أهمية القراءة الإبداعية

يتمثل أحد أهداف هذا الموضوع في إظهار أهمية فعل القراءة في علاقتها بفعل الإبداع، على أمل أن نتمكن من تعريف مفهوم القراءة بوضوح أكثر، على أنها فعل يحرر الإنسان من سلطة النموذج، ويفتح له سبل الإبداع.

قد يعجبك أيضًا رواية بوليانا | رواية كلاسيكية تلخص عالماً مختلفاً

أهمية القراءة الإبداعية

وينبع اعتبار القراءة من الأهمية التي تلقاها المُرسَل إليه في النقد الحديث، وقد تبلورت في الغرب من قبل المنظرين الذين كرسوا جهودهم لتحديد خصائص القراءة وخصائص القارئ، لذلك قاموا بتحليل القراءة، ومستوياتها وشروطها وأبعادها، والاهتمام بالقارئ والعوامل المؤثرة في قراءته.

وتحقّقَ هذا الاهتمام بالقارئ بعد الانحدار الذي عرفته البنيوية على أنها نشاط نقدي في فترتها الأولى، تحولًا عن النقد الكلاسيكي على اعتبار أن النص هو محاكاة للواقع الموضوعي أو الذاتي، وبعد انحدار الميل النفسي الذي يجعل النص الإبداعي انعكاسًا لعقل المؤلف.

وهذا التطور للنقد الغربي مصحوب بتعريف لمستويات وشروط القراءة، حيث يهدف هذا البحث إلى دراسة الشروط والمستويات التي تجعل فعلَ القراءة فعلًا إبداعيًّا، وقد يكون ذلك مخالفًا للرأي العام الذي يجعل الإبداع شيئًا والقراءة شيئًا آخر.

ترى عديد من وجهات النظر في النقد الحديث أن المبدع الأصلي هو قارئٌ يمارس الإبداع من خلال القراءة، وبالتالي يصبح النصُ الإبداعيُ نفسُه قراءةً، كيف؟

غني عن القول إنه لا يوجد إبداع من فراغ، لذلك لا بد أن يكون المبدع متنقلًا في تعامله مع العناصر الموجودة، وذلك عندما يتعلق الأمر بإنشاء النصوص، فإنّ منشئ المحتوى يهتم أساسيًّا باللغة.

ويمكننا أن نقتبس بهذا المعنى رؤية (بول ريكور) التي تنص على أن "النص هو إدراك فعَّال للكلمة من قبل فرد محدد"، أو قد يقاس النص في حدود كلمة دي سوسور باعتباره الإدراك الفردي للغة.

وعلاوة على ذلك، فإن اللغة عند استخدامها من قبل الخالق ليست "درجة الصفر" من المعنى، بل أنظمة دلالية متعددة محملة بمفاهيم عريقة، بعضها كان يطفو في الوعي وكثير منها ينحسر في اللاوعي.

قد يعجبك أيضًا "القراءة غذاء العقل".. خواطر عن أهمية القراءة

 اللغة وإبداع غير محدود

واللغة المليئة بالمفاهيم مليئة أيضًا بأساليب أداء غير محدودة، وفعل الإبداع عندما يلجأ إلى هذه اللغة فإنه يختار المفاهيم والأساليب التي يتعين تأسيسها من خلال اختيار جسم النص فقط.

ويشكلُ موقفُ المبدعِ تجاه اللغة واختيارها المستوى الأولَ من القراءة، لكن عمل المبدع في هذا المستوى ليس محاكاة لتراكيب ومفاهيم اللغة، بل اختراعَ طرق في كثير من الأحيان تكون كلماتٍ غير مألوفة ينحرف بها عن حركة اللسان، والعناصر الموجودة، ليطور ويخلق اللغة، وهكذا يُعدّ تطوير اللغة هو المستوى الثاني من القراءة بالنسبة لنا.

ولأن الإبداع لا يأتي من لا شيء، فإن الخالق أثناء معالجة اللغة وقراءتها يقرأ فيها تراثًا كبيرًا من المعرفة، يمثله عديد من النصوص المدمجة في النص العظيم الذي هو اللغة، ولا مفر من أن يتأثر الخالق بقراءة هذه النصوص ويخضع لسلطتها.

وتعد النظرية النقدية الحديثة أن النص هو شبكة من الاقتباسات من مصادر ثقافية متعددة، ويلفت مفهوم التناص الانتباه إلى ذلك.

تعتقد جوليانا كريستيفا أن "كل نص عبارة عن فسيفساء من الاقتباسات، وكل نص هو استيعاب وتحويل لنصوص أخرى".

 واستشهد عبد الله الغدمي في كتابه الخطيئة والكفارة بعديد من آراء النقاد الذين دافعوا عن مفهوم التناص.

"الكتابة لا تحدث منفردة أو منعزلة، بل هي نتاج تفاعل مطول لنصوص لا حصر لها مخزنة في روح الخالق، هذه النصوص ينتج عنها جنين ينشأ في عقل الكاتب، ويولد العمل الإبداعي الذي هو النص، وهذا التفاعل بين النصوص في ميراثها وتداخلها هو ما يسميه الروادُ النقد التفكيكي من خلال التناص".

يمثل تشابكُ النصوص ووجودها في النص الإبداعي بالاقتباس، أو التلميح، أو التمثيل الصامت أحدَ مستويات القراءة في فعل الإبداع.

ومع ذلك في هذا المستوى لا توجد قراءة نموذجية، على العكس من ذلك هناك قراءات مختلفة لنفس التراث المعرفي، كل قراءة هي جزء من مخطط إبداعي يختلف عن الآخر بنوع الكتابة، أو الرؤية الإبداعية التي يعبر عنها هذا النموذج.

قد يعجبك أيضًا مهارات القراءة السريعة وأنواعها وكيفية إتقانها

 جمالية النصوص الإبداعية

ويرى المشاهد لعديد من النصوص الإبداعية بين العرب اليوم أنها تستند إلى إنشاء نصوص سابقة أخرى، لكن البناء على هذه النصوص يعبر عن جمالية إبداعية من جهة، ومن جهة أخرى تتعارض مع النصوص التي كانت قائمة على نفس النص السابق.

وفي هذا السياق نذكر الاختلاف في كثير من النصوص في قراءة الرمز الأسطوري (أوديب)، أو الاختلاف في نصوص أخرى في قراءة الرمز التقليدي (الحلاج).

وهذا الاختلاف يجعل القراءة الإبداعية ليست رؤية متجانسة، بل بالأحرى تفتح إمكانيات غير محدودة للتفسير الإبداعي، وفتح الإمكانيات غير المحدودة هو بُعدٌ للقراءة الإبداعية، بالإضافة إلى الإمكانيات التي تفتحها القراءة الإبداعية تعد القراءة هي تلك التي يتمثل فيها الوجه الإبداعي في النص.

ولكننا نشير إلى وجود نصوص يغيب فيها الوجه الإبداعي؛ لذا فإن هدفها ليس تجاوز أو إضافة كثير لإحياء هذا التراث المعرفي أو الجمالي.

ويسعى هذا النوع من النص إلى خلق تفاعل بين قرّائه والتراث الجمالي أو المعرفي، بحيث لا يتفاعل مع الاحتياجات الإبداعية التي تنشأ في الزمان والمكان.

قراءة نصوص الإبداع بالإضافة إلى أنها قراءة للغة، وقراءة للتراث المعرفي والجمالي الذي يسكن اللغة، كما يُقرأ نص الحياة العظيم بمواقفه، وتناقضاته، وتكوينه... إلخ.

من نص الحياة العظيم تختار جانبًا من التفسير الفكري أو الفني أو العاطفي، وتسوق رؤية فكرية أو عاطفية أو جمالية له، وغالبًا ما يُعَبَّر عن هذا بالنظرة العالمية التي تسكن النص الإبداعي.

ويرتبط وجه القراءة حينها بثقافة وفكر ووعي الخالق، واختيار وجهة نظر العالم من نص الحياة العظيم هو الغرض من القراءة.

وما ينتج عن هذه القراءة هو نص تأليفي سواء كان شعرًا أم رواية أم مسرحًا، والقراءة تصبح فعلًا إبداعيًا بمدى نشاطه وقدرته على تجاوزه.

وهكذا نرى أن الإبداع قراءة للتراث والواقع، لكنها قراءة محفزة للإضافة والسمو والمناقشة مع التراث والواقع؛ لفتح رؤية إبداعية في المستقبل أو لدعم التطور الجمالي أو المعرفي في الوقت الحاضر.

 قد يعجبك أيضًا

-فوائد القراءة والاستمتاع بالكتب

-أين المتعة في القراءة؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة