ألفريد بينيه رائد علم النفس التجريبي وعبقري رائز الذكاء

يُعد ألفريد بينيه أحد أبرز العقول التي كونت مسار علم النفس الحديث، فهو ليس مبتكر أول رائز ذكاء فحسب، بل كان رائدًا في المنهج التجريبي وتأسيس علم نفس الطفل. تُظهر حياته العلمية التي غلبت عليها روح التجربة والملاحظة، شغفه بفهم العقل البشري، من أعمق جوانبه الفكرية إلى أدق تفاصيله السلوكية.

كما ناقشنا في الجزء الثاني دور فونت وغالتون في تمهيد الطريق، وكيف بدأ اختبار الذكاء في الجزء الأول.

في هذا المقال، نُسلِّط الضوء على أبرز محطات مسيرة ألفريد بينيه المهنية ومؤلفاته التي وضعت الأسس لفروع علم النفس الحديثة.

ألفريد بينيه رائد علم النفس التجريبي وتأسيس علم نفس الطفل

انخرط ألفريد بينيه في عام 1899 في الجمعية الحرة لدراسة نفسية الأطفال التي أسسها صديقه فردينان بويسون Ferdinand Buisson. وكانت هذه الجمعية تهتم بالقضايا البيداغوجية ولا سيما بالتلاميذ ذوي صعوبات التعلم. وترأَّس فيها لجانًا تبحث في التعب المدرسي وقدرة التلميذ على مواصلة جهده التعلمي، والذاكرة المدرسية... إلخ. وكان يستعمل طريقة الاستبانة والدراسات الاستقصائية.

ألفريد بينيه وعلم نفس الطفل

كان بينيه ينشر فيها بحوث مخبر السوربون الذي كان يديره من جملة ما ينشر. وكانت في عهده تصدر مرة واحدة سنويًا. وهي تصدر إلى الآن بأربعة أعداد كل سنة، وتولى إدارتها حتى وفاته 1911.

وتجسيدًا لاهتمامه بالطفل المتمدرس أسَّس مخبر البيداغوجيا التجريبية في مدرسة شارع قرنج أوبيل Laboratoire de la Pédagogie Expérimentale à Lécole de la Rue de la Grange aux- belles التي كانت بالنسبة إليه مدرسة مخبر، وكان يتردد عليها من سنة 1904 إلى حين مرض مرضه الأخير الذي سلَّمه إلى الموت. وكان يبحث فيها طرق تصرف التلاميذ في المدرسة واجتهد في معاينة سلوكهم اليومي فيها وردود أفعالهم لما يطلب منهم أو يسلط عليهم أو يقترح.

أبرز مؤلفات ألفريد بينيه ومساهماته في علم النفس

كان بينيه وافر الإنتاج، ولكن سأقتصر على المؤلفات والأعمال والبحوث المتصلة بموضوعنا:

مدخل إلى علم النفس التجريبي (1894): ألَّف بينيه سنة 1894 (مدخل إلى علم النفس التجريبي Introduction à la psychologie expérimentale). وقد شاركه بعض أصدقائه في تحرير بعض فصول هذا الكتاب الذي بفضله انتشرت كثير من مفاهيم علم النفس العلمي وعلم النفس التفاضلي في فرنسا.

علم نفس كبار خبراء الحساب الذهني ولاعبي الشطرنج (1894): في السنة نفسها نشر كتابه (علم النفس كبار خبراء الحساب الذهني ولاعبي الشطرنج  Psychologie des grands calculateurs et
 joueurs d’échecs).

وقدم فيه تحليلًا معمقًا للجوانب النفسية للخبرة في الحساب الذهني والشطرنج، مسلطًا الضوء على الخصائص المعرفية للمختصين في هذين المجالين. وبحث في الآليات النفسية لهؤلاء الأفراد المتميزين عن غيرهم. ودرس القدرات المعرفية الخاصة بهم، كالذاكرة والانتباه ومهارات التصور المكاني وأنواع الذكاء التي تُمكِّنهم من التفوق في الحساب الذهني والشطرنج. وسعى إلى فهم العمليات العقلية التي تُمثل أساس أدائهم.

التعب الفكري (1898): في سنة 1898 ألَّف وتلميذه فيكتور هنري (1872-1940) Victor Henri كتابهما (التعب الفكري la fatigue intellectuelle). وهو الأول من نوعه الذي درس هذا الموضوع. وقد قسَّما الكتاب إلى جزأين: الأول لدراسة التأثيرات الفسيولوجية للعمل الفكري؛ والثاني لدراسة التأثيرات النفسية للعمل الفكري. ومن أهم أهداف الكتاب فهم آليات هذا التعب وتداعياته، ولا سيما في السياق المدرسي، وهو موضوع أهملته البيداغوجيا كثيرًا بعد بينيه. وقدَّم فيه هو وتلميذه كثيرًا من الحلول التربوية لتفادي التعب الفكري في المدرسة.

ولنتعرف على منهج بينيه في بحوثه النفسية والتربوية نقتبس من مقدمة هذا الكتاب القول التالي: «يجب أن تقوم البيداغوجيا الجديدة على الملاحظة والتجربة؛ ويتحتم عليها (يقصد البيداغوجيا الحديثة) أن تكون، قبل كل شيء، تجريبية. لا نعني بالتجربة الانطباعات الغامضة لأشخاص شهدوا الكثير؛ فالدراسة التجريبية، بالمعنى العلمي للكلمة، هي تلك التي تتضمن وثائق مجمعة منهجيًا ومنقولة بتفصيل ودقة كافيين لتمكيننا، انطلاقًا من هذه الوثائق، من تكرار عمل المؤلف، والتحقق منه، أو استخلاص استنتاجات لم يلاحظها.

ويمكن تقسيم التجارب في البيداغوجيا النفسية إلى مجموعتين: أولًا: تلك التي تُجرى في مختبرات علم النفس، وثانيًا: تلك التي تُجرى في المدارس. وفي البيداغوجيا، تُثمن تجارب المجموعة الثانية خاصة، ولكن لا ينبغي إهمال التجارب المخبرية لهذا السبب».

الدراسة التجريبية للذكاء (1903): في سنة 1903 ألَّف كتاب (الدراسة التجريبية للذكاء L’étude expérimentale de l’intelligence). وقد اعتمد فيه على طرق تجريبية وعلمية لدراسة الذكاء. وركَّز في الكتاب على كيفية تطور التفكير لدى الإنسان والاختلافات الفردية في ذلك. واستخدم بينيه المقاربة السريرية لمن كان يعرفهم جيدًا خاصة ابنتيه، فكان يعد إحداهما ذاتية subjectiviste والأخرى موضوعية objectiviste، والمقاربة الإحصائية للعينات التي اختارها. وبحث في تكوُّن التفكير الإنساني وكيفية انتقاله من الكلمة إلى الفكرة، ودرس وظائف عقلية مثل الانتباه والذاكرة والقدرة على التفكير، وستكون بحوث هذا الكتاب الحجر الأساس الذي سينبني عليه لاحقًا رائز الذكاء الذي طوره وتيودور سيمون.

مساهمات ألفريد بينيه في علم النفس

وختم سنة 1903 مقالًا له في الحولية النفسية بعنوان (علم تحليل الخط وإمكانيات تحديده للجنس والعمر والذكاء La graphologie et ses révélations sur le sexe, l'âge et l'intelligence) بقوله: «لا يبدو لي من المستحيل أن يكون علم تحليل الخط قادرًا على توفير رائز ذكاء جيد لعلم النفس التجريبي». ولكنه تراجع عن ذلك سنة 1906 في كتابه (اكتشافات تحليل الخط وفق الضوابط العلمية Les révélations de l’écriture d’après un contrôle scientifique) مؤكدًا «أن علم تحليل الخط ليس أسلوبًا موثوقًا به لتقييم الذكاء؛ ما يظهر ترددًا في مواقفه وتطور فكره».

وكتب وتيودور سيمون سنة 1907 كتابيهما (الأطفال غير العاديين، دليل قبول الأطفال غير الطبيعيين في فصول تحسين المستوى Les enfants anormaux, Guide pour l’admission des enfants anormaux dans les classes de perfectionnement). ويهدف هذا الدليل إلى تزويد المعلمين والمؤسسات التعليمية بأداة عملية لتعيين ما يسمى بالأطفال (غير العاديين) أي منخفضي الذكاء وضبطهم وتوجيههم نحو فصول خاصة، أي فصول تعينهم على تجاوز صعوباتهم وتتكيف مع احتياجاتهم التعليمية. وقد كتباه بعد إصدار النسخة الأولى من رائز الذكاء الذي وضعاه. ويُعد هذا الكتاب امتدادًا له ونتيجة له.

المفاهيم الحديثة عن الأطفال (1909): آخر كتب بينيه هو كتاب المفاهيم الحديثة عن الأطفال Les idées modernes sur les enfants الذي صدر سنة 1909. وقد شرح فيه بينيه كيف يُمكن للبحث العلمي التجريبي أن يُحسِّن معرفتنا بالأطفال بتناول جوانب مثل الذكاء والذاكرة والقدرات والمهارات والتعب المدرسي وأساليب التعليم، ودعا فيه إلى نهج أكثر فاعلية ودقة لفهم الأطفال الذين ليسوا نسخًا مصغرة من الكهول des adultes en miniature؛ بل لهم خصائص نمو وسمات تميزهم واحتياجات خاصة ينبغي أن تدرس وتحدد وتراعى عند تربيتهم وتعليمهم.

ولنتوقف بعض الوقت عند مقال مهم نشره بينيه في الحولية النفسية سنة 1909 أي بعد ظهور النسخة الأولى والثانية من رائز الذكاء الذي وضعه بالاشتراك مع سيمون. وهو بعنوان (العلامات الجسدية للذكاء عند الأطفال Les signes physiques de l'intelligence chez les enfants). وبدأ المقال بقوله: «إن الحكم على ذكاء الطفل بوسائل أخرى غير التقييم المباشر لمظاهره الفكرية غير حذر، ونحن لا نخالف ذلك؛ ولكننا نعتقد أنه من الضروري البحث عما هو مفيد في العلامات الجسدية للذكاء التي يوفرها لنا فحص الرأس والوجه واليدين وما إلى ذلك.

ولدينا سببان لإجراء هذه الدراسة: الأول هو أن تقييم الذكاء أمر معقد للغاية بحيث لا يحق لنا رفض أي إجراء قد يخدم هذه الغاية؛ والثاني هو أنه إذا أهملنا الحديث عن هذه الوسائل غير المباشرة، فلن نمنع الآباء خاصة المعلمين من استخدامها والإيمان بها، وإذا استخدموها دون تفكير نقدي، ودون تحذير من الأخطاء التي يعرضون أنفسهم لها، فقد يكون هذا محفوفًا بالخطر».

الذكاء ليس بحجم الجمجمة: بحوث بينيه الرائدة ونقده للعقائد القديمة

قام بينيه بدراسات إحصائية علمية صارمة ليتبين الصواب في هذا المجال. وأضاف قائلًا: «لفهم أهمية قياس الجمجمة، يجب ألا نكتفي بقياسات الأطفال الأصحاء العاديين؛ فالاختلافات التي تفصل بينهم ضئيلة جدًا بحيث لا تسمح لنا باستنتاجات دقيقة.. بدلًا من ذلك، يجب أن نبدأ بتحليل الحالات القصوى؛ فهي أسهل فهمًا بكثير». فدرس إحصائيًا رؤوس العمي ورؤوس الصم البكم عبر قياسات متعددة لها، ولكنه لم يجد فوارق ذات دلالة بينهم وبين الأصحاء العاديين.

وعند مقارنته لحجم جماجم الأغبياء والمتخلفين ذهنيًا وجدها أصغر من حجم جماجم الأطفال العاديين. وأكد أن الذكاء لا يرتبط بحجم الجمجمة. فقال موضحًا رأيه: «في الواقع، إن أساس الذكاء ليس الجمجمة، بل الدماغ».

وأضاف: «إن القدرات الفكرية لا يحددها الرقم الخام الذي يعبر عن وزن الدماغ وحجمه؛ بل حالة الخلايا العصبية، وعددها، ودقة امتداداتها، والطريقة التي يتم بها ضمان تغذيتها، باختصار ما يمكننا أن نسميه جودة الدماغ؛ إن قياساتنا للجمجمة لا تخبرنا إلا، وبشكل غامض للغاية، عن كمية الدماغ. وهذا ليس سوى أحد العاملين، وربما الأقل أهمية، في التطور الفكري، كما أثبت كثير من علماء الأنثروبولوجيا».

وقال أيضًا: «بعض العلامات مثل قضم الأظفار ليس لها أي معنى على الإطلاق». وأبان موقفه من قراءة الكف والوجه بما يلي: «بصفتنا علماء نفس فقط، نرغب في تفسير النتائج التي توصلنا إليها. أعتقد أن صور الوجوه والأيدي التي استُخدمت في حياتنا تحمل فعلًا سماتٍ تُعبِّر عن الذكاء. لكن هذه السمات غير معروفة، ومن يدركها غالبًا لا يستطيع صياغتها. فضلًا على ذلك، فإن هذه السمات غامضة نوعًا ما، وغير مُعرَّفة جيدًا، وقد تُخفى أحيانًا، بل وتُغطى بطريقةٍ ما، بخصائص مختلفة».

وبقوله: «لنستنتج مرة أخرى أن دراسة ملامح الوجه واليد لا يمكن أن تعطي إلا انطباعات مشكوكًا فيها؛ حتى لو كانت غالبية هذه الانطباعات صحيحة، فإن هذا لا يكفي لتبرير التشخيصات الفردية، لأن عدد الأخطاء المحتملة يظل هائلًا».

وفي ختام المقال توصل إلى النتيجة التالية: «إذا لم يكن من الممكن استخدام قياس الرأس لاكتشاف تشخيص الذكاء، فيمكن استخدامه في الأقل لتأكيد هذا التشخيص. فعندما يبدو طفل ما، وفقًا للاختبارات التي تُجرى إما في الفصل الدراسي أو خلال الفحص النفسي الدوري، غير ذكي بما يكفي، فإن هذا الحكم الدقيق والمعقد دائمًا الذي نصدره بشأن درجة ذكائه، يمكن دعمه وتأكيده بقياس الرأس. بلا  شك، لا يتعلق الأمر بالاستفادة من الاختلافات الطفيفة جدًا؛ فتأخر نمو الرأس مدة 3 سنوات أمر شائع جدًا لدى الأشخاص العاديين لدرجة يصعب معها أخذه في الاعتبار. لكن يبدو لي أن تأخر النمو مدة 6 سنوات فأكثر أمر بالغ الأهمية».

هذا الموقف يذكرنا بماضٍ بعيد نوعًا ما؛ هذا الماضي كان رائزه أهم عوامل هدمه. لذلك قد يخيب آمالنا في أن رأي واضعه ما زال متعلقًا بصور قديمة كان رائزه أول ما ألغاها. فرائز الذكاء كما تصوره بينيه وسيمون هو الأداة الأهم للتعرف على الذكاء حسب ما استقر لدى علماء النفس. وهذا واضعه يعطي بعض الأساليب القديمة بعض القيمة. هل هي نظرة العالم الذي يقلب الأمور من مختلف الجوانب ويضع موضع الشك والدرس كل ما يصله من فرضيات، فلا يسرع إلى الرفض القاطع إلا بحجج علمية؟ أم أن جيلًا جميعه ما زال لم يتخلص بعد من وطأة الماضي؟ ولقد كان لبينيه مراسلات مع غالتون تدل على إجلاله له وأنه كان يستفيد من علمه.

يُعد إرث ألفريد بينيه فريدًا من نوعه، فهو يمثل الانتقال من الفلسفة إلى العلم في دراسة العقل البشري. لقد كان عمله لا سيما في ابتكار رائز الذكاء مع ثيودور سيمون، الأداة التي هدمت كثيرًا من الأفكار القديمة التي كانت تربط الذكاء بالسمات الجسدية. وعلى الرغم من بعض التردد الذي أبداه في موقفه من الأساليب القديمة، فإن هذا التردد كان في حقيقته دليلًا على نهجه العلمي الدقيق، واستعداده لاختبار الفرضيات بدلًا من رفضها مسبقًا، وهو ما جعله رائدًا حقيقيًّا في تاريخ علم النفس.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

مقال ثري .. أحسنت
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

شكرا على قراءتك لمقالي... و مرحبا بك صديقا
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة