خاطرة.. أنين الأرض في زمن العبور

في تلك الأيام، وبعد أن عبرنا أكثر من نصف العام، يلازمني دومًا شعور عميق بأن العالم يبدو وكأنه يتفتت أمام أعيننا قطعة تلو الأخرى، مسارات وعادات متكررة كنا قد اعتدنا عليها في سلسلة لامتناهية بدت الآن وكأنها سلسلة تتمزق حلقة وراء حلقة.

أكاد أجزم بأن أصوات الانهيار لم تعد تأتي من الخارج ونتسلمها عن طريق المستقبلات الحسية فقط، بل من أعماقنا تأتي الأصوات بشتى ألوانها، وقد أطلقت عليها أصوات الجحيم والنعيم، فكل شيء يحدث بالداخل يا عزيزي، نحن أبناء الأرض وأصحاب هذا العالم نُساق قسرًا نحو ولادة جديدة، فالأولى كانت من رحم الأم، أما الثانية فمن رحم الظلام. وبمحض الحقيقة حين نكون بصدد الولادة لا بد أن يمر الجسد بآلام المخاض المريرة، والروح تمر بصحواتها ولياليها المظلمة وتأنُّ وتصرخ في صمت وصراخ منطوٍ داخل الذات.

هذا التطهير الذي يرتطم في كل جروحنا القديمة كالأمواج العاتية ويكاد يلتهمنا ببطء، يبدو في واقع كل منه بأنه قاسٍ حد الوجع، وكأنه يسلبنا الأمان الذي تعوَّدناه من قبل، لكن حقيقته تبدو غاية في النُبل والرحمة؛ فهدفه الوحيد هو أن يتركنا عراة أمام حقيقتنا، ويضع لنا مرآة تظهر لنا ما كنا نخشى مواجهته من قبل.

وقد نلاحظ في الأيام الأخيرة وكأن العالم يذوب من حولنا؛ فالعلاقات الهشة تنكسر وتنحل من بعضها وكأن شيئًا لم يكن، واليقين القديم يتبخر ليعود كل فرد إلى المكانة التي تناسب استحقاقه في الحياة، وفي النهاية سنجد أنه لن يبقى لنا سوى الصمود وسط عاصفة تدحر كل القديم وتقتلع جذره، ومن سيقف في وجهه تيار التطهير والتغيير سيكون مصيره أن يُمحى من المشهد، كما يحدث تمامًا مع كل شيء لم يعد يخدم الإنسانية.

يتملكني شعور بألم الفراق مع كل شيء قديم يودع ويغادر؛ إذ يحمل كل شيء ذكرى محملة من تاريخ حياتنا، نودع القديم بدموع ثقيلة وأنفاس حارة تلتهمنا كألسنة اللهب، حتى قلوبنا مرتبكة ومشتتة كطفل صغير لا يعرف إلى أن يذهب بعد أن فقد والديه في إحدى ساحات الحروب.

فنحن كمن يدفن بيت طفولته ليُلقي به في غربةٍ مجهولة، ومع ذلك أعلم يقينًا أنه في قلب هذه القسوة يكمن خلاص ونور وتحرير لم نفهمه بعد، وبذرة ولادة لحياة أنقى تُرسى فيها مركبات السلام للإنسانية جمعاء كما كنا نطمح من قبل وأكثر.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.