ارتبط ظهور الفلسفة بوجود الكائن العاقل (الإنسان) على الأرض؛ لأن الكائن العاقل بطبيعته مندهش ويثير أسئلة مختلفة.
اقرأ أيضاً الفلسفة والعلوم الاجتماعية في حياة الإنسان
أسئلة حول الفلسفة
ودائمًا تنشأ أسئلة جديدة تتضمن كثيرًا من الأشياء المجهولة التي تفتقر دائمًا إلى إجابات محددة بمجرد طرحها.
وعندما يولد الإنسان، ينشط العقل في استكشاف رؤية جديدة تكون بمثابة إجابة لهذه الأسئلة.
وهذا يخرج الإنسان من دائرة المجهول، وينيره عما يحيط به، ويقربه من الحقيقة.
وعقله يشمل الوعي والبصيرة فيما يتعلق بالوجود والكون والمبدأ والمصير والماضي والحاضر والمستقبل ومركز الإنسان في كل ذلك.
ويرى بعض العلماء أن الفلسفة لا فائدة منها، وأنها مجرد خطاب لا معنى له، مبني على تصورات وأوهام الفلاسفة الجالسين في أبراج عاجية، لا علاقة له بالواقع.
ونظرًا لعدم موضوعية هذا الاعتقاد، كان لا بد من توضيح أهمية الفلسفة سواء للفرد أو للمجتمع، إضافة إلى محاولة الإجابة عن بعض الأسئلة التالية:
ما أهمية الفلسفة للفرد والمجتمع؟
ما وظيفة الفلسفة؟
وما علاقتها بالعلم؟
ما العلاقة بين الفلسفة والتعليم، وهل توجد علاقة بينها وبين الدين؟
وفي محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، سنستخدم المنهج التحليلي المقارن لإبراز أهمية الفلسفة في حياة الإنسان.
اقرأ أيضاً تعريفات الفلسفة وأهميتها في حياة الإنسان
العلاقة بين النظرية والتطبيق في الفلسفة
تكمن أهمية الفلسفة في إقامة العلاقة بين النظرية والتطبيق؛ لأنها تساعد الإنسان في إدراك أهمية وضرورة هذه العلاقة بين الفكر والفعل.
فإذا كانت الفلسفة تحتوي على أفكار مستمدة من قضايا منطقية وواقعية، وإذا كانت هذه الأفكار تسهِّل الأداء الاستثنائي والنتائج الجيدة لمن يقبلها، فإن اختبار التحقق من ذلك هو تنفيذها موضع التنفيذ. وهذا يعني أن أصالة أي فكرة لا تأتي من الفكرة نفسها، بل من الأداء والنتائج التي تسهلها، والواقع هو محك اختبار صحة الأفكار، وهو ما يسمح بتعديلها أو التخلي عنها وتبني غيرها.
والفلسفة الحقيقية لا تدعي الحقيقة المطلقة لنفسها، بل تجعل حكمها مرهونًا بمن يستخدمها عن طريق تطبيقها؛ لأنها تكشف عن قيمة الفكر المنطقي الذي تحتويه والذي يتبلور في أفكار وفي نظريات، ثم نقاط القوة والضعف في الفلسفة.
ويصبح واضحًا أن إعادة النظر في الفلسفة لا تعبر فقط عن إرادة المجتمع في التغيير والتجديد، بل تعبر عن الرغبة في تجنب الأخطاء التي تكشفها عملية التطبيق.
اقرأ أيضاً ما هي الفلسفة وما غرضها عند الفيلسوف ديكارت ؟
الفلسفة والعلاقات
وعلى هذا الأساس يمكن القول إنه إذا كانت الفلسفة تسعى إلى دراسة الواقع وتغييره نحو الأفضل، فإنها في الوقت نفسه تعدل محتواه تبعًا للمتطلبات التي يفرضها هذا الواقع والتي تتكشف في سياق الممارسة العملية.
وهذه العلاقة الدائرية بين النظرية والتطبيق هي ما نسميه بالعلاقة الجدلية. وعندما يختبر الإنسان هذه العلاقة (ولا يختبرها إلا في ضوء فلسفة تستطيع تمثيلها وتجربتها تطبيقًا)، فإنه يحقق وحدة الفكر والعمل داخل نفسه.
وتتحقق هذه الوحدة في نفسه كلما أتيحت له حرية انتقاد الفلسفة المطبقة في حياته. وعندما يزداد وعي الإنسان بحقيقة هذه العلاقة الجدلية يكتسب بنية عقلية تمنع ازدواجية الفكر والفعل، ولكنه يحقق عن طريقها وحدة الفكر والفعل معًا.
إن أخطر ما نواجهه في حياتنا هو الانقسام والانفصال بين أفكارنا الشكلية وممارساتنا العملية. ولا نبالغ في القول إن الفصل بين الأفكار التي تملأ عقولنا والممارسات التي نعمل عليها هي أحد أهم أسباب تدني إنجازاتنا وتخلفنا.
فالفلسفة، بالمعنى الصحيح للكلمة، هي الوسيلة التي تتيح للإنسان التوفيق بين الفكر والعمل، أو بين النظرية والتطبيق.
اقرأ أيضاً تاريخ الفلسفة الغربية.. وأهمية دراستها في العصر الحالي
القدرة على إجراء التحليل السليم
تكمن الأهمية العملية للفلسفة في تزويد الإنسان بالقدرة على تحليل المشكلات التي يواجهها على نحو صحيح. وعندما يكتسب الإنسان هذا العقل التحليلي النقدي وهذا الوعي بالعلاقة الصحيحة بين الفكر والفعل والنظرة الشمولية للأشياء.
يكون قد اكتسب القدرات اللازمة للتعامل بموضوعية مع المشكلات من حوله، كونه لا يعتمد على تحليلات سطحية، ولكنها رؤية عالمية تشمل عوامل كثيرة للوصول إلى أسبابها ومن ثم الحصول على الحلول الناجعة.
وهكذا فإن الفلسفة تهيئ الإنسان ليكون أداة فعالة لتغيير واقعه نحو الأفضل، وتهيئه ليكون طاقة فعالة لتخيل المستقبل وتحويل هذا التصور إلى واقع واقعي.
اقرأ أيضاً فوبيا الفلسفة......ولماذا العداء نحو الفلسفة؟؟
الفلسفة وصياغة المبادئ العامة
إضافة إلى ذلك، تسعى الفلسفة إلى صياغة المبادئ العامة التي ترشد الإنسان في حياته من أجل تحقيق أهدافه؛ لأن الفلسفة تجمع بين القدرة على تفسير الماضي على نحو صحيح مع القدرة على التنبؤ بالمستقبل، ورؤية بذور الجديد في القديم، وكذلك رؤية اتجاهات التنمية، وبذلك آفاق تغييرها.
وما الفلسفة إلا وعي العقل بالقضايا الكبرى، وكشفه لأسرار الوجود، وتشخيصه لموقع الإنسان في هذا الوجود. وبهذا الوعي العقلي يتخلص الإنسان من حالة الاغتراب في الحياة عندما يعلم أنه ليس إلا جزءًا من عالم الكائنات، وأنه هو الذي يشارك الوجود وأحواله، وخصائصه العامة، ويكتشف الإنسان أنه جزء من هذا الكل المتجانس، الذي نعرفه بمصطلح «الرجل الكبير» مقابل «الرجل الصغير».
وقد أشار الفلاسفة إلى هذا المصطلح في تعريفهم للإنسان. فالفلسفة هي أن يصبح الإنسان عالمًا عقلانيًّا يضاهي العالم الملموس (أي الخارجي)، استنادًا إلى قاعدة مفادها أن الفلسفة يجب أن تقوم على حقائق ملموسة ليتطابق وجودها العقلي في نفس الفيلسوف مع وجوده الملموس في الخارج.
ويرى بعض الفلاسفة أن كل الحقائق الخارجية، المادية وغير المادية، تجتمع في هذا الإنسان العظيم، الذي يُعد أول مخلوق خلقه الخالق عز وجل.
ولذلك فإن الإنسان الصغير، عن طريق ذاته السماوية (الروحية) أو ارتباطه العقلاني بالعقل الفعلي، يستطيع أن يرسم في عقله وروحه صورة صادقة لهذا الرجل العظيم ويخلق في نفسه عالمًا كهذا، ويستطيع أن يجسده في عقله المتصل، ويتجلى هناك الفصل المنطقي الأخير، أي «المتكلم»؛ فتُزاح حيوانيته التي كانت نوعه المنطقي، ويتحول الإنسان الصغير إلى إنسان حقيقي وكبير.
فالرجل الصغير في هذا المصطلح يشبه طفلًا لم يبلغ سن الرشد بعد، والفلسفة والعقل هما اللذان يقودانه بيده إلى مرحلة البلوغ ويجعلانه رجلًا عظيمًا.
ولذلك فمن كان فيلسوفًا يعقل ويفكر، وأما من يمارس الاستدلال والتفكير فليس فيلسوفًا، ولا كل فكر ونشاط عقلي فلسفة. بل الفيلسوف هو الذي يراقب الأقوال ويخلق النظريات، ما يساعد في تحديد نظام معين للأفكار، ويستخدم طاقة العقل لاستكشاف الحقيقة وصياغة المفاهيم التي تكشف حدود العالم ووجهات نظره. وهكذا يصبح الفيلسوف هو المكتشف الأعظم الذي يعمل على رصد الوجود وتنقية كل الأوهام المحيطة بالحقيقة، وتصبح الفلسفة وعيًا عقليًّا بالعالم يتوافق تمامًا مع العالم.
إن عدم تحرير الفرد من الأوهام والتخيلات التي تحجب تفكيره يجعله أسيرًا لما يتخيله.
ويُعد الخيال حقيقة مع أنه في الواقع ليس كذلك، فيقع في مشكلات فكرية تسبب له التعاسة والمشكلات، وتجعل حياته بائسة وتتعطل حياته. ولا يتوقف الأمر عند بؤس وتعاسة الفرد، بل يمتد إلى المجتمع الذي ينتمي إليه، فتنهار بنيته الاجتماعية، وتتصدع مكوناته الأساسية، وتتشتت طاقاته. كل هذا يحدث عندما يوجد نقص في الوعي والتفكير السليم، ما يجعل الإنسان غير قادر على تأسيس النهضة والإبداع واستدامة الحضارة.
اقرأ أيضاً العلاقة بين الفلسفة والعلم
وظيفة الفلسفة
للفلسفة كثير من الوظائف التي لها أهمية لا سيما في عصرنا الحالي.
وإذا سألنا أنفسنا لماذا الفلسفة؟ نقول إننا لا نتصور الحياة دون فلسفة، ولا نتصور مجتمعًا دون فلسفة وفلاسفة؛ لأن للفلسفة وظائف حيوية وبالغة الأهمية، منها ما يلي:
وظيفة الفلسفة هي حماية معطيات العقل البشري ومنجزات التجارب الإنسانية من الانهيار عندما تزود العقل بوعي إيجابي عميق بالوجود، يتغلغل به العقل مما يمنعه من رؤية الأشياء الموجودة كما هي، ويتغلب على الوعي الزائف والأوهام والشكوك التي يحتويها العقل والتي تمنعه من إدراك الواقع. وعليه، فإن لحظة ميلاد الفلسفة تحتل لحظة تألق العقل كونها تجسيدًا مكثفًا وعميقًا للوعي العالمي، وتعود إلى أعظم ولادة معرفية في تاريخ البشرية.
ويمكن القول إن أبرز مظاهر التقدم الثقافي في حياة الأمة هو ازدهار الفكر الفلسفي، وخير دليل على ذلك منجزات الحضارة اليونانية التي تعد من أهم الحضارات في العالم قبل الميلاد. كما خلقت الحضارة الإسلامية تراثًا فلسفيًّا هائلًا. وكانت لحظات ازدهار الفكر الفلسفي أفضل مراحل نهضة الحضارة الإسلامية. فكلما ساد المنهج العقلي في الفكر، رافقه تطور وتقدم واسع في سائر مناحي الحياة في العالم الإسلامي، ويظهر ذلك بوضوح في القرن الرابع والخامس والسادس الهجري.
وظل العقل الأوروبي أسيرًا لأفكار غامضة قرونًا طويلة، لم يستطع خلالها أن يتقدم خطوة واحدة حتى جاء هؤلاء الفلاسفة ليعيدوا الفكر الفلسفي إلى رسالته ويبشروا بمشروع عقلاني جديد ينكر كل الأوهام القديمة ويؤسس لعقلانية جديدة يقوم على أساسها منهج آخر لاكتشاف الحقيقة وتحقيق اليقين، كما نرى بوضوح في كوجيتو ديكارت، الذي عبر عنه ديكارت في التأمل الأول من تأملاته، فقد قال: «مضت عدة سنوات منذ أن لاحظت أن كثيرًا من الأشياء الباطلة كنت أعتقد إبان شبابي أنها صحيحة، ولاحظت أن الشك ينتابني عند كل ما أقمته على أساس هذه الأمور الباطلة، أنه لا بد أن تأتي لحظة في حياتي أشار فيها بأن كل شيء يجب أن يقلب رأسًا على عقب تمامًا، وأن أبدأ من أساس جديد إذا شئت أن أقرر شيئًا راسخًا وباقيًا».
ظهر اتجاه عميق في الفكر الفلسفي خلال عصر النهضة، وظهر خلاله فلاسفة كبار مثل فرانسيس بيكون (1561-1626م) ورينيه ديكارت (1596-1650م) وغيرهم. ولا ينكر من أرَّخ لعصر النهضة الدور الكبير الذي أداه هؤلاء الفلاسفة في تهيئة الأرضية العقلية المناسبة لدخول أوروبا عصر الاختراعات والاكتشافات العلمية عن طريق الدعوة إلى اتباع منهج الفكر العلمي وظهور الثورة الصناعية.
في ضوء ذلك، يصبح من الواضح مدى جودة أداء الفلسفة في أوروبا منذ عصر النهضة. فالفلاسفة كانوا علماء وكانت إنجازاتهم العلمية هي الثمار التي جنوها من آرائهم الفلسفية. ألم يكشف ديكارت عن الهندسة التحليلية؟ إضافة إلى جهوده الكبيرة في النهوض بالرياضيات في العصر الحديث، ولا سيما في مجالات الجبر والهندسة، وتطبيقه للهندسة على الجبر.
كانت الفلسفة مصدرًا مهمًّا وإلهامًا لعلماء الطبيعة في أوروبا. والحقيقة أن «معظم ما قدمه عصر النهضة وما بعده... يُعد اكتشافات علمية في مختلف المجالات العلمية بمعنى أبحاث وأعمال الفلاسفة». بالمعنى الكامل والمحدد للغاية للفلسفة.
ومن وظائف الفلسفة أيضًا الكشف عن القيم والمثل العليا وترسيخها.
والدليل على ذلك أن الفلاسفة بذلوا جهودا كبيرة لاكتشاف القيم والمثل العليا، التي أصبحت تمثل عالم القيم في الفلسفة، والذي يتضمن قيمة الحق والخير والجمال.
وهذه الدراسة تجعل سلوك الشخص موضوعًا له كما ينبغي أن يكون.
ولهذا أصبح ضروريًّا في مجال البحث عن الإنسان الحقيقي المتمسك بالقيم والمثل العليا.
وإذا أراد الفرد أن يحقق إنسانيته وأن يتمتع بشخصية فاضلة، فلا مفر من الإيمان بالقيم والمثل العليا، ولا سيما القيم الأخلاقية التي تحقق السعادة والاستقرار لأفراده. وعليه فإن رسالة الفلسفة هي الاهتمام بالجوانب العقلية والأخلاقية والجمالية للإسهام في بناء شخصية الإنسان المتوازنة والمتكاملة من جميع أبعادها العقلية والأخلاقية والجمالية.
الفلسفة والحياة
لكل منا فلسفته الخاصة، ومن ينكر وجود الفلسفة في حياته فهو فيلسوف دون أن يدرك ذلك.
والفلسفة هي وعي الفرد بحاضره ومستقبله، ولا يمكن تصور مجتمع بلا فلسفة، بلا مبادئ أو أعراف أو أيديولوجية توجه الإنسان وتربطه بالحياة التي يوجد فيها العمل والنجاح.
والفلسفة تضيف للحياة معنى وقيمة وأهمية، وتنمي في شخصية الإنسان حب الفضول والتساؤل والإبداع، وليس التبعية والكسل الفكري.
والعزلة العقلية، التي يحفزها التأمل والتفكير في فكرة أو فعل، بعيدًا عن الحياة الحالية، ليست سوى خيط مشترك بين العالم والفنان والفيلسوف. فهم يكرسون أنفسهم لتحقيق ما يطمحون إليه، لكن لا ينبغي فهم هذه العزلة على أنها غطرسة أو تفوق على الآخرين.
وهذا أسلوب صاغه أصحاب الحكمة النظرية، ويتجلى ارتباطهم الوثيق ببعضهم بعضًا في استخدامهم هذا الأسلوب، ما يدل على وجود قاسمًا مشتركًا بين جوانب النشاط العقلي المختلفة، حتى يتمكنوا من فهم الكون، وكشف أسراره المادية والروحية.
ولا ينبغي أن نفهم أن هذه العزلة أو التأمل هي قطيعة مع الحياة الحقيقية، بل هي وسيلة للاتصال بها والانغماس الكامل فيها.
فالفكر الكلي ليس بعيدًا عن الحياة بقدر ما هو تحليل دقيق لها، فلا تنقطع أقوالهم وآراؤهم عن الحياة العلمية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
الفلسفة ليست مجرد أفكار نظرية حول الوجود والكون، بل هي دراسة وتحليل وتقييم النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بهدف تنظيم المجتمع وإصلاحه.
لقد استطاعت الفلسفة بما تتمتع به من قدرة على التحليل النقدي أن تدخل إلى قلب الحياة العملية المعاصرة وتتقدم نحو فهم وحل كثير من الإشكاليات والتساؤلات التي تطرحها.
وتواجه الإنسانية وترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستوى تطور المجتمع وتخلفه.
أهمية الفلسفة في تغيير أوضاع المجتمع
إن أهم حركات التغيير التي تحدث في أي مجتمع هي نتيجة لظهور آراء وأفكار ثورية. ولا شك أن أفكار وآراء الفلاسفة هي التي أشعلت كثيرًا من هذه الثورات. وخير مثال على ذلك حركة الإصلاح الديني التي ظهرت في أوروبا في القرن السادس عشر إثر آراء وأفكار الفيلسوف الألماني مارتن لوثر (1483-1564م)، وكانت ثورة القرن التاسع نتيجة لآراء وأفكار الفلاسفة الفرنسيين مثل فولتير (1694-1778) وروسو (1712-1778). وكان لهؤلاء الفلاسفة نزعة نقدية تجاه الأوضاع المأساوية التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
ويُعد هذا الاتجاه النقدي، وهو قديم قدم الفلسفة، إحدى خصائص التفكير الفلسفي، ولهذا السبب فإن للتفكير النقدي أهميته الفلسفية.
ولذلك فإن الإنسان الذي يسعى إلى تحرير نفسه من كافة أشكال التبعية لتحقيق الحرية الحقيقية هو الإنسان المفكر الذي يملك المستقبل، وهو الفيلسوف لأن من خصائص العقل الفلسفي أنه روح البحث المستمر والحرية الفكرية والرغبة الدائمة في الحوار مع الآخرين، وهذا من أسس الديمقراطية.
وهنا يكمن دور الفلسفة في حياتنا؛ لأن كل فرد مهما كان وضعه يجب أن يفهم أنه مواطن حر، وحرية الإنسان لا تعني عزلته عن الناس، بل تواصله معهم عن طريق التفاهم والحوار السلمي، وهنا تظهر وظيفة الفلسفة في خلق مبدأ الحوار بين المواطنين الأحرار؛ لتأكيد فكرة الديمقراطية التي تقوم على أسلوب الحوار الفكري الحر واحترام الآراء الأخرى كونها أسلوبًا جديدًا للتغيير.
يتبين إذن أن القدرة على التفلسف تعني قدرة الذات على تحرير نفسها من التبعية، وهذا ما دعا إليه الفيلسوف الوجودي جان بول سارتر (1905-1980م) عندما قال إن الفلسفة يجب أن تتوجه نحو الحياة والواقع المعاش للعمل على خلق هذا الإنسان الحر الذي يسهم في حركة التحرر الكبرى، وهذا هو دور الفيلسوف عند سارتر.
