بسم الله الرحمن الرحيم…
لا أظن أنه يخفى على أحد مِمَّن يهمهم الشأن الثقافي، دور الصالون الثقافي وتأثيره القوي في الجيل الذي ينشأ فيه.
اقرأ ايضاً الثقافة بين المفهوم والممارسة وعلاقتها بالتربية والعولمة
الصالون الثقافي على مر السنين
فعلى مر السنين كان الصالون الثقافي بمثابة منارة ثقافية تنير وتلمع جاذبةً بلمعانها هذا كل مهتم بالثقافة والقراءة والكتابة.. حيث يلتف الحضور حول الشخصية الرئيسة في الصالون لمناقشة قضايا عَصرِهم التي تهمهم وتلتهِمهم.
وطرح الأفكار المختلفة ومناقشتها ومشاركة الآراء.. فقد تذهب حاملًا رأياً منحازًا له وأنت على استعداد أن تحارب من أجل إثبات صحته للحضور فتخرج منشرح الصدر فخورًا، لا لأنك أقنعت الآخرين برأيك، بل لأن الحقيقة قد كُشفت لك وأنك عدلت عن خطئك!
بينما أنت جالس.. تُطرح أمامك القضايا التي تهمك والتي لا تهمك، وتناقش وتسمع آراء مختلفة من أشخاص عدة لكل منهم وجهة نظر ونافذة فكرية يطل منها!
أما عن الحضور فهوعام لكل أحد - فيمكن لمن يرغب في الحضور الحضور-، وخاص لأشخاص بذاتهم - فقليلون هم من ينشغلون بقضايا مجتمعهم ويهمهم فهم الظواهر التي تتفشى فيه والبحث عن حلول لمشكلاته.
ومن ذلك فكان بإمكان المواطن البسيط أن يجلس بجانب قيمة أدبية فريدة وعقلية فذة كأديب نوبل (نجيب محفوظ)، لكن لو كان مهتمًّا!.
اقرأ ايضاً كيمياء الثقافة والأدب
نجيب محفوظ والصالون الثقافي
كان نجيب محفوظ يحافظ على ميعاد ثابت دقيق لا يتأخر عن الحضور فيه بين أقرانه، شلة الحرافيش التي كانت تضمه هو وأحمد رمزي الفنان المعروف آنذاك، والكاتب الكبير عادل كامل وغيرهم..
كان منهم الطبيب والممثل والصحفي والكاتب والموظف البسيط وغير ذلك.
كان الحضور في فندق شبرد، حيث كان يمكن للجميع الحضور والجلوس ومناقشة أديب نوبل ببساطة!
ووجب التنويه هنا أنه كان يوجد ما يقارب ١٢٢ جلسة وثَّقها الأستاذ إبراهيم عبد العزيز بقلمه في كتابه "ليالي نجيب محفوظ في شبرد"، الكتاب مكون من جزأين وهو عبارة عن نصوص توثيقية لبعض آراء ونقاشات الأديب الكبير نجيب محفوظ مع أعضاء الصالون الثقافي.
اقرا ايضاً من يأتي أوّلاً الثقافة أم الحضارة؟
الكاتب الكبير عباس محمود العقاد
كما أنه توجد أيضًا تجربة ممتازة لا يجب أن نغفلها للمفكر والكاتب الكبير عباس محمود العقاد الذي كان يجتمع في بيته يوم الجمعة من كل أسبوع نخبة من المثقفين الذين تتلمذوا على يديه، أبرزهم الكاتب أنيس منصور الذي حَدَّث عن هذه التجربة الفريدة في كتابه "في صالون العقاد كانت لنا أيام" حيث تحدَّث عن شعوره نحو أستاذه العقاد الذي كان بمثابة جامعة ينهل منها الثقافة والعلم والمعرفة، وعن التأثير الناتج عن احتكاك هذا الجيل بكاتب ومفكر كبير مثل العقاد الذي أتاحته مبادرة الصالون الثقافي التي كان يُتيحها لهم العقاد!
أيضا صالون مي زيادة - صالون الثلاثاء - الذي كان يحضره أبرز أهل الفكر والثقافة مثل طه حسين والرافعي والشاعر أحمد شوقي والشيخ علي عبدالرازق وخليل مطران وعباس العقاد وغيرهم من الكتاب والصحفيين..
والملاحظة هنا تكشف عن حضور الكاتب عباس محمود العقاد ومنها إنشاء صالون لشخصه، فلو لم تكن تلك التجربة التي كان يخوضها في صالون الثلاثاء للأديبة مي زيادة لما كان يقرر هذه التجربة!
والهدف كل الهدف من مثل هذه المجالس هي مجالسة أهل الفكر والعلم ومعايشة الجو الثقافي ومحاولة استغلال ذلك من طلاب العلم أصحاب الهمم لينهلوا العلم من القمم الأدبية الكبيرة التي تتواجد هناك، وصرف الشباب عن مجالس اللهو وضياع الوقت فيما لا فائدة منه!
أين نحن الآن من مثل هذه المجالس؟
أين اختفى الصالون الثقافي؟
اختفاء الصالون الثقافي
ما يحدث الآن لا يتخطى بعض الندوات التي يحضرها الشباب لمقابلة الكاتب والتقاط الصور معه وتوقيع الكتاب.. فلا يتسنى لأحد منهم أن يناقش الكاتب ويجادل فيما يحمله الكتاب من أفكار والاختلاف معه وطرح وجهات النظر الأخرى، كل ذلك يتم بالجلوس مع الكاتب في عدة جلسات.
هذه صرخة في وجه الكُتاب والقراء والمكتبات ولمن له يد أو من يستطيع، لعل أحدًا يجيب.
أرجو إعادة إحياء هذه العادة الإيجابية بين القراء والكُتَّاب.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.