أيبك

يمتطي صهوة جواده تحيطه حاشيته من المماليك (المعزية) موكب عظيم يليق بسلطان مصر ها هو يحقق المستحيل ويصل إلى سدرة المنتهى إلى العرش نظرات العامة تتأرجح ما بين الرضى والسخط أصوات تأتى من اللامكان "نريد سلطانا من نسل الأيوبيين" ينثر عليهم الدنانير يتهافت عليها المتهافتون ولكن الصوت ما زال صداه يتردد "نريد سلطانا من سلالة الأيوبيين لن يحكمنا مملوك مسه الرق لم يولد على فطرة الإسلام حديث عهد بالحرية" سعة صدره وحكمته تجعله يتغافل مرة ومرات ولكن ماذا يفعل هناك جبهات قتال كثيرة تحاصره  من كل جانب شجر الدر زوجته المصونة تلك اللبؤة المتوحشة التى لا تريد أن ترضخ لأمره وتريد ان تسيطر عليه ودائما ما تذكره بمنتها عليه وانه كان لا شئ صفرا مهملا وبها أصبح كل شئ تذكره بتلك الأيام التى كان فيها يركع تحت أقدامها ويلعق تراب الأرض التى تدوسه لترضى عنه .... ذلك التمرد الذي قام به حصن الدين بن ثعلب بصعيد مصر تحت شعار أنه أولى لأبناء مصر أن يحكموها بدلا من عبيد مرتزقة .. بقايا الأيوبيين بالشام .. آقطاي ومماليكه البحرية وتطلعه للحكم وانتظاره الفرصة المناسبة ليطيح برأسه يتحسس رقبته ويبلع ريقه الجاف مطارق تدق رأسه لابد ان يرتب أوراقه جيدا ويتخلص منهم جميعا فإنه يعلم القانون " الحكم لمن غلب"

هبت رياح عاصفة عظيمة مزقت أستار الكعبة أختبأ الناس خوفا في بيوتهم يدعون الله سرا وعلانية ان ينجيهم من عذابه ويرحمهم برحمته الواسعة ويرفع عنهم البلاء بعضهم يقسم انه رأى شيخا في عمر الدهر كفيفا ابيضت عيناه وتغضن وجهه ونشف جسده يتكئ على عصى غليظة ويمشى وسط العاصفة يرفع صوته منذرا ومحذرا عودوا إلى بارئكم فقد ضللتم الطريق وغرتكم الأمانى .. تلك الرياح من الآيات المنذرة استيقظوا قبل أن تنهش الكلاب جسد الأمة استيقظوا قبل أن تصبحوا اعجاز نخل خاوية

في حلب النيران تأكل كل شئ النار تنين خرافي يلتهم الأخضر واليابس الدور تشتعل وتحترق وتتحول إلى رماد في لحظات. أحدهم يحاول فى محاولة عبثية انقاذ مكتبته الضخمة وعندما لا يجد ان هناك امل يبتعد وهو يرى النار تلتهم خريطة مرسومة على جلد غزال لبغداد عاصمة الخلافة

 أيبك يسير متوترا يحدث نفسه بأن آقطاى أصبح قوة لا يستهان بها بعد أن نجح في كسر نصر الدين بن ثعلب وهزيمته شر هزيمة ثم انتصاره المبهر على جيش الأيوبيين في الصالحية أصبح الكل يشير له بالبنان على أنه الفارس الذى لا يقهر ولن تمر بضعة أيام إلا ويجده فوق رأسه هو ومماليكه البحرية يبتسمون في سخرية ويحزون رأسه ليزين أسوار القلعة هذا لن يحدث كم من مره رأى عيني آقطاي وهى تنظر لكرسي العرش في تمنى وكلماته السامة المعسولة تزحف نحوه تخبره أن العرش والسلطنة لا تناسبه وأنه ولو بعد حين سيكون سلطان مصر ويردد الصمت كلمات  آقطاي التي لا تقال لا تنسى شعارنا "من غلب ركب" لذلك قرر أيبك أن آقطاى لابد ان يختفى من المشهد فدوره انتهى فأرسل إلى أقرب فرسانه إلى قلبه .... حافظ سره وقسيمه في الرأي تلميذه النجيب قطز فاتحه في الأمر وبدأت تنفيذ خطة الاغتيال .. دعوة بريئة إلى آقطاى للتشاور فى امر من أمور الحكم  وعند وصوله إلى قلعة الجبل سيقوم الكمين الذي أعده قطز بالمهمة خمسة فرسان أشداء يقودهم قطز سينقضون عليه ويقتلونه. تحقق المراد وتخضبت أعمدة القصر بدم آقطاى وطويت صفحة فارس قتل غيلة أما مماليكه البحرية عندما علموا بأنه داخل القلعة ولم يعد بعد إلى قصره أحاطوا بقلعة الجبل يشهرون سيوفهم وينادون بأعلى صوتهم على أميرهم ولا يجاوبهم إلا صدى أصواتهم وطائر يردد " الملك لك لك" وبعد وقت قصير ألقى لهم رأس أميرهم أقطاى يحمل بيبرس رأس أميره وينظر إلى عينيه الخالية من بريق الحياة الغضب يسيطر عليه وهو لا يصدق ان تلك الرأس هى كل ماتبقى من قائده وأستاذه يقسم بأنه سينتقم عندما يأتى وقت الثأر يهرب بيبرس ومن معه من المماليك البحرية إلى الشام ويختفون بعض الوقت عن المشهد

الحارس يدخل على أيبك قائلا: القاضى تاج الدين بالباب يا مولاي

-         دعه يدخل

يدخل القاضي (تاج الدين) يقول: أفضل السلام والتحية علي السلطان المعظم سيدي ومولاي عز الدين أيبك

-         وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته تفضل يا شيخنا الجليل

يتخذ القاضي مجلسه بجانب السلطان ويبدأ حديثه

-         أنا يا سيدي رسول من مولاتي شجر الدر إليك أنها تريدك ان تعود إلى القلعة وهي تبلغك شوقها وهي تلعن الشيطان الذي دخل بينكما وجعل تلك الجفوة تزداد

-         أنت تعلم يا تاج الدين أنها أرغمتني ان أطلق زوجتى وأم ولدي الوحيد علي وقد فعلت ولكن لا يرضيها أى شئ ودائما ما تسمعني كلمات كطعن السيوف أنها فعلت وفعلت إنها تتناسى أحيانا اننى زوجها وتعاملني كأننى اجير فى بستان القصر

-         مولاى أنت أعلم مني بغيرة النساء أنت شغفتها حبا وهى ترجوك ان تعود الليلة إلى بيتك ودارك وقلعتك

-         سأعود يا تاج الدين لعلها تعود إلى رشدها وتعلم أننا زوجان ولسنا عدوين

-         سأبلغها يا مولاى وأدعو الله أن يبعد عنكما أى شر او سحر أو حسد

ينصرف القاضي ويبدأ أيبك بتجهيز نفسه للذهاب إلى قلعة الجبل معقل الحكم وليقض الله أمرا كان مفعولا

وجدها تنتظره في أبهى الثياب وأرقها ما أجملها وجهها كفلقة القمر ورائحتها كرائحة التوت والخوخ وزهر الليمون تقترب منه وتقبل يده فيمسك يدها ويقبلها ثم يلتقم شفتيها ويتذوق طعم الخمر وكأنها تعلمت السحر على يد هاروت وماروت وجد نفسه يلحس العسل وهو يسيل من بين أصابعها يحتضنها بقوة وكأنه يشعرها بقوته فتذوب بين يديه طائعة بلا تمنع اشتعلت رغبته فحملها وتوجه للفراش ليطفئ تلك الحمى التى ألمت به

يجلس في حوض الاستحمام وأوراق الورد تتناثر حوله ورائحة المسك والعنبر تدوخه تقترب شجر الدر من أذنه وتهمس لا تنس أنني كنت احبك لا يفهم يقتحم الحمام بضعة عبيد سود يحاول ان يغادر الحوض ولكنهم كانوا أسرع منه قيدوه

يصرخ وهو يقاومهم قائلا:  خيانة لماذا يا شجر الدر لماذا إنى احبك 

تقترب شجر الدر منه وتقبل رأسه للمرة الأخيرة قائلة : لا تستهن بامرأة أبدا

وجاء أحدهم بوسادة وضعها على وجه أيبك وأخذ يضغط بكل قوة وأيبك يقاوم حتى هدأت حركته وعادت روحه إلى بارئها وطويت صفحة أيبك

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب