أم كلثوم أو الشمس التي لا تغيب

"أنا أحب كل صوت جميل، والصوت الجميل بزيادة، أسمعه من سيدة الغناء، كوكب الشرق والغرب، صوت أم كلثوم". صاحب الحنجرة الذهبيةَ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد.

ولدت السيدة "فاطمة إبراهيم" بقرية طماي الزهايرة بالدقهلية عام 1904م، لأب شيخ يقدم حفلات التواشيح الإسلامية في قريته والقرى المجاورة، برفقة ابنه وابن أخيه و صاحبتنا الذي منهم، كأنها ببغاء اعتادت أن تردد وتدندن بنشوة فن الإنشاد الممتع، التي كانت تسمعه منهم أثناء تحضيرهم، ومع الممارسة والتكرار شاءت الأقدار أثناء دندنتها بالمصادفة سمع فأذهل الشيخ إبراهيم من شدة جمال صوتها، مما دفعه على الفور بضمها للفرقة العائلية، ولكن بطريقة تحفظ خفية، فألبسها جلباباً للفتيات الصغار، وغطاء وجه كامل لا يظهر منه إلا عيناها وفمها، وبسبب نبرة صوتها لاحظ المستمعون مدى اختلاف صوت جنسها عن ملبسها الظاهر أمامهم، ولكن جميعهم لم يختلفوا على روعة صوتها، حتى أصبحت مع مرور الوقت مطلبًا دائمًا واعتياديًا في جميع حفلات ليالي القرى والذي منه، مما دفع أحد الشيوخ بالنصيحة إلى والدها بالذهاب بها إلى القاهرة مدينة الأضواء والشهرة لكل المواهب والنوابغ والأفذاذ.

وبالفعل أخذ والدها بالنصيحة الجوهرية في أوائل عشرينات القرن الماضي، ومنذ صغرها شق الطريق مع مشروعه الواعد من قريتهم الواقعة بدلتا النيل إلى قاهرة المعز التي استطاعت فيها رويداً رويداً أن توظف بنفسها جميع الأدوات بعناية بالغة من كتاب، وشعراء، وملحنين في المدينة الشاسعة لصالح شيء واحد ألا وهو صوتها الرنان الذي لا يضاهي له مثيل، والذي من خلاله بمرور السنين استطاعت أن تغير خارطة الفن الغنائي المصري من الغناء الغث المتحكم في المجتمع آنذاك إلى الارتقاء والالتزام بالذوق الغنائي الذي تحكمه كلمات ذات معنى، وقيمة تعلوها رسالة مفادها أهمية ومدى احترام قيمة الكلمة التي ستعود حتماً على مسمع المستمع.

وبهذه القيم العظمية ترتب عليها تدريجياً فرض نفسها بقوة ناعمة على الساحة المصرية، وبالأخص لما تغنت سيدة المقامات، وتلاعبت على الأوتار الحساسة للقلوب، لما غنت عن الحب بكل ما فيه من مراحل مختلفةً من عشق، هجر، عتاب، فراق، اشتياق، كل على حد سواء فيهم، غنت فأتقنت فأبدعت، وبالتأكيد لكل فعل رد فعل وهنا البادئ ليس أظلم، ولذلك أحد النتائج المترتبة على كل ذلك استطاعت أن تخطف، و تؤثر، وتستحوذ بجدارة بالغة على قلوب جميع من فيها بمختلف أعمارهم ومجالاتهم بلا أي استثناء من صغارها إلى كبارها، من مغنيها إلى شيوخها، من أصغر عمالها إلى حاكمها الملكي آنذاك.. وبالمنطق لا يقع اللوم أبداً على هذه القلوب التي وقعت مغرمةً بشكل إجباري بجمال ما غنته "سارقة القلوب".

ومنذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي إلى أواخر الخمسينات أصبحت حدثاً متجدداً في يوم الخميس من كل أسبوع بإحيائها حفل موسيقي، وفي ذلك اليوم تكون الشوارع  خالية على عروشها من الناس لوجودهم في تلك الحفلة التي كانت تصل مدة زمنها من خمس إلى ست ساعات، يتضمن في وجودها 4 أغاني طويلةٍ، وكل ذلك من أجل إمتاع جمهورها بالطرب الموسيقي، وارتجالاتها التي لا يفي في حقها الحديث.

ويكفي آنذاك أنها تخطت مرحلة الغناء الطبيعي وفاقت مرحلتي الإتقان والإبداع حتى أصبحت شيئًا لا يضاهى، ولا يجوز لأي عقل سليم أن يضعها في خانة المقارنة مع أي مغن أو مغنية آنذاك، وحتى الزمن الحاضر اتبعها من أتوا بعدها في الساحة الفنية في غناء ما قدمته شهادة على استثناء عظمة وجمال ما قدمته، ولشهادة الحق، والحق أحق أن يتبع، هي تستحق ذلك يكفي أنها تتلاعب ببراعة بالغة السحر، "الحلال" بمشاعر المرء مثلما يتلاعب بالساحرة المستديرة لاعب موهوب بالفطرة. 

فهي "كانت تغني مثل الواعظ المُلهم من جمهوره، فعندما يدرك الواعظ ما يصل إلى جمهوره، يمنحهم المزيد، ويتفانى فيه".

وفي العام المشئوم علي أحفاد الفراعنة بنكسة عام 1967 تخطت صوت مصر النابض مرحلة الغناء المحلي برحلة إلي عاصمة الجمال باريس وليست أي مجرد رحله والسلام

حيث كانت حفله تاريخية يشهد لها تاريخ يوم 15 نوفمبر عام 1967 علي مسرح الأولمبي أكبر المسارح في القارة العجوز..

أولا: بسبب نسبه الحضور الجماهيري المهولة.

وثانياً: بسبب الأجر الضخم الذي قدر ب14 ألف جنيهاً إسترليني والذي بالمناسبة عاد بالكامل لتدعيم الجيش المصري من أجل إعادة ترتيب أوراقه بعد هزيمة النكسة وفي كلتا السببين تخطت وكسرت فيهما حاجز جميع مطربي العالم آنذاك أجراً وحضوراً جماهيرياً وفي تلك الحفل قدمت ثلاثتها الشهيرة على الترتيب (أنت عمري- الأطلال- بعيد عنك) في خلال أربع ساعات.

واستمرت أم كلثوم في الغناء حتى عام 1973 والذي فيه ابتعدت تدريجياً عن الساحة الغنائية والفنية، التي قدمت إليهم طوال مسيرتها قرابة 304 أغنية و6 أفلام سينمائية، وفي يوم الثالث من فبراير من عام 1975 فقدت الأمة العربية أحد أبرز رموزها الفنية متأثرة بمرض الفشل الكلوي وذلك عن عمر 76عاماً وشيعها إلي مثواها الأخير قرابة 5 مليون مشيع حتى صنفت من أعظم جنازات العالم.

أخيراً وليس أَخَّرَا صدقت كوكب الشرق لما تغنت بكوبيه "أهل الحب صحيح مسكين."

فنحن من أصبحنا مسكين في حبها لما جعلت منا الكثير يتغنى بأغانيها حتى اللحظة يكفي لأن أغانيها تزداد جمالاً ودلالاً وبريقاً مع مرور الأعوام حتى أصبحت أم كلثوم وكأنها لعنه رائعة حلت علي المصريين والعرب.. وفي النهايةِ معها تتعد الألقاب ولا تجوز المقارنة ولا ينتهي الحديث لتظل وتبقي السيدة "فاطمة إبراهيم" كالشمس الذي لا تغيب.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.