يعتقد كثيرون أن الكتابة هبة سماوية وموهبة فطرية خالصة، لكن الحقيقة التي يؤكدها كبار الأدباء أكثر تعقيدًا وعمقًا. تطرح الروائية التركية أليف شفق معادلة صادمة ومُنيرة في آن واحد، مفادها أن الموهبة لا تمثل سوى جزء ضئيل من العملية الإبداعية. فماذا عن البقية؟ إنها رحلة شاقة من العمل الدؤوب، والانضباط الصارم، والتضحيات الكبرى.
يُلقي هذا المقال الضوء على أهمية الممارسة الذاتية للقراءة والكتابة، ودور التعليم الأكاديمي وورش العمل في صقل المهارات الكاتب، مع استعراض تحديات مهنة الكتابة في العالم العربي. ويستعرض تجارب كُتاب عالميين عانوا الكثير ليبلغوا قمة الإبداع، مقدمًا رؤى قيمة عن الشغف والتضحية والمتعة الخفية التي تكمن في جوهر هذا الفن الرفيع، ليقدم دليلًا واقعيًا لكل من يطمح إلى تحويل موهبته الخام إلى إبداع حقيقي ومستدام.
صقل الموهبة بين الفطرة والعمل الدؤوب
تقول الأديبة أليف شفق: «الطريقة الوحيدة لتعلم الكتابة هي بممارسة فعل الكتابة؛ فالموهبة مهما بدت متوهجة لا تُسهم بأكثر من 12% في عملية الكتابة، والعمل الدائب والصبور والمتواصل هو ما يسهم في 80% من التطور والارتقاء الكتابي، والـ 8% المتبقية يمكن نسبتها إلى الحظ أو بصورة أدق إلى تلك العوامل التي تقع خارج نطاق إرادتنا وقدرتنا في التأثير».

فالنتيجة الحتمية لإيمان الكاتب بموهبته، هي رغبته في صقلها، وبحماس نابع من ثقته بنفسه يبذل أقصى جهده لكي يحقق غاية ما يتمناه، فيطفق يتعلم ويحاكي ويدرس تجارب الآخرين، ويتحرى أساليبهم، ويتجول بين مدارس ومناهج الكتابة الروائية، ويحصن لغته بقلاع عتيدة لا تنهار أمام لغط العامة أو مغريات العصر الواهية، ويطالع الأعمال الروائية بوتيرة شبه منتظمة لا هوادة فيها. فقبل أن يكتب عملًا يقرأ مقابله عشرات الأعمال، ويقدم كل ما تستطيع إمكاناته وقدراته على التحصيل والمواظبة؛ ليدعم مهاراته التي يكتسبها يومًا بعد يوم.
وتُعد المزاولة الذاتية للقراءة والكتابة معًا من أهم وسائل التدريب والمواظبة، لكونهما يمثلان الجانب الأعظم من عملية التعلم، بل ويعمقان تجربة الكاتب، ويمنحانه من الأدوات ما يغنيه مباشرة عن آلاف المحاضرات.
تقول الأديبة أليف شفق «كلما كتبت أكثر، تعلَّمت كيف تكتب أفضل من ذي قبل». وفضلًا على القراءة والكتابة، ففي عصرنا هذا تتوافر كثير من السبل التي قد تساعد الكاتب في صقل موهبته، وتدعيم مهاراته وأدواته الكتابية. فثمة التعليم الأكاديمي وما يقدمه من نماذج ومناهج أدبية، وتوثيق تاريخي لحركة الأدب، كل هذا بشكل منتظم ومتسق، فضلًا على البرامج التعليمة التي يقدمها كُتابنا الأجلاء بـ(ورش الكتابة) أو المحاضرات المرئية والمسموعة، واللقاءات والندوات الجماهيرية التي يعدونها خصيصًا لهذا الهدف، إضافة إلى ما تقدمه الدوائر الأدبية على شبكة الإنترنت، والتواصل العالمي الذي يجمع بين أعاظم الأدباء، وهي وسيلة مذهلة فائقة التأثير لم تكن متاحة من ذي قبل، إذ كان من الصعوبة بمكان التواصل مع كُتاب آخرين من أقطار أخرى، وخاصة الكبار منهم.
احترام مهنة الكاتب وتحديات الواقع المادي
ولا يستمد التدريب ضرورته وأهميته في كونه نابعًا من إيمان الكاتب بموهبته فحسب، بل أيضًا من احترامه لمهنة الكاتب، وتقديره لقدسيتها وقوة تأثيرها في الوجدان الإنساني، وإسهاماتها في كل إنجاز حققته وتحققه الحضارة البشـرية؛ كون الأعمال الأدبية إحدى المنصات المهمة التي تستقي منها كثير من العلوم فلسفتها ومناهجها، بعَدِّ الأدب وسيطًا موثوقًا به في التعبير عن الناس وأحلامهم وشئونهم على تباينها، فضلًا على سبق الأعمال الأدبية بالتنبؤ بقادم الإنجازات قبل أن تخطر على بال أحد العلماء أو المفكرين أو الفلاسفة.
وإننا لا ننكر كون التدريب يتطلب وقتًا من جهد الكاتب قد لا يكون بالقليل، بل مضنيًا وشاقًا للغاية، وذلك في ظل موقع الكتابة في أقطارنا العربية؛ كونها من أصعب المهن التي يمكن أن تدر دخلًا مناسبًا للتعيش منه، ما يتطلب بدوره أن يكون الكاتب مستقلًا ماديًا، حتى لا تصبح الكتابة عبئًا على كاهله، يرنو الكاتب للتخلص منه في أقرب فرصة.

يقول همنجواي: «متى أصبحت الكتابة بليتك الكبرى ومتعتك الأكبر، فلن يصرفها عنك سوى الموت، وإذن فإن الأمان المادي يغدو عونًا كبيرًا لك؛ لأنه يدفع عنك القلق الذي يدمر القدرة على الكتابة ويدمر معينك العقلي». أما لورانس دوريل فيلقي قنبلته في صراحة باترة «إنني أكتب لأعيش، وإلا فمن أين تأتي الشيكات للوفاء بمطالب الحياة وهي قاسية لا ترحم؟».
تجارب عظماء الأدب: الصبر، العزيمة، ومتعة التحدي
لا بد من التنويه بأهمية أن نمطًا ما من الكُتاب المتفردين، ومنهم من هم بيننا، ومنهم كذا ما زالوا يحاولون، استطاعوا تذليل العقبات المادية والمعيشية بالصبر ومواصلة التعلم، بصرف النظر عما يكابدونه من معاناة، وهذا الصنف فقط هو من استطاع أن ينتقل بموهبته إلى الاحتراف ثم إلى التفرد، وبات لهم كلمة يُعتد بها، رغم أن معاناتهم في ظل أزمنتهم الشحيحة كانت أشد وأنكى، منهم على سبيل المثال الأديب العالمي ألدوس هكسلي، إذ قال يومًا ما: «بدأت الكتابة في السابعة عشرة، في فترة كنت فيها قريبًا من العمى كل القرب، وقد كتبت رواية بطريقة اللمس، ولم يكن باستطاعتي حتى قراءتها»، ومع ذلك فقد واصل طريقه بعزم غلاب حتى توج شموخه الأدبي بجائزة نوبل.
تقول جويس كارول أوتس: «كل يوم في حياتي أراه مثل صخرة هائلة يتوجب عليَّ رفعها إلى أعلى التل، وبينما أرفعهــا قليـلًا كل يـوم، أراها ترتد عليَّ، لكنني أستمـر بدفعها كل يوم، اقــتربت من الفشل عدة مرات، وشعرت بالرغبة في الاستسلام مرات عدة».
ولعل من أهم ثمار التدريب اطلاع الكاتب على كثير من التجارب الشاقة الناجحة، ما يرى فيه كثيرًا من أضوية الأمل في طريقه، تبشر الصابرين بجد، المثابرين الذين لا تترك أناملهم القلم ولا تغادر الأفكار أدمغتهم. إذن الأمر مرهون بجدية الهدف والدافعية الذاتية إليه، فعلى الرغم من أن الأحلام تتحقق، فإنه ما من حلم إلا ويقابله قائمة مرصوفة بالتضحيات.
وهؤلاء الكُتاب العظام الذين تتعالى أصواتهم الآن بصعوبة أن يكون الفرد كاتبًا، هم ذاتهم كابدوا من المعاناة والتضحيات الكثير، بعدما تحملوا مشقة الكتابة نيرًا على أكتافهم في ظل ضيق المعيشة وأزفها، لكن كثيرًا من لحظات النجاح والوصول قد لا تُنسِي أصحابها أنهم مروا يومًا ما بمحطات الكفاح والعثرات، ليصدروا للكُتاب الجدد «بوعي أو دون» صورة غاية في القتامة عن استحالة الكتابة في ظل الضيق المعيشي، على الرغم من أن عظماء أمثال طه حسين عايشوا ما هو أكبر من ذلك «فقر وعمى»، ومع ذلك ثابروا ولم ينقطعوا يومًا عن أحلام الطريق، ومثله ألدوس هكسلي «كان مصابًا بمرض في عينيه جعله شبه أعمى سنوات عدة»، وهنري ميلر الذي عانى من الفقر المدقع وتقلَّب في أكثر من مهنة وحرفة، حتى إنه وصف نفسه حال المصاعب التي واجهته: «لقد عملت مثل كلب»، وكذا بلزاك الذي حبس نفسه في غرفة سرية بباريس مدة طويلة هربًا من دائنيه، تمكن فيها من تأليف رائعته «الكوميديا الإنسانية»، وغيرهم كثيرون.
يقول الروائي المكسيكي كارلوس فوينتس: «لا يختلف الكاتب عن البناء أو سائق الحافلة، يجب عليه دومًا أن يحافظ على انضباط صارم في العمل، الكتابة ليست بالعمل السهل، بل هي عمل شاق يمارسه المرء في وحدانية طاغية، والكاتب بعكس الآخرين، يقضي معظم وقته وحيدًا، فالكتابة أكثر المهن تعايشًا مع الوحدانية، ويجب أن يكون الكاتب غارقًا في عشقــها حتى يتمكن من تحمل تبعات الوحدانية المفرطة التي تترتب عليها».
جدل الموهبة والمثابرة متعة المعاناة
كما أنه لا يوجد مبدع وُلِدَ مبدعًا محترفًا بالفطرة، بل هناك من هو موهوب بالفطرة، ما يعني أنه لا غِناء عن المثابرة والتدريب، على الرغم من الجدل الثائر كثيرًا في أعماق الكُتاب عن مدى جدواهما، كونهما مثار شك وارتباك لدى كثيرين، يقول ألدوس هكسلي عندما سئل عن جملة وردت على لسان بطل روايته «نقطة ضد نقطة» عندما قال: «أنا لست مؤلفًا بالفطرة»، عما إذا كان يقول لنفسه الجملة ذاتها، فرد هكسلي قائلًا: «لست أظنني مؤلفًا روائيًا بالفطرة، كلا، فمثلًا إنني أجد مشقة كبرى في ابتكار عقد الروايات».
بينما عندما سئل في موضع آخر عن الموهبة قال: «بعض الناس يولدون ولهم موهبة عجيبة لإنشاء العقد»، ذلك الارتباك الذي قد ينتقل بالتبعية للساعين إلى امتهان الكتابة لأول مرة، لكن أيًا من تلك الشكوك لا تنفي كون الموهبة وحدها لا تكفي، وهذا رأي كثير من الكُتاب الداعين دومًا إلى مشاطرة التعلم والتدريب لفعل الكتابة ما دام مسيرهما معًا يمتد.
فعن مشقة الولوج إلى عالم الكتابة، والخوض في تجربتها يقول أرنست همنجواي بطريقته الساخرة اللاذعة: «لنقل إنه يتعين عليه أن يحاول شنق نفسه، لأنه يجد أن الكتابة المجدية شاقة إلى حد الاستحالة، وبعد ذلك يقطعون الحبل عن عنقه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويأخذ نفسه أخذًا لا هوادة فيه بالكتابة أحسن ما يستطيع حتى بقية عمره، وهنا في الأقل سيجد قصة شنقه بداية تقدمه للناس». فضلًا على أن الكاتب نفسه حال شروعه في التأليف، لا يصبح أبدًا فعل الكتـابة دربًا طيعًا معبدًا، يسيرًا وانسيابيًا طول الوقت، مهما طالت تجربته الكتابية وما منحته من حذاقة وحصافة، فثمة معاناة من وجه آخر.
يصف الأديب هنري ميلر معاناته عند كتابته لثلاثيته الشهيرة «العذاب الوردي»، قائلًا: «كنت في عالم ضبابي، ولم أكن أعرف ما أنا فاعل، ولا ما هو هدفي، كان المفروض أن أعكف على تأليف هذا الكتاب الكبير، ولكنني وجدت واقعًا أنني لا أتحرك في أية وجهة، وأحيانًا لم أكن أكتب أكثر من ثلاثة أو أربعة سطور في اليوم، وكانت زوجتي تأتيني ليلًا سائلة: كيف تتقدم؟ ولم أكن أدعها بأي حال ترى ما تمت كتابته بالآلة الكاتبة، فكنت أقول لها: آه.. إنني أتقدم بصورة رائعة. فكانت تمضي قائلة: وإلى أي حد وصلت الآن؟ فكنت أقول لها إنني كتبت مائة أو مائة وخمسين صفحة، مع أن الحقيقة أنني قد لا أكون كتبت أكثر من ثلاث أو أربع صفحات، وكنت أشرح لها ما أتممت، باختلاق الأحداث من خيالي في أثناء كلامي معها، وهي تصغي إليَّ وتشجِّعني، عالمة علم اليقين أنني أكذب كذبًا لا شك فيه. ثم تعود إليَّ في اليوم التالي وتقول: ماذا تم بشأن ذلك الجزء الذي كلمتني عنه أمس؟!».

ولكن، وعلى الرغم مما سبق، فالأمر لا يخلو من متعة لا يشعرها إلا الكاتب وحده، فحين يرى روايته قبل أن يشرع في كتابتها كأنه واقف عند أصل جبل يخشى أن ينهار به وفوقه، فإنه حال انطلاقه من التخوم الأولى من مدائنها، يشعر وكأن نجمًا زاهيًا في سمائه، ينير ظلمة أعماقه ويسحبه جارًا إياه إلى عالم من الشغف والحماس والنشوة، لا يضاهيه في روعته أي عالم آخر قد يعيشه أو عاش به، إنما الأمر مرهون بعشقه للكتابة، فكُلنا يريد أن يكون كاتبًا أثيرًا، يتوق القراء لمطالعة أعماله، ولكن قليلين هم من يسعون إلى ذلك بسجية كاملة، وبدافعية ذاتية، وحب لا علاقة له بجدوى الكتابة من عدمها، ودون أن يضعوا أمر القراء أو النقاد نُصب أعينهم، وربما ذلك هو الفارق.
عندما سئلت الروائـية جويس كارول أوتس عن النصـائح التي قـد تقدمهـا لمـن عقدوا العزم على أن يصبحوا كُتابًا، قالت: «أن يعيشوا حياتهـم إلى أقصاها، وأن يقرأوا كثيرًا بلا برنامج قراءة محـدد بصـرامة، وأن يسافـروا كثـيرًا، ويقابلـوا كثرة من النـاس، ويتحدثوا إليهـم، وأن يصغوا لما يقولون جيدًا ولا يقاطعوهم، وأن يستمعوا إلى أجدادهم وهم يتحدثون عن عائلاتهـم، وأن يكـونوا حياديــين بين الناس، ولا ينصِّـبوا أنفسهم بمثابة من يدين أفعـال الآخـرين، ويجعل من نفسه مرجعـية أخلاقـية، وأن يكونوا منفتحين، وأن ينظروا للعالم الكامـن حولهـم، إنه جميل، وأن يدققـوا فيه طـويلًا، فهو باعث على الدهشة والبهجـة، ويمكـن لهم أن يتعلمـوا منه كثيرًا مما يمكن استخدامه في ما سيكتبونه في أيامهم القادمة».
إن الطريق إلى أن تصبح كاتبًا حقيقيًا ليس مرصوفًا بإلهام اللحظات العابرة، بل هو مسار شاق من الانضباط والممارسة والتضحية. وكما تعلمنا من شهادات العمالقة، فإن الموهبة هي مجرد نقطة انطلاق، أما الإبداع الخالد فهو ثمرة الكفاح اليومي ضد الشك، والفقر، واليأس، والمعاناة الخلاقة. إنها مهنة تُمارس في عزلة، وتتطلب عشقًا مطلقًا للكلمة، وقدرة على دفع الصخرة إلى أعلى التل كل يوم، على أمل أن تستقر هناك يومًا ما، ولو للحظة وجيزة.
مقال رائع جدا
جميل
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.