ومن هنا يتضح أن الفلاسفة بذلوا جهودًا كبيرة في البحث عن صورة للحياة أفضل من الحياة التي عاشها، ودافعوا عن الفكر وأهميته وعقله وضرورته للإنسان، وبيان أهمية التفكير النقدي في حياة الإنسان، وكشفوا عن كثير من الجوانب العلمية.
لقد حلوا كثيرًا من المشكلات التي تواجهها المجتمعات والأفراد من أجل تحقيق الاستقرار والسعادة الإنسانية.
كل هذا يقودنا إلى القول إن الفلسفة موجودة فقط لكي تبقى وتزدهر لصالح الإنسان.
إن تقدم العلم متأصل في الفلسفة ووظائفها الأساسية ودورها في حياة الإنسان؛ لأنه الوسيلة الحقيقية التي تسعى إلى الاستقرار والسعادة للإنسان في كل مكان وفي كل زمان.
وبذلك يمكن القول إن طالب الفلسفة سيجد أن الآراء التي يعبر عنها الفلاسفة ليست بعيدة جدًّا عن مشكلات الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، والفلسفة ليست مجرد هروب عبر الهواء أو تعميق لحياة الفرد والمجتمع. الفلسفة العامة للحياة هي وجهة نظر أو أسلوب حياة أو مجموعة من المبادئ التي يتبعها الإنسان في حياته، والتي يسترشد بها في تصرفاته واختياراته وأحكامه، وفقًا لمعايير يضعها شخص ما.
والموضوع الأساسي للفلسفة هو التأمل النقدي في الكون، وفي موقع الإنسان في هذا الكون، وفي مدى قدرته على اكتساب المعرفة.
ويوجد عدد لا بأس به من الفلاسفة العظماء، لكن هذا لا يمنع الآخرين من التفلسف.
قال ديكارت: «العقل هو أجمل ما يمكن أن يتقاسمه الإنسان».
والفيلسوف هو ذلك الإنسان الذي أزعجته الحياة، والذي تلهمه الرغبة في التأمل والتفكير والنقد والبحث عن إجابات لعلامات الاستفهام الكثيرة التي تجعله تعيسًا وتبعده عن الحياة الخاضعة الخالية من الهم. والحقيقة أن مفهوم الفلسفة هو تفكير تأملي ونقدي يبحث عن إجابات للأسئلة والمشكلات التي تؤرق حياة الإنسان، وهي المصدر الذي يمد الإنسان بالنور والمعرفة في سعيه الدائم لاكتشاف ذاته وفهم نفسه والكون من حوله.
ولهذا السبب كانت الفلسفة تسمى تقليديًّا أم العلوم. والحقيقة أن الفيلسوف لم يضع حدودًا بين العلوم التي تناولها، بل كان الكون كله، بما في ذلك الحياة التي يعيشها الإنسان بقضاياها ومشكلاتها الكثيرة، موضوعًا للتأمل والحوار مع الذات ومع الآخرين. وهذا يجعل الفيلسوف موسوعة يشمل فكرها كل المجالات التي أصبحت اليوم حكرًا على كثير من العلوم. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة هو: هل انتهى دور الفلسفة بعد ظهور كثير من العلوم وانفصالها عن الفلسفة؟ .
الجواب بالطبع: لا.
لأن للفلسفة اليوم دورًا يعبر عن احتياجات المجتمعات المعاصرة التي تحتاج إلى تفكير ثاقب يجمع مختلف النظريات الخاصة حول قضايا معقدة ومترابطة وأهداف محددة وتفسير صحيح لأهميتها ودورها في الحياة الاجتماعية.
ومثل هذا الاهتمام لا يقدر عليه إلا الفيلسوف الذي يعرف علوم عصره ولا يدخل في علوم عصره.
بل يتجاوزهم إلى رصد العلاقات بينهم، ويسلط الضوء على جوانبهم اللامعة التي تسهم في تحسين الحياة، وجعلها تتقدم، وتحرر الإنسان من كل القيود، وهو الدور الغائب، كما نراه اليوم في كثير، إن لم يكن كل مجتمعاتنا. وينتج هذا الدور من تفكير يفهم حركة التاريخ ويراقب الواقع المعاش ويسعى إلى إحداث تغييرات إيجابية في المستقبل.
العلاقة بين الفلسفة والتعليم
للفلسفة أيضًا تأثير كبير على حياتنا اليومية.
ويتجلى ذلك في اللغة التي نتحدث بها، من اللغة إلى تصنيف الأشياء في تصنيف منطقي مستمد من الفلسفة. على سبيل المثال، تصنيف كلمة كاسم وفعل وحرف يحتوي على فكرة فلسفية مفادها أنه يوجد فرق بين الكلمات وما يحدث لها. وعندما نسأل ما الفرق بين هذا وذاك؟ بهذا السؤال نبدأ بحثًا فلسفيًا.
هذه هي مهمة فلسفة اللغة؛ ولا توجد مؤسسة اجتماعية لا تقوم على أفكار فلسفية، سواء في مجال التشريع، أو نظام الحكم، أو الصناعة، أو الأسرة والزواج، أو التعليم.
تهتم فلسفة أي علم بموضوع محدد من هذا العلم بأبعاده المختلفة؛ لأنها تحدد التصور والرؤية لهذا العلم، وعلى أساس هذه الرؤية تحدد أهداف هذا العلم والأساليب والوسائل التي تسمح بذلك.
إن الفلسفة تحدد شكل العلاقة التي يجب أن توجد بين المعلم والمتعلم وهؤلاء.
ويعبر نظام التعليم عن الأفكار الفلسفية التي يؤمن بها المجتمع حول ما يعده الأهم والأفضل.
أما الفلسفة التربوية فهي تطبيق وجهة نظر وطريقة تربوية في مجال التعليم.
أما فلسفة التعليم فهي عبارة عن: «الرؤية الفكرية والرؤية العالمية المتكاملة التي تقوم عليها الأهداف العامة التي توجه النظام التعليمي أو النشاط التعليمي كله».
ولذلك أصبح وجود الفلسفة ضرورة لحركة تعليمية جيدة.
الفلسفة والتعليم
فعندما لا توجد فلسفة تربوية توجه العمل التربوي، يكون الإصلاح والتجديد شكلًا من أشكال الارتباك والارتجال والانتكاس إلى الأخطاء وإعادة إنتاج التخلف.
وتتجلى هذه الحقيقة عندما تتغير الفلسفة العامة للمجتمع في جوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ويبقى التعليم على حاله؛ لأنه لا توجد فلسفة تربوية تعكس التغيير الحاصل.
بل يجب أن توجد فلسفة تربوية تعكس الفلسفة العامة للمجتمع. ومن أجل حمايته من الارتباك والارتجال، ومساعدته على الإصلاح والتغيير والتجديد، فإن الفلسفة التربوية هي الأداة الاجتماعية التي تسمح للنظام التعليمي والتعليم عامة بالحفاظ على هوية المجتمع وثقافته الخاصة.
علاقة الفلسفة بالعلم
ويوصف العصر الحالي بأنه عصر العلم، وقد ارتبطت الفلسفة عبر تاريخها ارتباطا وثيقا بالعلم بل وسهلت الطريق إليه.
وبواسطة علاقة الفلسفة بالعلم يمكن الرد على من ينكرون أهمية العلم. فالفلسفة بكونها مفاهيم وأفكارًا مجردة لا تنطبق على الواقع.
فكيف يمكن قبول هذا الرأي وتاريخ العلم يبين أن العلم يتقدم، وكان ثمرة الفكر الفلسفي السليم؟ فالفيزياء والكيمياء والأحياء والاقتصاد والسياسة وعلم الاجتماع وسائر العلوم الأخرى تعود في أصولها ومبادئها إلى ما أنتجه الفلاسفة في العصور السابقة.
فالفلسفة تعطي البعد العلمي لهذا التخصص، أي أنها بمثابة روحه.
والحقيقة أن العالم لا يستطيع أن يحقق الإبداع والاختراع المجرد إلا إذا امتلك فلسفة؛ فبالفلسفة يفكر الإنسان على نحو تجريدي، وبالفلسفة يدرك (أي يحول) ما تصوره على نحو تجريدي في مشاهد (صور وأشكال) تعبر عن هذا التجريد، ويتبع القوانين التي ألهمها بفكره. ولذلك فإن الفيلسوف في حد ذاته مجرد وتجريبي.
