ما بين البقاء والرحيل، تمتد خطوط شائكة تحمل بين طياتها قصصًا لم تكتمل، وأوجاعًا لم تجد سبيلًا للزوال. وما بين العطاء والجفاء، يتأرجح الإنسان بين شريعةٍ تلزمه بالعطف، وحياةٍ تعلِّمه القسوة.
أنا مراد، الدكتور مراد عبد التواب.
كنت طبيبًا نفسيًا، بل كنت الأبرز في مجالي، حتى صار اسمي ملء السمع والبصر، يتردد على ألسنة الناس كأنما هو تعويذةٌ سحريةٌ لشفاء الروح المعذبة، لم يحدث أن استعصى مريضٌ عليَّ، ولا عقدةٌ لم أفك طلاسمها. كنت أرى البشر كما لو كانوا صفحات مكشوفة، أقرأ انفعالاتهم، وأفهم دوافعهم، وأكشف زيفهم بلمحة عين.
لم أكن طبيب فقط، كنت فيلسوفًا في علم النفس، أبحرت بين نظريات أفلاطون وديكارت، ونهلت من أفكار فرويد ويونغ وأدلر، قرأت لكارل ماركس كما قرأت لفيكتور فرانكل. لم يكن للحدود الدينية أو الأيديولوجية سلطة عليَّ؛ كنت أبحث عن المعرفة حيثما وجدت، وأتعمق في النفس البشرية بلا قيود، كأنني أنقِّب عن سرها الأعظم.
لكن.. عندما تبلغ الذروة، ماذا يبقى بعدها؟
حين لا يعود هناك شيءٌ يدهشك، ماذا يبقى لتنتظره؟
كان الملل كالسرطان يتسلل إلى روحي، كل مريضٍ أقابله، كنت أعرف مسبقًا ما سيقوله، بل وما سيخفيه. لم يعد شيءٌ يفاجئني، لم يعد شيءٌ يشدُّني. كنت أعالج أتعس البشر، وأحمل في قلبي تعاسةً تفوق تعاستهم جميعًا.
ظننت أن الزواج قد يكون طوق النجاة، أن أشارك حياتي مع امرأة قد يعيد إليَّ شيئًا من الشغف الإنساني المفقود، لكنني لم أجنِ سوى المزيد من الخيبة.
كانت زوجتي تخافني، تحيا معي وكأنها سجينةٌ في قفصٍ زجاجي، ترى أثر خوفها في عينيَّ كلما نظرت إليَّ. لم يكن هناك مجالٌ للخصوصية بيننا، فقد كنت أقرأها كما تُقرأ الحروف في كتاب مفتوح. كنت أعرف متى تكذب، متى تتظاهر بالسعادة، متى تخفي عني شيئًا. كانت تدرك أنني أفهمها أكثر مما تفهم نفسها، وكانت هذه الحقيقة ترعبها.
ومع مرور الأيام، أصبحت أنا أيضًا غير قادرٍ على احتمالها. لم تعد تبهرني، لم تعد تثير فضولي، لم تعد سوى جزءٍ آخر من روتينٍ قاتل.
وهكذا، كما بدأت حياتنا معًا على عجل، انتهت بالسرعة ذاتها، وبلا أي أثرٍ يستحق الذكر.
أما أنا.. فقد بقيت، لكنني لم أعد أعرف: هل بقيت حيًّا، أم أنني مجرد ظلٍ لإنسان كان يومًا ما يعيش؟
إلى أن وجدت طريقًا اخترق رتابة أيامي، وأصاب الهدف في أعماقي، كأنما أعادني إلى الحياة بعد موتٍ بطيء. لم يكن طريقًا عاديًا، بل بابًا فُتح لي على عالمٍ لم أعهده، عالمٍ تتداخل فيه العقول بالأسرار، والواقع بالماورائيات.
كل شيء بدأ عندما جاءني مريضٌ... ليس كأي مريض.
لم يكن مدعيًا، ولم يكن مهلوسًا، لم يكن حالةً عابرة من الوهم أو الهذيان، كان شيئًا آخر.. مزيجًا بين الإنسان وما ليس بإنسان.
داخل جسده، كان يسكن كيانٌ غامض، ليس من هذا العالم، كيانٌ يحمل اسمًا غريبًا لم أسمع به من قبل: «محسوب».
في البداية، ظننت الأمر لا يعدو كونه اضطرابًا نفسيًا متقدمًا، إحدى الحالات النادرة التي تفوق الحد المألوف، لكن شيئًا ما في هذا المريض كان مختلفًا، كان حقيقيًا.
بمرور الوقت، لم يعد مجرد مريضٍ عابر، بل أصبح... صديقي.
في كل مرة يأتي فيها أهل المريض حاملين رجاءهم ويأسهم بين أيديهم، يجلس أمامي، تُغلق الغرفة، ويبدأ الحديث. لحظات قليلة... ثم يغيب عن الوعي. وتلك اللحظة بالذات، كانت البداية.
كان الجسد ذاته، لكن الصوت تغير، النظرة تبدلت، والهالة التي أحاطت به لم تكن هالة بشر. كان شيءٌ آخر يطل من خلف عينيه... شيءٌ يتحدث بلسانٍ لم أسمعه من قبل، وبصوتٍ يحمل أكثر مما تحتمله حنجرة إنسان.
وهكذا، وجدت نفسي أمام لغزٍ لم أواجه مثله من قبل.
لغز اسمه «محسوب».
مارست عليه كل ما تعلمته، سخَّرت معرفتي بعلم النفس، قرأت كل إيماءة، كل نظرة، كل حركة، وحاولت فك شيفراته كما أفعل مع أي مريض آخر. كنت واثقًا من نفسي، متيقنًا أن عقلي المدرب لن يخذلني، لكنني سرعان ما أدركت الحقيقة...
«محسوب لم يكن إنسانًا».
كان مختلفًا، ليس فقط في منطقه أو تعبيراته، بل في جوهره ذاته.
كان عقله يسير في مسارات لم أعتدها، وكانت فلسفته تتحدى كل ما تعلمته. لم يكن يخضع لقواعد علم النفس، بل كان شيئًا آخر... شيئًا لا ينتمي لهذا العالم.
حاولت التظاهر بالسيطرة، بالتحكم، كعادتي مع كل من جلس أمامي. لكنني كنت كمن يلاعب الظل... كلما هممت بالإمساك به، تلاشى بين أصابعي. كان يقرأني كما أقرأ الآخرين، لكنه لم يكتفِ بذلك. كان يحاصر أفكاري، يسبقني بخطوة، يناورني بدهاء جعلني، على الرغم من علمي ومعرفتي، أبدو قزمًا أمامه.
أثار ذلك فضولي حد الهوس، استفز غروري العلمي، دفعني نحو مسارٍ لم أعتقد يومًا أنني سأخطو فيه.
عجرفته وتفكيره غير المألوف دفعاني إلى الغوص في علومٍ كنت دائمًا أعدها محض خرافات... علوم الماورائيات.
تركتُ خلفي كل شيء... حياتي، سمعتي، مسيرتي المهنية، بل حتى إنسانيتي، في سبيل كشف حقيقة محسوب وحقيقة العالم الذي جاء منه، كنت أفرِّط في حياتي قطعةً بعد أخرى، كأنني أهدم جسر العودة بيديَّ، غير عابئٍ بما ينتظرني في الضفة الأخرى. لم يعد شيءٌ يهم، لم تعد مهنة الطبيب النفسي سوى قيدٍ بارد، ولا عاد اسمي الذي يتردد في الأوساط العلمية يعني لي شيئًا.
لقد كنت أمام لغزٍ لم يعرفه عقل بشري من قبل، ولأول مرةٍ منذ سنوات، وجدت ما يثير فضولي.
لم أعد أرى المريض، لم أعد أتعاطف مع حالته أو أهتم بشفائه، كنت أرى ما وراءه، كنت أبحث عن «محسوب».
ذلك الكيان الغامض الذي احتل جسده، كائنٌ لا يخضع لمنطق العقل ولا يندرج تحت أي تشخيصٍ نفسي عرفته البشرية، كان شيئًا آخر، شيئًا خارج التصنيف، خارج الحدود.
وعلى الرغم من كل معرفتي، لم أكن أدرك حينها أنني أدقُّ على بابٍ لا يجب أن يُفتح، وأن الفضول وحده قد يكون أعظم اللعنات.
كلما تعمقت، كلما حاولت كشف الحقيقة، كنت أنسلخ أكثر عن عالمي. صارت الأيام تمضي كوميضٍ عابر، لا طعم لها ولا معنى، في حين يبتلعني شيءٌ أكبر، شيءٌ لم أعد أستطيع الإفلات منه. لم يعد الأمر مجرد دراسةٍ أو بحث.. لقد صار هوسًا.
لم أعد أبحث عن محسوب في الأوراق القديمة أو نظريات الفلاسفة، بل بدأت أبحث عنه في عقلي، في أحلامي، في أطراف الرؤى التي تومض عند حافة الإدراك. وذات يوم، لم يعد مجرد فكرةٍ في رأسي...
أصبح حقيقة.
أصبحت أراهم.
كياناتٌ تتسلل بين الظلال، وجوهٌ لا تنتمي لعالمنا، عيونٌ تحدق من الفراغ، وأصواتٌ لا مصدر لها.
لم أعد بحاجةٍ إلى البحث... لقد وجدتهم.
أو لعلهم هم من وجدوني.
«قد يجدر بي أن أقص عليكم ما يفعله هذا المسكين في باقي يومه...».
إنه أسيرٌ بين رغباته وجموحه، جسده يتحرك بلا إرادة، بلا وعي.
يقتل دون سبب، يعربد في الظلام، يلطخ نفسه بالقاذورات كحيوانٍ ضال، يسرق بلا حاجة، يفسد في الأرض وكأنه وُجد فقط ليمارس الفوضى.
ولا أحد يحاسبه.
الناس ينظرون إليه بعين الشفقة، يتهامسون عنه قائلين: «لقد جُنَّ الرجل».
يتجنبونه، يخافونه، لكنه لا يخافهم.
ثم تأتي تلك اللحظات العابرة... لحظات استيقاظه.
يجد نفسه في مكانٍ لا يعرفه، بأيدي ملوثة بدماء لا يدري لمن تعود.
يحاول أن يستوعب، أن يفهم ما حدث، لكن لا شيء يملك من الإجابات.
ولا شيء يملك من السيطرة.
هل تصدقون أنني السبب في ذلك؟
لا، يا سادة!
هو من قاد نفسه إلى هذا المصير. فضوله هو من قاده إلى الهاوية، دفعه إلى طرقِ بابٍ لا ينبغي أن يُطرق. كان يظن أنه قادر على استكشاف المجهول دون أن يتحول إلى جزءٍ منه. لكنه لم يفهم القاعدة الأزلية:
«حين تحدِّق في الظلام طويلًا... فإن الظلام يحدِّق فيك أيضًا».
«لا... لا! لن أسمح له بالسيطرة!».
إنه يحاول المقاومة مجددًا. كم هو مثيرٌ للشفقة.
«أنا ما زلت هنا!».
«أنا الإنسان! لن أدعه ينتصر!».
«لقد سمعت حديثه الآن... ولقد اقتربت من...».
«أنا محسوب، يا سادة».
لقد عاد.
دعوه يتشبث بأوهامه.
دعوه يظن أنه قادرٌ على الانتصار.
لكنني سأحطِّمه... حتى يستسلم.
حتى يتلاشى صوته، حتى يترك عقله، حتى يصبح مجرد صدى لا يُسمع إلا في أعماق النسيان.
في النهاية، لا مكان للضعفاء في هذا العالم.
رائع جدا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.