أنّى لمثقوب الفؤاد أن ينام؟


بعد أن أكملت مفوضيّة الانتخابات النّتائج النّهائيّة للانتخابات التّشريعيّة في جميع محافظات دولة السّراب، والّتي أظهرت تقدّم كتلة العدل الإلهيّ الّذي يتزعّمه المناضل عبد الرّحيم، وفي ذلك المساء المنذرُ بالسّوء.. تترقّب أمّ وسام ذات السّبعين عامًا هذه النّتائج علّها تسمع ما يريح قلبها المثقل بالهموم.. ثمّ تصاب بالذّهول فور سماعها الخبر.. شخصت عيونها من وهل الصّدمة.. تفرك باطن كفّيها ببعضها قبل أن تُطأطئ رأسها خيبة وحسرة، بعد ذلك تضع كفّيها على وجهها.. تفرك عينينها محاولة منع دموعها السّاخنة من النّزول.

وأيُّ خيبة أملٍ ستداهم تلك الثّكلى، وهي ترى أمامها قاتل ابنها بكامل أناقته الّتي تبهر أنظار محبّيه يحتفي بنصره.

ثمّ ترمي ببصرها نحو صورة وسام تناجي فقيدها، علّها تسترجعه من بين فكّ الموت.. صمتٌ وشرودٌ يأخذها إلى اللّحظات الأليمة، لم تكن تتصوّر أن قادمًا آتيًا متخفّيًا يسلبها فرحتها، ويحرمها من ارتماء ابنها بين أحضانها.

حتّى وسام أيضًا ذو الخمسة وعشرين عامًا.. لم يكن يعلم بأنّ روحه ستكون ثمنًا لكلمات ذلك المنشور الّذي وضعه على صفحته الشّخصيّة في (الفيس بوك) والّذي ينتقد فيه عبد الرّحيم وحزبه.

هي تعلم جيّدًا أنّ أيّ امرأة في مثل عمرها الّذي مضى عليه أكثر ممّا بقي.. لا يعنيها أمر من فاز ومن خسر، بقدر اعتقادها أنّها ستسترجعُ ثأر ابنها برحيل هذا الرّجل الظّالم؛ كي تدفن في ذاكرتها الّتي خزّنت الأهوال صورة المجرم وأعوانه.

وعلى أيّة حال هذه هي الحياة لا تترك لنا ولها رفاهية الاختيار.. وها هي تعود من جديد لكهف قلبها المظلم المملوءة جدرانه بالحسرة والألم على رحيل وسام.. قبل أن تسمع صوتًا من خارج كهفها المزدحم بالذّكريات، صوت أنثويّ عميق يقطع الحبل الفاصل بين الوهم والخيال.. صادر من ابنتها مريم آخر العنقود وصاحبة الثّلاثة وعشرين ربيعًا، لتخبرها أنّ اللّيل قد تقدّم وعليها أن تنام.. فتمسك بقوّة قميص ابنها المضرّج بالدّماء كما لو أنّها تعصره ليخرج المزيد.. تضع قطعة القماش المهترئة على وجهها؛ كي تشمّها دفعة واحدة، وبكلّ طاقتها.. كما لو أنّها تحاول أن تجمع ابنها في أنفها.

ولكن لا أمل من ذلك.. لا الرّائحة تُشفي فؤادها المثقل بالهموم، ومحاولتها باسترجاع ابنها لن تعود لها بشيء، ذهب وسام بسحنته المميّزة، الطّول الفارع، والجسد الممشوق، ذو الوجه الأبيض كما لو أنّه ليس من أهل الأرض، وإنّما هو ملاك، ولم يبق منه إلّا ابتسامة تشعّ بالظّلمات.. أمّا عبد الرحيم سينام هذه اللّيلة هانئًا بين أحضان عشيقته بعد يوم طويل متخم بمديح من حوله المُسكر.. أمّا هي فأنّى لمثقوب الفؤاد أن ينام؟

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب