد.. وأرجو ألا يضع القارئ الكريم منذ البداية هذا المقال في خانة (النوستالجيا) أو الحنين لتاريخ لن يعود، أو في خانة المراثي والبكائيات على أطلال مجد زائل!
ماذا أقول؟ في الحقيقة إن الحديث عن هكذا موضوعات متشعبة ومعقدة وذات إرث معرفي هائل كاللغة العربية لا يمكن أن يختزل في مقال من ألف كلمة..
انتظر! هل قلتُ ألف كلمة؟ لا هذا كثير! فلنجعلها خمسمائة أو قل مئة فقط..
نعم.. أوَلا نفاخر دائمًا بأن اللغة العربية لغة الإيجاز، ولغة البلاغة التي وعت كلام الله عز وجل الذي يقول في محكم التنزيل: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}.. وما أداة هذه الإحاطة الشاملة تعاليت ربي؟ {بلسان عربي مبين}.. صدق الله العظيم.
قد يعترض عليَّ أحدكم متسائلًا: وهل يحتاج التقدم العلمي اليوم إلى البلاغة والمجاز، أم إلى معاجم حديثة تواكب لغة العصر وتؤطر للمعاني على نحو دقيق؟ ولماذا كل هذا التغني بعبقرية لسان العرب؟ وهل أصلًا ثمة عبقرية حقيقية في هذا اللسان؟
وجوابي ببساطة! أنا لست عضوًا في مجمع للغة العربية لأجيب عن مثل هكذا أسئلة كبيرة، ولا أحمل مؤهلًا علميًّا يمنحني هذا الشرف؛ لذا نظرت نظرة خاطفة في أضابير كتبي المبعثرة، فوقع نظري مباشرة على كتابين مهمين لكاتبين عملاقين..
الكاتبان هما الدكتور عمر فروخ، والأستاذ الأديب أحمد حسن الزيات..
العنوانان جذابان ويدعوان المتصفح منذ الوهلة الأولى لوضع هاتفه المحمول جانبًا على المنضدة، والجلوس قليلًا وإلقاء نظرة على فهرسيهما..
فلنتصفح معًا الكتاب الأول..
اقرأ أيضًا تجديد أحمد خالد توفيق في الأدب الحديث
الكتاب الأول: (عبقرية اللغة العربية) للمؤلف الدكتور عمر فرّوخ. ط، 1981م
الكاتب غني عن التعريف، أما الكتاب فسمينٌ بعض الشيء يزيد عن ثلاثمائة صفحة بقليل لو حسبنا الفهرس والمقدمة..
يقول المؤلف في السطور الأولى من التوطئة : "هذا الكتاب مجموعة بحوث متصلة كانت في الأصل بحوثًا متفرقة أُلقيت في مجمع اللغة العربية بالقاهرة أو في اجتماعات مختلفة أو نشر بعضها في مجلة والبعض الآخر في جرائد، ولهذه البحوث المنشورة سلك واحد يجمعها على نظام واحد معين: اللغة العربية من اللفظة الواحدة إلى المدرك العقلي في اللغة العربية نفسها، ثم إلى نقل المدارك من اللغات الأجنبية إليها، ثم في مقدرتها على القيام بجميع وجوه التعبير في جميع ميادين الحياة".
أعتقد أن هذا الكلمات -بتصرُّف بسيط مني- وهذه النتيجة المبكرة لا تصدر إلا عن باحث متخصص أوتي من مجامع الكلم والحجج المنطقية ما يبرهن على صحة نتائج بحوثه، وإلا لأوقع نفسه في ورطة حقيقية أمام مجامع اللغة، وأمام العرب أجمعين..
وبالفعل هذا ما سيكتشفه القارئ العادي والمتخصص –بالقراءة المتأنية والواعية– في أثناء مطالعته للكتاب. وإليكم بعضًا من عنوانين البحوث المفيدة حسب ما جاء ترتيبها في الفهرس:
من مدارك القاموس:
· صيغ فرادى طوال
· الألفاظ الفلكية
· أسماء الشعراء
· الجيم البدوية (وتقلبها في الألفاظ العربية)
· جانب العلم في دراسة الأدب والفلسفة
· الترجمة أو نقل الكلام من لغة إلى لغة
أقول: إن هذا الكتاب سمينٌ إذا ما وزن بالحجم والورق، ودسمٌ وغنيٌ بالأفكار القيمة إذا ما قيس بمستويات العلم والبحوث الرصينة.
اقرأ أيضًا الكتابة إحدى أدوات التواصل بين الشعوب
الكتاب الثاني: (دفاعٌ عن البلاغة)، للأستاذ أحمد حسن الزيات.ط، 1945م
حقًّا إن الأفكار لا تموت، وثمة كتب لا تبرد ولا تفقد حرارتها بمرور الأيام والأعوام.
هي طازجة على الدوام! فما السر؟
للظاهرة بالتأكيد عدة أسباب، ولكن لعل أبرزها -من وجهة نظري- موضوع الكتاب أو الفكرة المطروحة، واسم الكاتب والمصداقية التي اكتسبها بين الجمهور، فضلًا عن طريقة العرض أو الأسلوب، وغيرها من الأسرار التي لا علم لي بها!
على كل حال.. موضوع البلاغة العربية أو البلاغة في اللغة العربية موضوع دائم الوجود في حلقات الجدل والنقاش المطروحة حول قضايا اللغة العربية، لا سيما بين أنصار القديم والحديث..
والأستاذ أحمد الزيات أحد أبرز رواد النهضة العربية في بداية القرن العشرين بمصر، يمتلك ناصية العربية ويُمسك لجام بلاغتها بإحكام، هو من فرسان العربية ومِن خير مَن امتطى صهوة بيانها وروَّض جماحها، بل هو الأول في الأسلوب حسب رأي كثير من النقاد..
اعتلى قمة جبل البلاغة العربية بجدارة، متجاوزًا خلالها كبار الأدباء البلغاء كعباس العقاد، وطه حسين، ومصطفى الرافعي، والمنفلوطي، وأمير البيان شكيب أرسلان وغيرهم!
وعليه؛ فمن الطبيعي أن يحمل على أعداء البلاغة ويرد العدوان عنها..
خذ هذه القطعة -مثلًا- التي جاءت تحت عنوان: (أسباب التنكر للبلاغة) حيث يقول: السرعة، والصحافة، والتطفل، هي البلايا الثلاث التي تكابدها البلاغة في هذا العصر..
فالسرعة -وهي جناية اختراع الآلة على الناس- كانت جريرتها على الفكر بوجه أعم، أن استحال تقدير القيم التي يحتاج وزنها إلى الروية والتأمل، أو إلى الأناة والصبر، فظهر الخبيث في صورة الطيب، ودخل الرديء في حكم الجيد، وقيس كل عمل بمقياس السرعة لا الجودة.
وكانت جريرتها على البلاغة بوجه أخص، أنها أصابت الأذهان فلم تعد تملك الإحاطة بالأطراف والغوص إلى الأعماق، فجاء لذلك أكثر نتاجها من الغثاء الذي لا رجع منه، أو من الزبد الذي لا بقاء له.
وأصابت الأذواق فلم تعد تميز الفروق الدقيقة بين الطعوم المختلفة، فاختلط الحلو بالمر، والتبس الفج بالناضج!
فالكاتب البليغ قد يعجله الحافز الملحُّ عن تعهُّد كلامه فيأتي بالركيك التافه. والكلام البليغ قد يسرع فيه النظر فلا يفطن الذهن إلى عبقريات الفن في تصوره وتصويره فيذهب في ذمة الغث!" انتهى الاقتباس.
بالله عليكم! أليست هذه الأمراض هي ذاتها أمراض عصرنا المزمنة، بل أصبحت اليوم أكثر فتكًا بظهور ما يسمى "بتطبيقات الذكاء الاصطناعي"؟
فمن ذا الذي يميز اليوم بين أسلوب وإبداع هذا الأديب وهذا الكاتب وهذا الفنان وذاك؛ بسبب اختلاط الحابل النابل، وغياب شبه تام لحقوق الملكية الفكرية؟
اسمعوا.. سواء أكان القارئ منكم صبورًا أو ملولًا، ففي الحالتين الكتابان جديران بالقراءة، أو على أقل تقدير التصفح السريع بعد وضع الهاتف جانبًا قليلًا، وهذا للتذكير فقط.
قد نختلف في فكرة هنا، ونتفق هناك، لكن يظل في نهاية المطاف كل ما هنالك أن اللغة العربية لغة دين مقدسة، ولغة علم، ولغة أدب، وأيضًا لغة شارع بلهجاتها المتعددة قديمًا وحديثًا، وهذا عنوان ثراء دائم لا عنوان نقص وضعف وجمود وعجز!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.