أمير الأندلس والجارية طروب، ومن الحبّ ما غفر!

ما بين أفول الدولة الأمويّة في دمشق، وصعود الدولة العباسية في بغداد، نشأت إمارة الأندلس في شبه جزيرة آيبيريا استمراراً لتواجد الأمويين، رغم بزوغ العباسيين.

تولّى الأمير الأمويّ الرابع عبد الرحمن الأوسط إمارة الأندلس لفترة تجاوزت ثلاثين عاماً، ولُقّب بالأوسط أو الثاني تمييزاً عمّن سبقه الأمير عبد الرحمن الداخل، ومن لحقه الأمير عبد الرحمن الناصر.

يمثّل عهد عبد الرحمن الأوسط نقلةً حضاريّة نوعيّة، ومرحلة هامّة من مراحل الانصهار الاجتماعيّ بين مختلف العناصر العربيّة والمستعربة، الأمر الّذي جعل المؤرخين يسمّون عهده بـ "أيام العروس"، ويعدّونه من أسعد العهود التي عاش في ظلّها أهل الأندلس خلال حكم الإمارة الأموية.

كان الأمير شاعراً وفقيهاً، سياسياً وحكيماً، قرّب إليه أهل الدين، والأدب، والفنّ، والعلم، وكان أقرب الناس إليه الفقيه يحيى بن يحيى الليثي، وعبقريّ الموسيقى زرياب القادم من بغداد، والعالم المعروف عباس بن فرناس، والفتى الخصيّ نصر الصقلبي، والجارية الحسناء طروب.

وقد عُرف عن الأمير هيامُه بالنساء، وقد أنجب من زوجاته وجواريه ثلاثاً وسبعين ابناً وابنة، من الذكور أربعون، ومن الإناث ثلاث وأربعون. 

عاملَ جاريته طروب معاملة خاصة حتى إنها أصبحت تُبرِم الأمور، فلا يردّ شيئاً ممّا تبرمه، ونالت الحظوة عنده، وأصبحت أمّ ولد، فولدت له عبد الله، وهناك جوارٍ أخريات حَظين عنده بميل، منهن مدثرة التي أعتقها وتزوّجها، والسّناء، وقلم الأديبة والشاعرة وحافظة الأخبار.

ارتبط الفتى نصر الخصي والجارية طروب ارتباطاً وثيقاً، وكان الفتى نصر هو الأثير عند الأمير، وكان من الفتيان المنتقين الذين خصاهم أبوه الأمير الحَكَم من أبناء الناس الأحرار؛ ليستخدمهم داخل قصره، لم يكن نصر محبوبًا عند الخاص والعام، فالجميع أجمع على بغضه، ولم يكن يحظى إلا بعطف الأمير والجارية.

أما الجارية طروب فقد كانت الغالية على قلب الأمير، وضرب المثل في حبّ عبد الرحمن الثاني لطروب، وهي التي أعطاها حلياً بقيمة مئة ألف دينار، فقيل له: "إن مثل هذا لا ينبغي أن يخرج من خزانة المُلك"، فقال: "إنّ لابسه أنفس منه خطراً، وأرفع قدرًا، وأكرم جوهرًا، وأشرف عنصرًا."

كانت طروب من جواري الشمال الإسبانيّ، وعلى قدر عظيم من الجمال، ولدت للأمير ابنه عبد الله، فكانت تطمع في ولاية أبنها الإمارة بدلًا من أخيه غير الشقيق محمد الذي كان أبوه يميل إليه، وكانت من أجل ذلك تسعى إلى المال لتستميل به الناس إليها وإلى ابنها، فدبّرت مؤامرة لقتل الأمير عبد الرحمن مستعينة بالمملوك نصر، فسعى نصر عند طبيب القصر ورشاه بألف دينار ليضع السمّ في شراب الأمير، وتظاهر الطبيب بالموافقة، وبلغ قهرمانة القصر - وهي التي تدير أركان القصر - بأن تخبر الأمير بذلك، وتطلب منه أن يحترز من الشراب حين يقدمه إليه.

وباكر نصر إلى القصر يحمل الشراب إلى الأمير فقال له: "إن نفسي تعافه اليوم، فاشربه أنت"، فلم يستطع نصر أن يمتنع، فشربه وهلك.

وتقول المصادر إنه مع علم الأمير بما كانت تضمره له طروب فقد ظلّ يهيم بها، ولا يحتمل بُعدها، وممّا يذكر في هيامه بالجارية أنه أغضبها ذات يوم فهجرته، وصدّت عنه، وأبت أن تأتيه، ولزمت مقصورتها، فاشتدّ قلقه لهجرها، وجهد في مرضاتها بكلّ وجه، فأعياه ذلك، فأرسل من خدمه وخصيانه من يُكرهها على الوصول إليه، فأغلقت بابها في وجوههم، واستأذنوه بكسر الباب فنهاهم، وأمر أن يُسدّ الباب عليها من خارجه، ففعلوا وبنوا عليها ببدر قطع الدراهم، ووقف على الباب، وكلّمها مسترضيًا راغبًا في المراجعة على أن لها بجميع ما سدّ به الباب من الدراهم، فأجابت وفتحت الباب، فانهالت البدر عليها في مقصورتها، فرضيت ووصلته، فغفر لها مؤامرة محاولة قتله!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب