عندما كنت شابًا، طالما وددت مشاهدة الأفلام الوثائقية التليفزيونية غير العادية التي يرويها عالم الطبيعة المشهور (دايفيد أتينبار)، حيث صحح لي الكثير من الأمور الخاطئة التي كنت أعتقد أنها من المسلمات في هذا العالم، فقد كان لدي اعتقاد خاطئ يتعلق بنهر الأمازون أكثر الأنهار غزارة في العالم، فكنت أعتقد أن أصله عبارة عن نبع انسيابي واحد يتزايد عند تدفقه خلال الأرض، ومثله في ذلك مثل كل الأنهار، لكنني شعرت بالفزع عندما أعلن (أتينبارا) أن نهر الأمازون لم يكن لديه مثل هذا التفرد؛ حيث أوضح أن منبع نهر الأمازون يتكون من عدة تيارات مائية صغيرة مثل معظم الأنهار، حيث قال: "هذا واحد من ضمن عدة تيارات مائية يمكن أن تكون منبع أكبر نهر على الأرض الأمازون"، كما أضاف لاحقًا "بدأت العديد من منابع الأمازون كجزء أول صغير الجانب الشرقي من جبال الأنديز".
كم هذا مخيب للآمال هلا يوجد هناك منبع أصلي واحد ٢٠ بالمئة من المياه العذبة في العالم، بل تكونت عن طريق العديد من المنابع الصغيرة، والتي تساهم بشكل متناغم في التدفق النهائي الهائل للنهر، فعندما تستعرض فصل الذاكرة ستجد تشابهًا كبيرًا بين تنوع منابع الأنهار وبين أسباب تقوية الذاكرة لديك، فالعلم يبين أن هناك العديد من العوامل التي تساهم في الحفاظ على التدفقات القوية لذاكرتك الهائلة، فأساس تقوية الذاكرة لا يرجع إلى سبب واحد فحسب هناك العديد من العوامل الأخرى، حيث يلعب البقاء بمنأى عن التوتر دورًا في ذلك، وكذلك أداء التمارين الرياضية العادية، وعدد الكتب التي قرأتها في الأسبوع الماضي وكم الآلام التي تعاني منها حاليًا، وعدد ساعات النوم الكافية التي تحصل عليها في الليل وتعتبر كل هذه العوامل بمثابة عوامل صغيرة يساهم كل منها في تقوية قدرة دماغك على استدعاء الأشياء، مثلما يحدث تمامًا لنهر الأمازون بالنظر لاختلاف مصادر منبعه.
فللحفاظ على دماغك لتعمل بصورة جيدة في سن أنماط الشيخوخة يجب خلـق أنماط جديدة لحياتك تشبه تلك التيارات المائية العالية في جبال الإنديز، والتـي تحـافـظ علـى غـزارة نهر الأمازون، ولكي نفهم كيفية الحفاظ على نشاطنا الفكري سيعرض هذا الكتاب المساهمات التي يحدثها كل نمط من تلك الأنماط في حياتك، وسأوضح في نهاية هذا الكتاب كيف حاول العلماء اختراق وتغيير آلية عمل الشيخوخة نفسها، من خلال تلاعبهم في الشفرة الحتمية، محاولين استعادة ما لا يمكن إعادته.
وباعتباري المؤسس للرابطة الأمريكية للمتقاعدين فإننـي قـد تبنيت تلك الفكرة بكل جد وإخلاص، على الرغم من كوني قد أعترض، وتقل حماستي اتجاه تلك الفكرة حين أنظر إليها كعالم وطبيب مؤهل. "لانجر"، لكي أقف على نتائج تلك الدراسة، حتى يتسنى لنا العودة بالزمن إلى الوراء بشكل أكثر منطقية وواقعية، ولكننـي لـن أقـوم وتبعا لذلك فقد حان الوقت لزيارة المسنين ذوي السبعين عامًا، والذين صاروا مفعمين بالحيوية بعد خضوعهم لدراسة بتجميل الحقائق الصادمة التي تتعلق بجسدك، والتي تتأثر بالفعل بجريان الزمـن مـن خـلال معرفتي بآليـة عمـل جسم الإنسان في مراحله المختلفة، ولكنك في الوقت نفسه ستعرف أن هناك الكثير من الأمور الأخرى المتعلقة بالشيخوخة فهي ليست فقط مرحلة أوجاعًا وآلامًا وأشـواقًا للعودة إلى الماضي، مثل شـوق المسنين للعـودة لأيام حكم (أيزنهاور).
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.