مثل الفارابي الذي اخترع القانون وهو يسعى إلى وضع الأفكار المجردة موضع التنفيذ، تحوله بذلك إلى إبداعات واختراعات رائعة. بمعنى آخر، استطاع أن ينقل لنا ما تعنيه أفكاره عن طريق الملاحظة الحسية.
فإذا جاء من بعده ليصمم آلات أو يخترع آلة فإنه ينفذ أفكاره، ما يعني أن فيلسوفًا آخر ارتقى إلى مستوى الفهم المجرد للفيلسوف المجرد، وأظهر هذا الفهم بنقل الملخص إلى الملاحظة (المشاهدة).
والفيلسوف كانط الذي كان لأعماله في مجال الفلسفة دور مهم في تقدم العلوم التجريبية في القرن التاسع عشر الميلادي لما أحدثته من آثار بعيدة المدى لا سيما في مجال التكنولوجيا والسيطرة على الطبيعة بفضل البحث عن نظرية المعرفة العلمية نفسها، التي تقوم على الفكر الفلسفي، وهو ما يؤكده هيرمان كوهين، أحد أتباع الكانطية الجديدة، الذي «يرى أن التقدم الذي أحرزته الفيزياء المعاصرة، والذي تجسَّد في ظهور النظرية الذرية، يُنظر إليه على أنه انتصار للفكر المجرد».
اعتمدت الفيزياء المنهج الرياضي الذي أدى إلى فرضية اللانهائيات، وكان تحليل اللانهائيات الأداة الشرعية التي تستخدمها الفيزياء الرياضية. هذه هي وظيفة العلوم التطبيقية، ولذلك يمكننا القول إن القانون الطبيعي صحيح بالأساس (الفكر الفلسفي)، ثم جُرِّب وأصبح تجربة (واقع).
والفلسفة هي بداية البحث العلمي وهي القوة المنظمة للفكر الإنساني الموجه نحو الأهداف الإنسانية النبيلة. فالعلم في الحقيقة هو نتاج التأمل الفلسفي، وهو ثمرة فلسفة العلم؛ لأن كثيرًا من التطورات التي حدثت في العلم تمت على أساس فرضيات وافتراضات فلسفية فيما يتعلق بالمعتقدات العلمية.
وهي القائمة التي أثبت البحث العلمي كذبها. ومثال على ذلك التحول من النظام البطلمي إلى النظام الكوبرنيكي، ومن الهندسة الإقليدية إلى الهندسة غير الإقليدية، ومن الميكانيكا النيوتنية إلى الميكانيكا النسبية وإلى منحنى الفضاء رباعي الأبعاد؛ كل هذه التغييرات كانت مدفوعة بالبحث الفلسفي المتعمق.
وقد أحدث هذا تغييرًا جذريًّا في تفسير التصور العام للعلم، وبذلك، يجب على أي شخص يريد فهم العلم على نحو صحيح في القرن العشرين أن يتشرب كثيرًا من الفكر الفلسفي.
وإذا نظرنا إلى الحضارة الغربية والأوروبية الحديثة والمعاصرة، فسوف نرى الدور الذي أولاه الغرب للفلسفة. لقد حظيت هذه القضية باهتمام كبير لدرجة أنه يمكن القول إنها دفعت الغرب إلى التقدم.
واعتمد المفكرون والعلماء على الأساليب والنظريات التي وضعها الفلاسفة، سواء أكانت تتعلق بالمسائل العلمية أم العملية. لهم، اخترقت الفلسفة جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وللتأكيد على الأهمية التي يوليها الغرب للفلسفة، يكفي هنا أن نذكر أن درجة الدكتوراه في أي علم لا تُمنح إلا لمن توصل إلى فهم روح ذلك العلم، أي فلسفته، وهذا هو معنى الحروف (P.H.D) التي تدل على دكتوراه الفلسفة في هذا العلم أو ذاك.
والسؤال هنا هو: لماذا لا تحتل الفلسفة في فكرنا العربي المعاصر الأهمية نفسها التي تحظى بها في الغرب منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا؟ الفلسفة ليست نقاشًا عقيمًا أو ميتافيزيقا متخيلة، بل هي بحث عن الحقيقة النظرية العملية وفق الأساليب العقلانية والمبادئ المنطقية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.