أوسكار وايلد.. الأديب الإيرلندي الذي أسر القلوب وتحدّى عصره

يُعد أوسكار وايلد من أبرز أعلام الأدب الإنجليزي في القرن التاسع عشر، كاتبًا مثيرًا للجدل ومبدعًا جمع بين جمال الأسلوب وعمق الفكرة، تركت أعماله المسرحية والروائية أثرًا لا يُمحى في الأدب العالمي، خصوصًا مسرحيته الشهيرة «سالومي» وروايته الخالدة «صورة دوريان جريه». ومع ذلك، فإن سيرة حياته لم تخلُ من الصراعات الأخلاقية والاجتماعية التي انتهت به إلى السجن والنفي، والموت في باريس منفيًّا ومنبوذًا.

في هذا المقال نسلّط الضوء على حياة أوسكار وايلد، ونتتبع كيف انتقل من ذروة المجد الأدبي إلى هاوية الاضطهاد الأخلاقي.

تعدد أساليب الترجمة واهتمام العرب بمسرحياته

مما قد يستلفت انتباه الذين يتابعون حركة الترجمة عن الآداب العالمية، ويقبلون على قراءة ما يُترجم من هذه الآداب، أن أوسكار وايلد قد فاز بنصيب وافر من اهتمام الذين عنوا بالترجمة والنقل إلى العربية من الكُتاب الذين يعود إليهم الفضل في التعريف بهذه الآداب.. وإنه لم يلقَ ما يجب أن يلقاه من تقدير دوائر العلم والفن ومراكز الإشعاع الثقافي في عالمنا العربي.

أوسكار وايلد والترجمة

وكما تختلف أساليب الكُتاب، تختلف أساليب الترجمة، إذ ليس كل من يقرأ لغة غير اللغة العربية وينقل عنها، إلى لغتنا، له نفس القدرة التي كان يتمتع بها أولئك الرواد في العشرينيات والثلاثينيات، أمثال: «إبراهيم عبد القادر المازني، وعباس حافظ، وأحمد الزيات، وعلي أدهم، وعبده حسن الزيات، وفخري أبو السعود، وعوض محمد عوض».

ولذلك فإن أوسكار وايلد إذ كان له ذلك الحظ الموفور من اهتمام قراء الأدب الإنكليزي، فقد كان له مثل هذا الحظ في تعدد من نقل إلى العربية الأثر الواحد من آثاره، وعلى الأخص منها مسرحية «سالومي»، ما يتيح للمتذوق أن يرى كيف يهبط الأثر وكيف يرتفع.. كيف يهوى إلى السفح أو القاع، وكيف يتسنم القمة، نتيجة لضعف الناقل إلى العربية أو قوته؛ أسلوبًا، وإحساسًا بالمعنى الذي يجده في اللغة الإنجليزية، وقدرة على نقل هذا المعنى باختيار الألفاظ التي تمتد لها نفس الظلال في اللغة الأجنبية.

جذور أوسكار وايلد الإيرلندية: مفارقة السخرية

أوسكار وايلد كاتب إنكليزي، أو لنا أن نقول: إنه كتب كل آثاره باللغة الإنكليزية، ولكنه ككثيرين من كُتاب المسرح الإنكليزي، مولود في «إيرلندا».

وفي «دبلن» على التحديد، وهي ظاهرة لم تجد من يعلل لها إلا بالسخرية اللاذعة التي كان يسخر بها بيرنارد شو (إيرلندي الجنسية) من شكسبير، حين يسمع من يتباهون به من الإنكليز، فيقول: «من الذي يستطيع أن يعرف أصل شكسبير؟».. وهو صادق إلى حد، إذ قد بلغ شكسبير من الشهرة والشموخ الحد الذي جعل كثيرًا من الأمم تدّعي أنه من أبنائها.. كما وُجد بين المثقفين العرب، من استطاع أن يدّعيه، فيقول: إنه عربي، وأن اسمه الأصلي هو «شيخ زبير».. وتحرفت الألفاظ أو الحروف العربية على ألسنة الإنكليز، فسموه «شكسبير».

نشأة وايلد الأكاديمية وبداية الحركة الجمالية

وأوسكار وايلد، يُعد من أدباء القرن التاسع عشر الميلادي، إذ وُلد في عام 1845م، وتُوفي في باريس عام 1900م، وتلقى تعليمه الأولي في كلية تربينتي.. ثم انتقل إلى جامعة أكسفورد في عام 1874م، إذ سطع نجمه منذ كان في الجامعة، فيما كان يُسمى شاعرًا بالحركة «الجمالية».

نشأة أوسكار وايلد

إسهاماته أوسكار وايلد الأدبية في المسرح والقصة والرواية

ومع أن أوسكار وايلد معروف ككاتب مسرحي، فإن الأدب العالمي يعده شاعرًا، أكثر منه كاتبًا مسرحيًّا... ويقول النقاد إن وايلد: قد استطاع أن يُضيف أو أن يُحقن الأدب الإنكليزي الذي ظل يلتزم تقاليد المسرح التي تقررت في عصر «فيكتوريا» بروح الكوميديا التي بدا كأنها قد فارقَت هذا الأدب.

ورائعة أوسكار وايلد في الأدب المسرحي، هي مسرحية «سالومي» التي رفضتها المسارح الإنكليزية المعروفة في أيامه بتزمتها والتزامها تقاليد العصر الفيكتوري، فرحبت بها باريس، ومثلتها سارة بيرنار، في دور سالومي. ويذكر تاريخ المسرح أن سارة بيرنار كانت موهبة تمثيلية قلّ أن يجود الزمن بمثلها، ويبالغون فيقولون: إن المسرح الفرنسي لم يشهد مثلها حتى اليوم.

مسرحية سالومي تأليف أوسكار وايلد

وقد جرب وايلد كتابة القصة، والأساطير، ومنها «الأمير السعيد»، ثم كتب الرواية التي لم يبقَ في العالم من لم يقرأها ويُعجب بها، وهي «صورة دوريان جريه».

محاكمة وايلد والثمن الباهظ للتمرد

اتُهِم وايلد بجريمة خُلُقية، حُكم عليه بالسجن من أجلها، فسُجن، وبعد خروجه من السجن سافر إلى فرنسا، لأن المجتمع الإنكليزي لم يعد يستطيع أن يفتح أبوابه لاستقباله. بل لقد بلغ حرص الإنكليز على تقاليدهم، أن تاريخ الأدب الإنكليزي إلى الأربعينات الميلادية، كان لا يتطرق إلى ذكره، أو حتى مجرد الإشارة إلى أي أثر من آثاره، وذلك في الكتب الأكاديمية التي تتداولها أيدي الطلبة في الجامعات، وإن كان هذا لم يمنع اهتمام النقاد به في إنجلترا وفي خارجها، إلى درجة أن بلغ عدد الكتب التي أُلّفت عنه أكثر من خمسين مؤلفًا، بأقلام كُتابٍ لهم وزنهم، ومنهم جورج بيرنارد شو.

مات أوسكار وايلد في باريس.. بين براثن الفاقة والجوع والتشرد، ومع أنه لم يعدم من يعطفون على مأساته، فقد وُجد من النقاد من يعتبر وفاته بهذه الحال في باريس، نهايةً يستحقها، عقابًا فوق ما لقيه من عقاب السجن، والطرد من المجتمع، والفاقة، والجوع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة