يعد أمبرتو إيكو (1932-2016) من أبرز الفلاسفة والروائيين الذين أثّروا في النقد الأدبي والسيميائيات. وتميزت كتاباته بتطبيقات دقيقة لنظريات السرد، لكن يبقى التساؤل: هل كان مبدعًا روائيًا أم مجرد متقن لفن الرواية؟.
مما لا شك فيه أن (أمبرتو إيكو) الفيلسوف السيميائي والناقد الثقافي والمتقن لفن الرواية والمنظر السردي والمتخصص في العصر الوسيط من أبرز شخصيات الساحة الفلسفية والنقدية والأدبية التي أسهمت في بلورة كيفية فهم العمل الأدبي ومعالحته وإنتاجه، فكتاباته التنظرية والتطبيقية في السرديات والسيميائيات والفلسفة والتأويلية جميعها تميزت بإبداع المفكر الناقد مما لا تخطأه عين الباحث النطاسي، لكن بينما نحن نقرأ أدبه؛ مثل رواية (اسم الوردة) و(بندول فوكو) لاسيما الأولى لِما بلغته من شهرة، سواء بين الجمهور عامة أم بين القراء خاصة، إضافة إلى نقلها بعد ذلك إلى عمل سينمائي -ونحن لا ننكر روعتها- نتأ عندنا سؤال من بين سطور الرواية، وبالتحديد في لحظةٍ كنا فيها بصحبة (أدسو) السارد الرئيس وهو يقف جانب معلمه (غوليالمو) حين التقيا بالشيخ الأعمى المدعو (يورج) داخل غرفة (أقصى إفريقيا)، ليقول لنا هذا السؤال: «هل فعلًا كان (إيكو) يملك ملكة الإبداع الروائي أم كان متقنًا فقط للفن الروائي؟».
الحق أننا وجدناه بعد قراءاتنا لأعماله متقنًا فن السرد الروائي أكثر منه روائيًا مبدعًا، كما هو الإبداع لدى المبدعين الأوائل والبعض من المتأخرين، وقد نقول أيضًا: لولا كونه من رواد السرديات لما بلغ إتقان روايته هذه -وإن على نحو علمي- وما لحقها من روايات.
إيكو المفكر السيميائي والروائي المتقن
شأن (إيكو) في هذا الأمر عندنا شأن العربي الخالص الذي يتكلم العربية سليقة، والأعجمي الذي يسعى جاهدًا لإتقان العربية ببلاغة دونما عيّ، لهذا نجده في أحد حواراته يبرّر هذا القول بإخبارنا أن العبقرية -وقد نسميها نحن ملكة- مجرد عشرة أوعشرين في المئة والبقية مجهود وكدّ، وبنظرته هذه يكون قد عزّز من رأينا، فقد أراد أن يغطي عن نفسه، فمفهومه هذا عن العبقرية أو الملكة هو ما ينطبق فعلًا على عظماء الأدباء والكتاب الذين لا يتّكلون على المعرفة السردية، فالاجتهاد والمثابرة أمران لا بد منهما في الحياة عامة، في حين تلك النسبة المئوية من الملكة التي يملكها أولئك الكتاب التي كانت سببًا في مبلغهم ذاك أعطيت لهم خصيصًا في هذا المجال الإبداعي دون غيره، وكل امرئ يملك نسبة مئوية من الملكة في مجال دون آخر، فـ(إيكو) نفسه على سبيل المثال له ملكته الخاصة كغيره غير أنها ملكة بعيدة عن الإبداع الروائي، وقد نرى له ملكة في التنظير والتطبيق في كل من السيميائيات والسرديات والفلسفة والتأويلية.

هل كان إيكو روائيًا مبدعًا أم متقنًا لفن السرد؟
هذا وقد ذكر (إيكو) في أحد حواراته الأخيرة، مُنكِرًا على الكتّاب الذين يصدرون رواياتهم في سنة، إذ يجب لها -في نظره- أن تُألّف بعد تجميع موادها وتنخيلها تنخيلًا تامًّا مدة ثلاث سنوات أو أربع أو خمس كما فعل هو بالذات، لكن بهذا يكون قد ضرب صفحًا ذاهلًا عن أمر التفاوت في الذكاء والإبداع بين الناس، وقد أنكر على بعض الكتّاب الذين يتناولون الموضوع ذاته في رواياتهم وقصصهم دونما الإتيان بالجديد، وذلك قصد الكتابة من أجل شيء ما فقط.
التناقض في آراء إيكو حول الكتابة الروائية
وعند هذا تكمن مفارقة (إيكو)، فكل من قرأ أعماله الأدبية يجدها حتمًا تتضمن الموضوع ذاته؛ الفكر اللاهوتي وكل ما يتعلق بالحياة الكنائسية بمختلف جوانبها، والحق أننا لا نجد ضيرًا في اتخاذ الموضوع ذاته بين مختلف الأعمال الأدبية، شرط أن يؤتى بالجديد عنها أو بالجديد عن طرحها أو هما معًا.
إذن، كيف كان لـ (إيكو) هذان الإنكاران صوب بعض الكتّاب وهو بهما أجدر؟ وإن حاول إدراك ما بدر منه باعترافه وهو الروائي الناشئ، ثم لا ننسى ذكره خيبة أمل صديقه (رولان بارث) الذي مات متحسرًا لعدم تأليفه رواية، وربما لهذا نجد بعض نقادنا المغاربة وهم يؤلفون رواياتهم كأنها فرض عين أو موضة تقتضي اتباعها، فهل كتابة الرواية تمثل إذن هاجسًا وإغراءً لا يستطيع معهما من هم على شاكلة (إيكو) و(بارث) فكاكًا، فينكبون على كتابتها متى سنحت الفرصة لذلك إرضاءً لشيء ذاتي؟
لا بد أن للأدب عامة والرواية خاصة شيئًا جليلًا مميزًا حتى يجذب هؤلاء، لا سيما إذا أخذنا بعين النظر أن المرء يستطيع وبنسبة كبيرة أن يفيد من الروايات أكثر مما قد يستفيد من الكتب المعرفية والعلمية، فنوعية هذه الكتب لا توجه إلا لذوي التخصص وإن كانوا مبتدئين؛ لما تحمله من لغة وأسلوب ومصطلحات علمية دقيقة، ومنها الأكاديمية أيضًا، وبذلك تكون هذه الكتب ثقيلة ومستعصية عن الفهم والإدراك على غالبية الناس الذين هم أحوج بعقلها من القلّة التي تملك آليات القراءة والبحث، وفي المقابل كانت الروايات، وهي أكثر جنس يقرأ بين الناس، وبقطع النظر عن التفاوت بين القارئ النموذجي والقارئ العادي، فهذا الأخير له أيضًا قراءاته الخاصة المتأتية من مرجعيته التي حتمًا مهما خاب أفق انتظاره، لكنه لا يخرج من رواية أو قصة ما إلا وهو يحمل معه شيئًا جديدًا عن الحياة وما فيها، إضافة إلى أن الروايات تصور أفكار الكتب المعرفية والعلمية ونظرياتها في مشاهد أفضل بكثير مما هو موجود ضمن هذه الكتب نفسها، كأن القارئ يشاهد مقطعًا حيًّا أمامه.
فالأدب عند مُساءلتنا إياه في يومنا الراهن عن ماهيته نجده يبلع كل العلوم والمعارف، وبمعنى آخر فالأدب عندنا هو الإنسان في كل زمان ومكان بإنتاجه المجرد والمحسوس.
أثر السرديات في جودة الإبداع الأدبي
نعود لنقول: على الرغْم من أن (إيكو) بارع وضليع في معرفة تقنيات بناء الهيكل الروائي ومتاهاته، وعلى نحو علمي دقيق، بيد أن أعماله الروائية المتقنة علميًا لا تظهر بذات الملكة الإبداعية كالتي نجدها عند كبار الكتاب الذين أبدعوا قبل ظهور السرديات وبعد ظهورها كذلك، وهم بعيدون عن الاتّكال على المعرفية السردية الأكاديمية، فهل بالإمكان إذن بعد كل ما سبق أن نقول إن المعرفة بالسرديات أمر من شأنه أن يعوق جودة الإبداع لدى المبدع؟ فيكون الكاتب في لحظات كتابة نصه السردي مستحضرًا في ذهنه وأمام مكتبه كل تقنيات البناء الروائي بما فيها التعامل مع المتلقي بأنواعه، فيخرج بذلك مضمون إنتاجه من صميم ذاته المبدعة بحرية غير مشروطة، في حين شكل بنائه يأتي مقيدًا بقواعد وشروط شبه عسكرية، فلا يكون هذا إنتاجًا أدبيًا خالصًا، إلا إذا كان للأدب علمية كما حاول بعض الدارسين أن يفعلوا لكن دون جدوى، فمن المعلوم أن للأدب خصائص ومميزات تميزه عن العلم الذي يقتضي صرامة لها من الجفاف ما يجعله بعيدًا عن خِصبيّة صرامة الأدب وشموليته.
فكما أشرنا سابقًا: العلم مبلوع من الأدب، وفي السياق نفسه نتساءل: ما مدى تأثير المعرفة السردية في الإبداع الأدبي؟ هل يجب للمعرفة السردية أن تقتصر فقط على النقاد -إذ هم بها أحوج لدى مقارباتهم- أم لا ضير على الكاتب معرفة السرديات ومبادئها وأساسياتها، لكن دون الاتّكال على تقنيات السرد الأدبي اتّكالًا عظيمًا؟
إننا نجد لدى الروائيين الأوائل في سردهم جزالة، وفي إبداعهم روعة، فجاء أدبهم حقيقيًا وقويًا، وهذا في زمن لم يظهر فيه بعدُ شيء اسمه (السرديات - Narratology)، وليس في امتلاكم قصب السبق من شيء في جعل إبداعاتهم مميزة وخالدة، فالمعلوم أن بدايات الأشياء غالبًا ما تكون ضعيفة، ثم تأخذ تدريجيًا في التطور.
من هذا المنطلق إذن يجب للأعمال الأدبية في يومنا الراهن أن تكون بالغة شأوها، والمقارِن حين يدرس أعمال السابقين وأعمال اللاحقين سيتكشّف له حقيقة هذا الأمر، وعليه يمكن القول إن ظهور السرديات ربما أثّر سلبيًا إلى حد ما في الكتّاب، على أنه أحسن إلى النقاد على نحو جيد، فما عاد الكاتب اليوم يعتمد على قريحته وجودة ملكته الإبداعية كما كان الشأن مع عظام الكتاب، فبات يقفز إلى المعرفة السردية في بناء عمله الأدبي، والنتيجة هي أعمال شبه أدبية، لكنها تجارية وأكاديمية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.