في هذه القصيدة العميقة، لا يتحدث الشاعر بلسانه، بل بصوت التاريخ نفسه، ذاك الكائن العابر للأزمنة، الذي لا ينسى ولا يحابي، يسرد ما مضى بلا مواربة، ويشهد على سقوط الملوك كما يدوّن صعود الثوار. بين الإلياذة وضحكة الأطفال في حلب، بين بغداد والقدس، يلتقط النص لحظات الخلود والانكسار، ويحوّل التاريخ من سجل جامد إلى كائن حي يتكلم، يحاكم، ويُفكّر. هذه ليست قصيدة فقط، بل مرآة للأمة ووعي مستتر في مفاصل اللغة.
قول التاريخ أولى من قولي..
يكتبني ويكتب جيلي..
الإلياذة وفن الشعر والمسرح بقوا، ونُسِيتْ حكام ذاك الزمان وإمارته بحدودها وجنودها وعبيدها..
أنا التَّاريخُ... لا أنسى، ولا أُمحى من الأذهانْ
أنا سِفرُ الزمانِ إذا تكلَّمَ في وضوحِ بيانْ
أنا الشاهدْ، أنا الراوي، على ما كانَ من إنسانْ
متى بَرَعوا، متى خابوا، متى باعوا بلا أثمانْ
أمرُّ على الملوكِ إذا تعالَوا ثمَّ صاروا طينْ
وأحفظُ سرَّ ثوَّارٍ مضوا في الليلِ كالسكِّينْ
أؤرِّخُ للمدى المرِّ الذي حطَّ الرحالَ بنا
لأكتب كيف كنَّا… كيف أمسينا بلا أوطانْ
أُدوِّن ضحكةَ الأطفالِ تحت النارِ في حلبِ
وأرسمُ خطَّ نكبةِ أمَّةٍ ما عادتِ تُجْتَبى
أنا لا أنحازُ، لا أحنو، ولا أمحو خطيئةَ منْ
خدشوا ضميرَ الأرضِ أو غطُّوا العيونَ بدمْ
أنا في كل حجرٍ صارخٍ في القدسِ، في بغدادْ
أنا في الريحِ لو مرَّتْ على صمتِ الخرابِ حدادْ
أنا مرآةُ ماضينا… إذا أعياكَ صمتي، قُمْ
وسائلني: أأمجادٌ؟ أم انكساراتُ ألفِ بلادْ؟
على مر الزمان من وثق التعازي والتهاني
هو للقارئ يقول ما يشاء من المعاني
وهو كائن يحوم في كل مكان
ينتشر في الأرجاء مثل الدخان
«أنا التاريخ» ليست فقط قصيدة، بل موقف وجودي، دعوة لمساءلة الماضي، وللتحرّر من وهم الحياد. فالتاريخ كما يرويه الشاعر، لا يجمّل ولا ينسى، بل يُدين ويشهد. كل حجر، كل ضحكة، كل دمعة، تسجّل في سجله، حتى لو توهّم الطغاة غير ذلك. هذه القصيدة درس في الأدب السياسي، في كتابة الذاكرة، وفي أن يكون الشعر سجلًا أنقى من أرشيف الدول.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.