أمزران

أؤمن بالقدر والمكتوب…..

أؤمن برسائل الله لي في هذه الحياة وعلى هذه الأرض الواسعة…

أؤمن بأن لا شيء يحدث عبثا وإن لقاءنا محتوم.

لقاءنا الأول الذي حاربت حدوثه لا إراديا وكأني أخشى تبعاته التي لم أعرفها أو أعيها إلا متأخر ولقاءنا الثاني الذي لازال في علم الله ولا أعرف متى أو كيف أو أين سيكون ولكن قلبي يحدثني يقينا بقدومه…

وكأنه ضيف طال انتظاره وطالت غيبته ، انتظره متلهفة أشعر أني في أي لحظة سألتفت لأجدك قادما صوبي من بعيد كما رأيتك أول مرة…

نعم أنت… أيها المسافر المنتظر ، يا خالد الذكرى… حزين العينين ، فهذا جل ما جذب إليك انتباهي حين رؤياك… عيناك، عيناك الحنونة الحزينة الرزينة.

كم تمنيت لو أني أريح هذا الرأس الذي أثقلته الأيام بين يدي، لا أعرف لماذا تملكتني رغبة عارمة أن أربط على كتفيك وأحتضن رأسك وأهمس لك إن بإمكانك البوح… فتكلم معي….

نعم أنا، أعرف أن الله أرسلني ها هنا إليك لأنني أتفهم.. أشعر بك كما لم أشعر بمخلوق من قبل.

أصدقك القول أنا أيضا لا أعرف لماذا ولا كيف ولكن ألم أقل لك من قبل إني أؤمن برسائل السماء لي ، وأنت إحدى هذه الرسائل.

أريد أن أحكي لك حكاية صغيرة تعرف بالفعل بعضا منها…

أتعرف أني ظللت طوال الطريق بالباص من أمستردام إلى باريس أتساءل كيف لحقنا به وماذا نحن بفاعلون هناك؟ فكما أخبرتك كنت قد تسلمت رسالة على بريدي الإلكتروني تفيد بإلغاء حجز الأوتيل الذي كنا ننوي الإقامة به، فما هي فرصنا في ظل هذه الظروف!! فتاتين تصلان باريس الخامسة فجرا قبل بزوغ نور الشمس وسط اللامعلوم ولا يتحدثون الفرنسية وفي قبضتهم 300 يورو فقط.. منهكي القوى برفقة أربعة حقائب سفر والقلق.

ورغم إصرار صديقتي على الرحيل فوراً على أول طائرة للقاهرة بعد معرفتها بما حدث، إلا إني ولسبب غير مفهوم حتى الآن تمسكت بتفاؤل ساذج أن كل شيء سيصبح علي مايرام… ولا، لم تكن آنت السبب بعد بل حقيقة كنت أتملص من رؤياك وأتجنب اتصالاتك وعرضك الكريم النبيل بترك غرفتك الفندقية لي ولصديقتي ورغم رفضي المهذب القطعي لعرضك إلا أني استشعرت رجولة وشهامة لم أعهدها من غريب أو قريب من قبل.

أشعر أحيانا أن موافقتي على لقياك كان سببها داخلياً رداً لهذه اللفتة الطيبة منك حتى وإن كانت مجامله ولكني شعرت إنه يجب على أن أراك وأشكرك شخصياً تقديراً لك….وقد كان، ولن أنسى ابتسامتك الواسعة الحنونة وأنت مقبل علي وكأنك تعرفني.. تنتظرني لا أعرف كيف عرفت يومها أن هذه أنا بصحبة صديقتي وأجبتني وكأنك تسمع أفكاري عرفتك من ضحكتك...... كم ارتاحت إليك روحي، لا أتذكر أني شعرت بأمان في حضرة إنسان مثلك أيها الغريب الحنون، ولا ركضت وعادت إلى روحي الطفلة كما كنت معك.

أغرمت بباريس ومتحف اللوفر حيث التقينا وشارع الشانزليزيه وكل شوارع العاصمة الجميلة المضيئة ، أتذكر صبرك على صورنا الكثيرة أنا وصديقتي بل ومشاركاتك لنا أيها أحيانا ، أتذكر هذه الصورة المحببة لقلبي التي اكتشفت بعد التقاطها إنك تحدق بي أنا في حنان وليس للكاميرا….أتذكر كل شيء، أتذكر ردك على بائع الورد قائلا اشتري ليه ورده وأنا معي أحلى ورده كم قلتها بإعجاب، لم تكن مغازلة منك بل تقدير واحترام وأتذكر أيضا كم تبدلت ملامحك الطيبة الحنونة للغضب عندما سمعت كلمة مغازلة من شاب عابر وكم زاد احترامي لك حينها وكم تمنيت ألا ارحل ولا ترحل ، أن نبقى ويتوقف الزمن ها هنا في هذه المدينة بعيدا عن عالمي وبعيدا عن عالمك الذي كلما شردت بعينيك بعيدا واختفت ضحكتك أشعر بغصة في قلبي لشعوري أن عالمك الذي لا أعرف عنه شيء هو السبب.. هنا أنا وأنت وكفى بلا ماضي مؤلم أو مستقبل مكبل.. بلا حزن ولا خذلان…

كنت أعرف أن أسرار الكون وراء هاتان العينان الحزينتان ولكني ولأول مرة لم آبه لأي شيء،قوة خفية جذبتني نحوك ولم أفكر في المقاومة وظل يتردد بداخلي صوت غريب قائلا إن كل هذا لسبب… كل هذا مكتوب… اقتادتك واقتادتني الأقدار من الجانب الآخر للأرض إلي هنا ، ليلتقي الغريبان في أرض غريبة.

لأرى معك باريس لأول مرة وأسير معك في شوارعها وأنت تسرد على مسامعي قصة الأميرة المصرية التي أحبها الملك الأمازيغي وأخذها معه للجزائر رغم الحروب بينه وبين أبيها وكيف انتصر حبهم وعاشت معه حتى أخر أنفاسها والتي كانت بين يديه ليخلد ذكراها بعد ذلك بمقبرة مهيبة ويلحقها سريعا من شدة حزنه وحبه لها.

أتذكر ثقافتك الواسعة وقراءاتك التي أبهرتني، أتذكر كيف وجدتك تحكي لي قصة حياتك كاملة حتى منتصف الليل، وكم أندم عندما أتذكر عرضك لي أن أنتظر معك على هذا المقهى حتى الصباح ولكني رفضت في خجل مبررة ذلك بأني لا أستطيع وتركتك يومها مثقلة الفؤاد والروح.

ورغم امتناني لهذه الذكرى إلا أني قررت أن احفظها بقلبي ولم أرد أن يشوه جمالها أي كائن حتى قلمي لذا لم أستطع أن أكتب عنها قبل اليوم ولكني أشعر بقربك هذه الأيام أكثر من أي وقت مضى ربما بسبب أجواء الخريف التي قابلتك في مثيلتها ......... ربما لبعدي أنا وصديقتي التي كانت بصحبتي حين قابلتك، أو ربما لأني ببساطة أفتقدك…. أفتقد حديثك وأفتقد روحك الحنونة.

وهذا ما دفعني للكتابة، ربما تؤنسني كلماتي عنك أو حتى تصلك ولهذا السبب أطلقت على قصتنا اسم  أمازيغي مثلك عله يلفت انتباهك.

مازلت لا أعرف الحكمة والسبب وراء حدوث كل شيء... لقاؤنا وفراقنا أو كلماتي هذه ولكني سوف أترك عناء التفسير على عاتق القدر الذي جمع شتات روحين بغير معاد لسبب لا يعلمه غير الله، وليكن سلام أعيننا تلك الليلة في مترو الأنفاق بباريس وهو يأخذك بعيدا هي أخر ذكرى لي معك في هذا اليوم.

دمت حنوناً نبيلاً كما أراك… سعيداً كما أتمنى أن أراك.. وإلى أن نلتقي.

بقلم الكاتب


ناقدة فنية و كاتبة مصرية، حاصلة على ليسانس إعلام شعبة صحافة من جامعة عين شمس و حاصلة على دبلومة دراسات عليا في النقد الفني من المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Nov 25, 2020 - محمد عبدالرحيم
Nov 24, 2020 - Ali Salh
Nov 22, 2020 - Majed Alkhawaja
Nov 21, 2020 - Ali Salh
نبذة عن الكاتب

ناقدة فنية و كاتبة مصرية، حاصلة على ليسانس إعلام شعبة صحافة من جامعة عين شمس و حاصلة على دبلومة دراسات عليا في النقد الفني من المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون.