أمل دنقل.. والإبحار في خليج العيون الخضر

أمل دنقل واحد من أبرز شعراء جيل الستينيات الثائر المتمرد، أطلق عليه الشاعر فاروق شوشة لقب (شاعر اليقين القومي).

وأطلق عليه الناقد نسيم مجلي لقب (أمير شعراء الرفض)؛ وذلك لأن الشاعر أفنى حياته القصيرة في الكتابة عن هموم وطنه، وما عصف به من أحداث جسام، وجرَّد قلمه للكشف عن مثالب الواقع العربي المثقل بالأزمات والأغلال.

قد يعجبك أيضًا معلومات لا تعرفها عن الشاعر فاروق جويدة

ميلاد شاعر متفرد

وثم إجماع من النقاد على أن قصيدة (كلمات سبارتاكوس الأخيرة) هي شهادة ميلاد أمل دنقل بوصفه شاعرًا قوميًا واعدًا، والنقطة الفارقة في مسيرته الشعرية، فقد كان شعره قبلها محصورًا في النمط الذاتي الرومانسي، وخرجت قصائده المبكرة معبرة عن وجدانه الفردي.

وقد نُشرت أكثر هذه القصائد ضمن ديوانه (مقتل القمر)، في حين ظل البعض الآخر حبيسًا في أوراقه الخاصة بناءً على رغبته.

ويفسر لنا صديقه الدكتور جابر عصفور السبب في ذلك بقوله: "وأغلب القصائد التي كتبها في هذه المرحلة لم ينشر منها في دواوينه إلا ما رضي عنه، أما ما لم يرضَ عنه فلم ينشره وتركه مخطوطًا، أو منشورًا في الصحف والمجلات المتناثرة..".

قد يعجبك أيضًا السيرة الذاتية للشاعر المصري أمل دنقل

قصة حب مبكرة

واللافت أن الشاعر قد خصص أغلب -وربما جميع- شعره العاطفي إلى حبيبة واحدة، هي تلك الحبيبة ذات العيون الخضراء، التي احتلت عناوين بعض قصائده وسطورها، في ديوانه (مقتل القمر)، وهو ديوانه الأول من جهة الإبداع، والثالث من حيث الطبع والإصدار.

إضافة إلى ديوان كامل غير منشور، ظل حبيسًا في أوراقه وأدراجه حتى هذه اللحظة، عنونه هو بـ(العيون الخضر)، واحتل وصف هذه المحبوبة أغلب عناوين تلك القصائد المبكرة، مثل قصيدة (إلى ذات العيون الخضر) التي كتبها في مدينة قنا سنة 1959م، وكتب في العام نفسه قصيدة (قلبي والعيون الخضر)، وقصيدة (العينان الخضراوان) سنة 1961م.

وحين نطالع قصائد الديوان المطبوع (مقتل القمر) من الداخل سنجد قصائد أخرى موجهة إلى تلك المحبوبة، ومقاطع عدة تتناولها، مثل قوله:

                             أحس حيال عينيكِ

                             بشيء داخلي يبكي

                             أحس خطيئة الماضي تعرَّت بين كفيكِ

                             وعنقودًا من التفاح في عينين خضراوين

                             أأنسى رحلة الآثام في عينين فردوسين؟!

ويقول في قصيدة أخرى:

                             يا ظل صيف أخضر 

                             تصوري

                             كم أشهرٍ وأشهر 

                             مغتربًا عن العيون الخضر، والشعر الثري

وهذا يدل بالتأكيد على وجود حبيبة تعلَّق قلبه بها في مرحلة مبكرة من حياته، عيناها خضراوان كغصن سلام، رأى فيها فتاة أحلامه الموعودة.

وإذا كان صديقه الدكتور جابر عصفور نحا منحى الشك في وجود هذه الحبيبة حقيقة، بقوله: "هذه العيون الخضر قد تكون فتاة فعلية انجذب إليها أمل دنقل، ورأى فيها فتاة أحلامه حين كان في قنا..".

قد يعجبك أيضًا من هو الشاعر صلاح عبد الصبور؟

حبيبة غامضة

لكن شقيقه أنس دنقل يؤكد لنا وجودها حقيقة، وأنها كانت في مدينة قنا في نهاية عقد الخمسينيات، حين كانت مدينة قنا أكثر انفتاحًا مما هي عليه الآن؛ نظرًا لأنها كانت موطن الموظفين المغتربين من أهالي الشمال، الذين قدموا إليها في ظروف مختلفة.

ويعطينا فكرة عن هذه المحبوبة قائلًا: "كانت جارتنا، ووالدها مدرس موسيقى بمدرسة المعلمين الموسيقيين أيامها، كانت صبية ملائكية، ملامحها طفولية، شبهها أمل في قصيدة (العينان الخضراوان) بالسيدة مريم العذراء المسبلة بالأجفان، فقد كانت شديدة الرقة والجمال، وكانت شقتها مجاورة لشقتنا..".

وذكر أيضًا أنها من مدينة المنصورة، وكانت تعزف لهم على الأدوات الموسيقية التي يمتلكها والدها، وكان أمل يغني لها بصوته، ورمز لها بالحرف (ع)، وأضاف: "ثم كان مشروع زواج لم يكتمل لأسباب مادية تتعلق بالأسرة وقتها.."، إذن هذه المحبوبة موجودة فعلًا، وحقيقية، وقد احتلت الحيز الأكبر من شعر أمل دنقل العاطفي، لأنها تمثل الحب الأول، في مرحلة النقاء العذري.

قد يعجبك أيضًا ما لا تعرفه عن الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي

وقصة أخرى

لكن الشاعر بدر توفيق تحدث عن حبيبة أخرى لأمل، رمز لها بالحرفين (ن. ع)، فقال: "ثم يقع في غرام السيدة (ن. ع)، ويندهش جدًا ويصدم جدًا عندما يرفض أهل العروس زواج ابنتهم من هذا الشاعر الطويل النحيل، العابث الساخر الحزين..".

ومن المؤكد أنها ليست الحبيبة الأولى لاختلاف الحرف الرامز من جهة، ومن جهة أخرى: أنه ذكرها في أثناء حديثه عن حياة الصعلكة التي عاشها أمل في القاهرة، بعد أن فرَّ من الوظائف الحكومية وتفرغ للشعر، وفقد معها الاستقرار.

وكذلك ذكر أنها بعد إصدار ديوانه الأول: (زرقاء اليمامة) سنة 1969م، والتشابه بين القصتين: في حيلولة ظروفه الاقتصادية دون الاقتران بمن أحبها..

ولعل هذه الحبيبة التي تحدث عنها بدر توفيق هي المعنية بقصيدة (رباب) المنشورة بديوانه الثاني، وهي قصيدة غير مؤرخة، لكن الديوان كله صدر عام 1971م، ومن المرجح أن قصائده كلها كتبت في أعقاب النكسة.

وهذا يتفق مع كلام الأستاذ بدر توفيق من حيث ابتداء هذه القصة عقب إصداره الديوان الأول، ولعل اسم (رباب) كان اسمًا رمزيًا مستعارًا لها، أو أن لها اسمين كعادة كثير من أهل مصر، في المدن والأرياف على السواء..

قد يعجبك أيضًا قصائد الحب العميقة وتأثيرها في التراث الشعري

ذات العيون الخضر

وما يجعلنا نرجح أنها هي، أنه أتى على ذكر حبيبته الأولى -ذات العيون الخضراء- في أثناء انخراطه في الحديث عن لقائه بحبيبته الثانية، فيقول:

                   جلستنا الأولى: وعيناك المليئتان بالفضول..

                   تفتشان عن بداية للحديث..

                   وابتسامة خجول..

                   في شفتيك العذبتين.. وارتباكنا يطول..

                   في لحظات الصمت والظمأ

ثم ينخرط في سرد تفاصيل ذاك اللقاء المتوتر، المقيد بالخجل، إلى نهاية المقطع الأول، لكنه في المقطع الثاني ينقلنا بطريقة (الفلاش باك) السينمائية إلى مشهد قديم، يتناول حبه الأول، وذات العيون الخضر، فيقول:

                   كنا جارين طويلًا

                   وخليج عيون خضر ترسو فيه

                   أشرعة الشوق

                   قلبي ما كاد يشب عن الطوق

                   حتى أبحر في عينيها الواسعتين..

                   برحلته الأولى

 إنه يستدعي ذكريات حبه الأول في موقف تشابهت فيه المشاعر الفياضة النقية، لكن زاحم هذا الاستدعاء الشاعري النقي، استدعاء الخوف من القادم، وكأنه توقع نهاية هذا الحب الجديد، بالطريقة نفسها التي انتهى بها حبه القديم.

وبين الحب والخوف يستدعي ذلك العهد الذي قطعه على نفسه بألا يقع في الحب مرة أخرى، وهو يرى حنثه بهذا العهد الآن في جلسته مع حبيبته الثانية ذات الأهداب السوداء كعينيها:

                   بالريح المقهورة

                   بالأمكنة المهجورة

                   بسني الحب الغارب

                   بالقمر الشاحب

                   وبأعوامي الستة عشر

                   وبخصلة شعر:

                   أقسم ألا يسقط قلبي في..

                   شَرَك الهُدب الأسود             

                   ألا أفتح أبدًا هذا الباب الموصد!

لكنه ضعف في نهاية المطاف، وسقط في شرك الهدب الأسود!

ومن الواضح أن قصة الحب الأولى جرت أحداثها في نهاية عقد الخمسينيات، وكان أمل عمره أقل من عشرين عامًا، أما القصة الثانية فيبدو أنها وقعت في نهاية الستينيات، وعمره يدنو من الثلاثين.. فهل كانت توجد قصص حب أخرى في حياته؟

قد يعجبك أيضًا مقدمة القصيدة الجاهلية بين النمطية والتنوع

وقصة حب ثالثة

حين نطالع ما كتب عن أمل دنقل وحياته، نجد صديقه الأستاذ أحمد إسماعيل يشير إلى قصة أخرى في حياته، حيث يقول في مقالة له: "كان ذلك في صيف عام 1975م.

وكان أمل يعيش أشد الفصول حزنًا وكآبة، فقد غادرته صديقته البولندية، التي قدمت إلى القاهرة لتحصل على رسالة الماجستير في أشعاره، فأحبته وأحبها، وعندما سافرت إلى وطنها شرع يكتب في قصيدته الرائعة (سفر ألف دال)..".

وهذه القصة اعترف بها أمل في أحد أحاديثه الصحافية، لكنه ذكر أنها (ألمانية) لا (بولندية)، قال: "أحببت حسناء ألمانية مثقفة، جاءت إلى مصر لتدرس شعري بواسطة الحركة الأدبية.

وهي شابة ألوفة وذات عواطف شرقية، وتزورني شهرًا في كل سنة، أحيانًا تمكث شهورًا قبل أن تقول وداعًا، ومرة سمعت بنبأ زواجها، فروَّضت نفسي، وتقبلت زواجها بروح متسامحة، وأقسمت في نفسي لأدعنها تهنأ بعيدًا عني..".

قد يعجبك أيضًا في ذكرى رحيله.. الشاعر الكبير حلمي سالم بين صناعة الخيال وإثارة الجدل

القدر الأخير

لكنه في الحوار نفسه أشار إلى قصة حب رابعة لفتاة تصغره بعشرة أعوام، وكان هذا الفارق العمري كبيرًا في نظره، جعله يؤمن بأنه حب غير ملائم لكليهما، يقول: "فعشر سنين فارق زمني كبير، عمرها الآن 26 سنة، وعمري 36، وبعد عشر سنوات هي 36 وأنا 46، أي هي في ذروة الشباب والفيض، وأنا في هوة التعب والاكتئاب..".

 إذن هذه القصة وقعت عام 1976م، حيث صار عمره 36 سنة، وبعد عام واحد من انقضاء علاقته بالباحثة الألمانية أو البولندية! وهو ما يجعلنا نرجح أنه يتكلم عن السيدة (عبلة الرويني) التي صارت زوجته فيما بعد.

فقد كان لقاؤه الأول بها في شهر أكتوبر عام 1975م، حين جاءت إليه من أجل إجراء لقاء صحافي معه، لتنشأ بينهما علاقة استمرت أربعة أعوام قبل أن تتوَّج بالزواج عام 1979م، وقبل ظهور مرضه بتسعة أشهر فقط.

وقد شهدت علاقتهما كثيرًا من الشد والجذب، والإقدام والإحجام، على النحو الذي سطرته في رائعتها (الجنوبي: سيرة أمل دنقل)، فكان من بين ما قالته في هذا الصدد: "ظللنا مدة طويلة نبحث عن شكل مريح للحب بيننا، ولم نجده في أغلب الأحيان، فما نكاد نلتقي إلا ونتشاجر، وكأن ما بيننا غضب وعناد ساطع، كنا أشبه بالمتنافرين دائمًا..".

ومعلوم أن الفارق بين عمريهما 13 سنة، وقد صرحت هي بذلك صراحة في كتابها، ولعل أمل في حواره ذكر أن الفارق عشر سنوات على سبيل التقريب، فالله تعالى أعلم.   

قد يعجبك أيضًا أمل دنقل من بكى بين يدي زرقاء اليمامة وسطر أوراق الغرفة 8

أربع قصص حب

إذن فنحن أمام ثلاث -أو أربع- قصص حب عصفت بقلب شاعرنا قبل لقائه بالسيدة عبلة الرويني التي تزوجها في أواخر السبعينيات، لكن مع ذلك يبقى حبه تلك الفتاة ذات العيون الخضر هي الأعمق أثرًا في وجدانه، والأكثر ذيوعًا في شعره.

وقد سبَّب له فراقها جرحًا عميقًا في روحه، وربما كان هذا الجرح سببًا لحياة الصعلكة التي انخرط فيها حينها، حيث لا عمل، ولا مسكن مستقر، ليعيد عهد الشعراء الصعاليك القديم إلى الحياة الأدبية العربية المعاصرة.

لكن هذا الطائر الشارد المحلق، آن له الأوان في النهاية أن يحط على غصن الزواج، وكان لزواجهما صدى واسع في الأوساط الأدبية.

فأمل نفسه كانت له تصريحات معادية لفكرة الزواج، حيث كان يعتبره "نظامًا اجتماعيًا أوجد لحفظ ميراث الذين  يملكون"، و"حتى إن أحد الصحفيين في صحيفة الفجر الخليجية عدَّ زواج أمل دنقل خبرًا مثيرًا يستحق التعليق عليه، فهو أمر لا يمكن حدوثه إلا في لحظة من لحظات الغيبوبة، أو السكر الشديد، أو المقامرة".

وعلى الرغم من الزواج، والتحاقه بوظيفة في منظمة التضامن الأفروآسيوي، ليتمكن من الإنفاق على أسرته الصغيرة، لا يبدو أن أمل تخلى عن حياة الصعلكة، لكنه هذه المرة وجد له شريكًا.

حيث تصف السيدة عبلة الرويني حياتهما الزوجية بقولها: "صارت القاهرة تعرفنا دائمًا متلازمين، في المقهى، في الشارع، في الأتيليه، في الندوات، وسط الأصدقاء، في المسارح، في دور السينما، بدونا صديقين أكثر من زوجين، بل خرجنا على أشكال الزواج التقليدية حين صار الشارع بيتنا، نقضي فيه أكثر مما نقضيه داخل منزلنا".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة