عادة ما أشاهد أفلام الثمانينات العربية بدون اكتراث كبير. أعني أنني لا آخذها دائماً على محمل الجد، أراها إما قصصاً مسلية أو حكايات ضعيفة المستوى، لضعف القصة أحياناً، أو لضعف أداء الممثلين في أحيان أخرى.
اليوم بالتحديد، قمت بتشغيل التلفاز لأشاهد فيلماً أو آخر، فصادفني فيلم بعنوان "أقوى الرجال". لا أخفيكم سراً، ظننته فيلماً آخر من تلك الأفلام التجارية شديدة السطحية، حيث يقاتل البطل مجموعة من الأشداء، مكيلاً لهم اللكمات والركلات في أغلب مشاهد الفيلم.
لحسن الحظ، لم يكن الأمر على هذا الحال.
يحكي "أقوى الرجال" قصة زكي، والذي يؤدي دوره نور الشريف، وهو رجل مسالم يُتهم زوراً بكونه مجرم شديد الخطورة والذي أطلق عليه ألقاب كثيرة، أهمها الوحش وسبع الرجال، من قبل الإعلام والمجتمع.
يُسجن زكي لفترة من الزمن، ويبدأ الإعلام في تحليل شخصيته ودوافعه، فيلتقون بأسرة زكي ومعارفه، فلا ينصفه إلا عدد يسير منهم.
تعد فترة وجوده بالسجن بمثابة إعداده للمرحلة القادمة من حياته. فنرى السجن أشبه بالرحم الذي يحتضن زكي، أو الوحش الآن، مقدماً له نوعاً من الدعم والتأييد قبل ميلاده الجديد. ففي السجن، يلتقي زكي بعم سيد، وهو رجل طيب عرفه من قبل اتهامه زوراً. يفاجئ زكي برؤيته داخل أسوار السجن، ولا تنتهي حيرته إلا عندما يحكي سيد حكايته حيث تعرض سيد لظلم شديد دفعه للانتقام ممن ظلموه. يشكو زكي لسيد ظلم المجتمع له، إلا أنه، كما أوضح له سيد، سينال الاحترام من الناس طالما بقي "الوحش" كما يظنونه.
يلمع نجم زكي بين السجناء، وهنا ندرك أن زكي، الوحش بالنسبة للناس، قد صار أقرب للتقديس في نفوسهم. فنراهم يرحبون به لدى رؤيته، ويتأدبون في حضرته، مادحين ومقدمين له القرابين مما لذ وطاب من الطعام.
فيكتشف زكي في رحم السجن أن هناك عالماً جديداً لم يدر عنه شيئاً، كما يخبر زوجته. فالسجن، كما ذكرت سابقاً، بقضبانه وأسواره، هو رمز للرحم الذي احتوى زكي في طور التوحش، فغذي بداخله الوحش علي حساب البشري، كما سنرى لاحقاً، مانحاً إياه هوية جديدة.
يُبرأ زكي من التهم الموجهة إليه لعدم كفاية الأدلة، ومن هنا تبدأ مرحلة جديدة في السير نحو الوحش.
يخرج زكي من منزله للمرة الأولي بعد إطلاق سراحه من السجن، فيجد أهل المنطقة يتجمعون حول منزله حاملين صورة مرسومة له، تحمل، على ما يبدو، ملامحه كما وصفها الشهود أمام النيابة. يصرخ بهم سيد فلا ينطقون، فقط يرفعون صورته أمامهم في مشهد رائع.
تجمع هؤلاء بدون أن يتكلمون هو إشارة إلي أنهم كالقطيع؛ لا يفقهون حديثاً ولا يعقلون، بل تسوقهم "الصورة" التي صنعها الإعلام لهم. فتتحكم "الصورة" المعدة لهم في حكمهم علي البشر. كما يرفعون الصورة أمامهم بدلاً من أن يوجهوا أبصارهم نحو صاحبها، فتصبح الصورة لديهم أصدق من الأصل!
يستقل زكي بعد ذلك الحافلة، فيفزع الراكبون، راجين السائق أن يوقف الحافلة حتى يهربون من "الوحش". يتدافع الناس للخروج من الحافلة، فيضيع زكي بينهم، ولا يستطيع المشاهد حينها رؤية زكي وسط هذا الزحام. فكان إخفاء زكي بين عشرات الأشخاص الخائفين هي إشارة إلي طمس هويته وصورته الحقيقية بسبب جهل وتسرع من حوله، كما أخفته أجسادهم عن الأنظار.
في هذا المشهد أيضاً نرى البشر كالقطيع مرة أخرى، فهم يصرخون ويدفعون بعضهم بعضاً، فلم يعملوا عقولهم علي الرغم من معرفتهم بتبرئة زكي من التهم المنسوبة إليه!
توشك الحافلة أن تصير خاوية على عروشها، ويهبط زكي خلف الراكبين، وهو لا يصدق ما حدث للتو. ثم يدرك أن هناك رجلاً ممتلئ الجسم قد علق بإحدى نوافذ الحافلة أثناء محاولة هروبه من الحافلة. يصرخ الرجل متألماً، فيمد له زكي يديه لكي يساعده، إلا أن الرجل يرفض أن يلمسه زكي، مفضلاً هذا الوضع المؤلم علي أن يقترب منه (الوحش). فمهما رأوا منه من بشرية، سيظل وحشاً بالنسبة لهم.
يعاني زكي من صورته الجديدة كوحش، فتنصحه زوجته، كما نصحه عم سيد من قبل، بأن يحقق للناس ما يريدون منه! إن أرادوك وحشاً، فكذلك كن!
يقرر زكي استغلال صورته الجديدة في مساعدة الضعفاء، من خلال فرض هيبته على الفاسدين وقساة القلوب. فلم يتخلى زكي عن آدميته بعد، وإن ألبسوه ثياب الوحوش.
لا يستمر الوضع كذلك للأسف! ينازع زكي الشعور بالذنب والخوف من نفسه ومن تقديس الناس له. ثم تعثر الشرطة على أثر للمجرم الحقيقي الذي يظنه الناس زكي. وهنا يتبدل الحال لزكي، فيقرر الأشقياء، الذين هابوه من قبل، أن ينتقموا منه.
ينطلق هؤلاء إلى بيت زكي لمصادرة أثاث بيته. لكنهم لا يكتفون بذلك، فنراهم يعتدون بالضرب على زوجته وشقيقته. كان من الممكن للمعتدين الحصول علي الأثاث المستحق فقط، إلا أن حالة الضعف التي يمر بها زكي بعد انكشاف أمره كزكي فحسب وليس الوحش، قد أغرت الوحوش الحقيقيين به. فيمعنون في إيذائه، لا لشئ، سوي لتحقيق نشوة الإنتصار. يحاول الوحوش الحصول على موقعه كـ (Alpha male) أو الذكر صاحب السيادة في القطيع، وذلك بإذلال الذكر المسيطر سابقاً. يقف زكي متجمداً عاجزاً، لا يقوى على حماية زوجته أو شقيقته. يبدو زكي في هذا المشهد أشبه بحيوان مكبل بالأصفاد، وتدل على ذلك تعبيرات وجهه وجسده المتألمة كما لو أن الوحش يحاول الخروج بينما تمنعه قوة ما.
ينتفض زكي أخيراً بعد استغاثة إبنه بأن ينقذ أمه، فينقض زكي على أحد الوحوش، فنرى زكي يمارس عنفاً شديداً مما لم يمارسه من قبل. ينطلق زكي للقضاء على وحش آخر، فيعاجله هذا بضربة سكين. مثلما يكون الوحش الجريح، التمعت عينا زكي بنظرة هائجة ثائرة، فيعلم المشاهد حينها أن أمراً بداخله قد تبدل وأن التحول في شخصية زكي من رجل إلى وحش بشكل كامل قد صار وشيكاً.
ينتهي الصراع بأن يقتل زكي مجموعة من المعتدين، مرسلاً الآخرين هاربين ليضمدوا جراحهم. نلاحظ أثناء القتال أن زكي لا ينطق على الإطلاق، بل يندفع في فورة من الغضب محطماً وممزقاً هنا وهناك. مرة أخرى، يستخدم صناع الفيلم غياب اللغة كدليل على غياب العقل لدي البشر وتحولهم إلى ما يشبه الحيوانات أو الآلات أو الوحوش. ويمثل غياب اللغة أيضاً دليلاً على طغيان المشاعر بصورة لا تسمح لصاحبها بالتعبير عنها، فتخرج في هيئة عنف وتدمير. فكما يذكر الطبيب النفسي في النصف الأول من الفيلم، فكبت الألم والمعاناة ينتج عنه غضب فعنف هائل. أي أن معاناة زكي مع قولبة الناس له قد أخرج منه الوحش الذي اعتبروه إياه.
بعد انتصار زكي على مجموعة المعتدين واستعادة مكانته كوحش ذي سيطرة، كان هناك وحشاً آخر لا بد لزكي من القضاء عليه، حتى تصير له الغلبة. فيبرر زكي رغبته في قتل المجرم الحقيقي للمجرم نفسه والمشاهدين، بأنه يريد أن يتغلب على آخر ما يربطه بآدميته، فلا يكون الوحش وحشاً بحق حتى ينتصر على وحش مثله.
في المشهد السابق للأخير، نرى زوجته توجه لوماً لمجموعة من الناس وهي تنظر إلى الكاميرا مباشرة، كما لو أنها تتحدث لنا جميعاً. تلومنا، ربما، على تقديس الشر ومن يمثلونه، والاستهانة بالخير وأصحابه. فلا يملك الضعيف إلا أن يصير ذئباً أو أن يبقي غنماً ويواجه من الآلام الكثير.
أختم حديثي بمفارقة رائعة بالفيلم، وهو لقب من الألقاب التي أطلقها الناس على زكي بعد اتهامه بأنه المجرم المطلوب. أبو الرجال هو لقبه الجديد، والذي لا يدل إلا على أن العنف مدعاة للفخر، كما أنه دليل على كمال الرجولة. فأصبح الوحش الأعجم كالرجل العاقل، بل إن الوحش هو "أقوى الرجال"!
لقطه تخيله انه يمسك بالرشاش ويغربل خصومه ووجه يضطرب هي لقطه عملها اكتر الناس مع انفسهم لما تعرضوا لضلم شديد من ناس اقوى منهم ولم يستطيعوا الرد
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.