أغاثا كريستي في الشرق: رحلة الروائية من أدب الجريمة إلى بعثات التنقيب عن الآثار

بينما صوَّر عبد الرحمن منيف في رواية «التيه» -وهي الجزء الأول من خماسيته «مدن الملح»- طلائع المستكشفين الغربيين للنفط كمنقبين عن المستقبل، نجد أن كتَّابًا غربيين، مثل الكاتبة أغاثا كريستي ومعاصرتها فريا ستارك، ثم إدوارد ويتيمور في «رباعية القدس»، قد صوَّروهم بصفتهم باحثين عن الحقيقة وسط مجتمع محلي يجهل ماضيه.

في المقابل، قدَّم الأدباء العرب المحدثون هؤلاء الغربيين كجزء من ذاكرة مفقودة أو كعناصر في وطن يُنهَب ويُفكَّك، كما نرى لدى جمال الغيطاني في «متون الأهرام»، وإنعام كجه جي في «طشاري»، وسنان أنطون في «يا مريم».

الاستشراق الأدبي: تقاطع مسارات أغاثا كريستي وفريا ستارك ولورنس العرب

التقت أغاثا كريستي بـ «فريا ستارك» في العراق خلال ثلاثينيات القرن العشرين، وأُعجبت بها لدرجة أنها وصفتها قائلةً: «هي أكثر شجاعة مني بكثير»؛ ربما لأن ستارك وسَّعت نطاق رحلاتها الأدبية لتشمل مناطق لم تطأها قدما كريستي.

عاشت ستارك في بغداد، واستكشفت بمفردها مناطق نائية في سوريا واليمن وإيران. ومن مؤلفاتها «صور بغدادية» و«خلف الفرات»، كما كتبت عن الجزيرة العربية واليمن مؤلفات مثل «البوابات الجنوبية لجزيرة العرب» و«شتاء في الجزيرة العربية» و«الجزيرة العربية»، وهي بمعظمها كتب توثيقية وأدب رحلات. أما في كتبها «وادي الحشاشين» و«مسار الإسكندر» و«مآذن جام»، فقد استعرضت تاريخ بلاد فارس وجوارها.

لم تلتقِ كريستي بـ «لورنس العرب»، الذي استهلَّ حياته منقِّبًا عن الآثار في كركميش قرب جرابلس السورية. ونلحظ في كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» مزيجًا فريدًا يجمع بين المذكرات الشخصية، والسرد العسكري، والتأملات الفلسفية، والوصف الجغرافي والإثنوغرافي؛ وقد تخللت نصوصه إشارات إلى مدينة «إرم ذات العماد» التراثية.

كما يظهر في الكتاب حسُّ المنقب الأثري الذي لم يفارق لورنس أبدًا، وهو ما تجلى في موافقته المثيرة للجدل على نقل الإكليل الضخم من الفضة المذهبة، الذي كان الإمبراطور الألماني غليوم الثاني قد وضعه فوق ضريح صلاح الدين الأيوبي إبان زيارته لدمشق عام 1898، ليُعرض لاحقًا في متاحف لندن.

كما كانت الكاتبة تكنُّ احترامًا كبيرًا لـ «جيرترود بيل»؛ فقد تشابهتا في طول مدة الإقامة في بغداد، والارتباط الوثيق بالعراق وآثاره، كما وثقت كلتاهما هذه التجربة في رسائل وكتب أدبية شهيرة.

وسط هذا الحضور الغربي المتعدد، تبرز أغاثا كريستي لا بصفتها روائية بوليسية فحسب، بل بصفتها رحالة بحثت عن ذاتها بين رمال الشرق ومواقعه. فكيف انطلقت رحلة التقصي هذه؟ وما المسارات التي قادتها من ضفاف «ديفون» الوادعة إلى لُقى سومر وآشور وبابل، وصولًا إلى تلال سوريا التي احتضنت أجمل سنوات نضجها؟

التقت أغاثا كريستي الكاتبة فريا ستارك في العراق خلال ثلاثينيات القرن العشرين

التحولات الكبرى في حياة ملكة الجريمة

وُلدت أغاثا كريستي في 15 سبتمبر 1890 في مدينة توركي بمقاطعة ديفون الإنجليزية، وتوفيت في 12 يناير 1976 في إنجلترا. تزوجت من الطيار أرتشي كريستي عام 1914، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة «روزاليند»، وهنا يأتي التساؤل: ما هي قصة اختفاء أجاثا كريستي؟

في عام 1926، وبعد وفاة والدتها وانهيار علاقتها مع زوجها، اختفت عن الأنظار -وكانت قد حققت شهرة واسعة في كتابة روايات الجريمة منذ أول رواية نشرتها أجاثا كريستي، بفضل شخصيات ابتكرتها مثل هيركيول بوارو والآنسة ماربل- لمدة 11 يومًا.

عُثر عليها لاحقًا في أحد فنادق مدينة هاروجيت، وهي تعاني من فقدان الذاكرة «أو تدَّعي ذلك»، الأمر الذي أثار ضجة إعلامية كبرى شارك في البحث عنها الكاتب البريطاني سير آرثر كونان دويل، مبتكر شخصية شرلوك هولمز.

بعد انفصالهما الرسمي عام 1928، وبسبب صدمة الطلاق واختفائها الغامض، قررت السفر بمفردها في رحلة استجمام إلى العراق؛ بحثًا عن الاستقلال والسكينة، وإثباتًا لقدرتها على اكتشاف هويتها الجديدة بعيدًا عن ضغوط المجتمع الإنجليزي.

وقد سحرتها حكايات المسافرين عن أسواق بغداد، وجمال الصحراء، والاكتشافات الأثرية المذهلة في مدينة «أور» جنوب العراق، التي كانت تتصدر عناوين الصحف العالمية آنذاك. كما وجدت في هذه الرحلة الفرصة المثالية لتحقيق حلمها القديم بالسفر على متن «قطار الشرق السريع». وفي عام 1930، تزوجت من عالم الآثار ماكس مالوان، وهو الزواج الذي فتح أمامها آفاقًا رحبة لاستكشاف الشرق الأوسط.

عاشت أغاثا كريستي قرابة 85 عامًا، وقد بلغت ذروة شهرتها ككاتبة وهي في الثلاثينيات من عمرها. تعددت زياراتها للشرق؛ سواء في مرحلة شبابها قبل احتراف الأدب أو اهتمامها بالآثار، أو في مرحلة ما بعد زواجها الثاني من مالوان؛ فقد بدأت رحلاتها المنتظمة مع زوجها في المدة ما بين 1930 و1958، متخللة انقطاعًا دام نحو تسع سنوات بسبب الحرب العالمية الثانية.

وكانت تقضي في الشرق مواسم التنقيب التي استمرت عادةً من 3 إلى 5 أشهر سنويًا، وهي المدة التي شهدت ذروة نتاجها الإبداعي؛ ففيها كُتبت أهم كتب أجاثا كريستي وأقوى روايات جريمة أجاثا كريستي، وشاركت بفاعلية وتأثير في حملات التنقيب عن الآثار، لا سيما في العراق وسوريا.

الأدب في خدمة الأركيولوجيا: دور أغاثا كريستي كمنقبة وممولة لبعثات الشرق

لم تكن الكاتبة مجرد زوجة أو أديبة، بل كانت مساعدة ميدانية بارعة قدمت دعمًا تقنيًا فعالًا لزوجها في مواسم التنقيب الأثري، وأسهمت في تمويل عدد كبير من هذه البعثات من أرباح رواياتها؛ لتضمن استمرار زوجها في عمله الذي تحب.

بدأت بمرافقة زوجها عالم الآثار ماكس مالوان في العمل الميداني تدريجيًا بدءًا من موقع نينوى، إلا أن دورها كمحترفة تبلور بوضوح في سورية فيما بعد، وبلغ ذروته أخيرًا في موقع نمرود. ومع أنها رافقت زوجها في بعض المواقع القريبة من القاهرة والدلتا، فإن أغلب وقتها في مصر كان مخصصًا لجمع المعلومات التاريخية والجغرافية:

نينوى: الموصل الحالية في شمال العراق في المدة الزمنية 1931-1932

كانت هذه المرحلة هي البداية؛ فقد بدأت تتعلم أصول التعامل مع القطع الأثرية، لكن دورها اقتصر حينها على المرافقة واستكشاف طبيعة العمل الأثري.

شمال شرق سورية في المدة الزمنية 1934-1938

أصبحت أغاثا عضوًا جوهريًا في البعثة؛ فتولت مسؤولية تصوير القطع الأثرية وتوثيقها، كما أشرفت على تنظيف اللُّقى الصغيرة في مواقع مثل «تل براك» و«شاغر بازار». تميزت ببراعة فائقة في جمع شظايا الفخار وتجميعها، وهو عمل تطلب صبرًا كبيرًا يشبه حل الألغاز في رواياتها.

وإلى جانب مسؤولياتها في التصوير وتحميض الصور ميدانيًا في ظروف قاسية، أدارت شؤون المخيم، بما في ذلك تنظيم المؤن والوجبات، فضلًا عن تقديم الإسعافات الأولية للعمال المحليين، مستفيدةً من خبرتها السابقة بصفتها ممرضة.

في تل براك، اكتشف الفريق ما عُرف بـ «معبد العيون» «Eye Temple»، حيث عثروا على آلاف التماثيل الصغيرة المصنوعة من الحجر والمرمر، التي تميزت بعيونها الضخمة. تولت أغاثا مسؤولية تنظيف هذه التماثيل الدقيقة وتغليفها بحرص شديد، ووصفتها في مذكراتها بأنها «مذهلة ومخيفة في آن واحد».

وقد وصفت بدقة في رواياتها «التلال الأثرية» التي تبدو من بعيد كأنها جبال صغيرة، في حين أنها في الواقع مدن مدفونة، وهو مشهد يطغى على منطقة الخابور في سوريا. كما كانت تقضي وقتًا في مدينة القامشلي السورية لتأمين مؤن البعثة. ووصفت المدينة في الثلاثينيات بأنها «مدينة حدودية ناشئة ومليئة بالحياة والتنوع»، وكانت تستمتع بمراقبة الناس في أسواقها، الأمر الذي ساعدها على رسم شخصيات رواياتها التي تدور أحداثها في الشرق الأوسط.

آثار نمرود بالقرب من الموصل بعد 1949

شهدت هذه المرحلة تخصصها اللافت؛ إذ تولت تنظيف العاجيات الآشورية الدقيقة مثل «عاجيات النمرود» «Nimrud Ivories»، وأشهرها «عاجية موناليزا الآشورية»، أو سيدة البئر، وعاجية اللبؤة التي تفترس عبدًا.

وللعناية بهذه اللقى الأثرية الحساسة التي كانت تُستخرج وهي هشة من رمال العراق، استخدمت أغاثا أدوات غير تقليدية من حقيبتها الشخصية؛ فاستخدمت كريم «بوندز» «Pond's Cream» لتنظيف العاجيات، مكتشفةً أن دهنها بالكريم يحفظ رطوبتها ويمنع تفتتها عند جفافها بعد استخراجها. كما استخدمت إبرة الحياكة لتنظيف الثنايا الدقيقة في العاج التي تصور حيوانات ونباتات وأشكالًا أسطورية دون خدش القطع، واستعانت بفرشاة المكياج لنفض الغبار عن الحلي والخرز الصغير المكتشف في المقابر الملكية.

وكانت تفخر بهذا العمل التقني، حتى أصبحت خبيرة في ترميم العاجيات، وكان زوجها ماكس مالوان يعتمد عليها كليًا في إنجاز هذه المهام الدقيقة.

وفي موقع نمرود أيضًا، اكتشف ماكس مالوان تماثيل عدة للثور المجنح «لاماسو»، حيث أشرفت أغاثا على أعمال تنظيف الأرضيات والمنحوتات المحيطة بها. وقد نقلت السلطات الإنجليزية بعض هذه التماثيل إلى المتحف البريطاني في لندن، بينما ظلت النسخ الضخمة في الموقع وفي متحف بغداد. وفي عام 1934، زارت أغاثا وزوجها موقع «تل حلف» قرب رأس العين السورية، فانبهرت بالتماثيل الضخمة التي تشبه الثيران المجنحة والأسود، والتي كان قد اكتشفها فريق ألماني بقيادة الدبلوماسي ماكس فون أوبنهايم.

شحن أوبنهايم لاحقًا تلك التماثيل إلى برلين؛ ليؤسس «متحف تل حلف»، إلا أن المتحف تعرَّض للقصف من قبل قوات الحلفاء عام 1943 إبان الحرب العالمية الثانية، وهو ما أدى إلى تحطم التماثيل إلى آلاف القطع. وبعد سقوط جدار برلين، أنجز المرممون الألمان عملًا استثنائيًا بجمعهم 27 ألف قطعة محطمة وإعادة تركيبها، وهي معروضة اليوم في متحف «بيرغامون» ببرلين.

نظام قسمة الآثار: قوانين الآثار في الأربعينيات ومصير المكتشفات

فيما يتعلق بالتساؤل حول ما إذا كانت أغاثا كريستي قد هرَّبت قطعًا أثرية خارج العراق خلال رحلات عودتها إلى إنجلترا، فإن الإجابة تتوقف على القوانين التي كانت سائدة آنذاك، وتحديدًا ما يُعرف بـ «نظام القسمة». فلقد كان القانون في الأربعينيات والخمسينيات يسمح بتقسيم المكتشفات الأثرية بين المتحف العراقي والبعثات الأثرية الأجنبية «مثل جامعة لندن والمتاحف البريطانية».

وبموجب هذا التوزيع القانوني، حظي متحف بغداد بالجزء الأكبر والأهم من المكتشفات، في حين نُقلت أجزاء أخرى بطرق مشروعة إلى المتحف البريطاني في لندن، ومتحف «متروبوليتان» في نيويورك، ومتحف «أشموليان» في أكسفورد.

لم تأخذ أغاثا كريستي أي قطع أثرية لمصلحتها الشخصية، إذ كانت تلتزم بأخلاقيات العمل الأثري بدقة. وكانت تسلِّم ما ترممه من قطع لمدير البعثة «زوجها ماكس» لتسجيلها رسميًا وتوزيعها بين المتاحف. والجدير بالذكر أن العراق استعاد منذ عدة سنوات مجموعة كبيرة من هذه اللقى المهربة أو المعارة إلى المتاحف البريطانية، وهي اليوم محفوظة ضمن مقتنيات المتحف الوطني العراقي في بغداد.

كيف أعاد الشرق صياغة الرواية البوليسية العالمية؟

لم يكن حضور الشرق في وجدان كريستي عابرًا، بل تشكَّل عبر محطات جغرافية وإبداعية، تركت أثرًا لا يُمحى في خارطة الأدب البوليسي العالمي:

أغاثا والعراق

تُعد التجربة العراقية للكاتبة رافدًا أدبيًا غزيرًا تجلَّى في مجموعة متنوعة من المؤلفات الأدبية، وأجمل روايات أجاثا كريستي، بدأت بروايتها «جريمة في بلاد الرافدين» «Murder in Mesopotamia» الصادرة عام 1936، وهي الرواية العراقية الأهم التي لم تستوحِ أحداثها من المكان فحسب، بل نقلت بدقة هندسة بيت التنقيب في أور، ورسمت شخصياتها بناءً على أعضاء البعثة الحقيقيين، وفيها يحل بطلها هيركيول بوارو جريمة وقعت داخل الموقع الأثري.

تلتها رواية «لقد وصلوا إلى بغداد» «They Came to Baghdad» عام 1951، التي تُعد رسالة حب لبغداد الخمسينيات، واصفةً فنادقها كفندق «تايغرس بالاس»، وأسواقها وشوارعها، بصفتها مركزًا للصراع العالمي في قالب من الجاسوسية والمغامرة الدولية.

كما وثقت في كتابها «هكذا عشت» «Come, Tell Me How You Live» عام 1946 يومياتها في شمال العراق بين الموصل ونينوى بأسلوب ساخر يرصد رحلات السيارة وتفاصيل البيوت الطينية، في حين استلهمت روح موقع «نمرود» في أعمال علمية بلمسة أدبية، كتقاريرها مثل «Nimrud and its Remains» عن «عاجيات نمرود»، وفي مجموعة «مغامرة كعكة العيد» «The Adventure of the Christmas Pudding» عام 1960، التي كتبت مسوداتها وهي تجلس في مواقع التنقيب.

ويمتد أثر العراق في أدبها ليشمل قصة «بوابة بغداد» «The Gate of Baghdad» التي تصف وحشة الصحراء الغربية، وفصولًا كاملة في مذكراتها الشخصية «An Autobiography» تتحدث عن تحولها من سيدة مجتمع إلى عاشقة لحياة الخيام في أور، وصولًا إلى مسودات غير منشورة في أرشيفها عن البصرة والموصل تعكس انبهارها بالتنوع العرقي هناك، لتظل بغداد في أدبها رمزًا للغموض، وأور تجسيدًا للتاريخ، ونمرود واحةً للهدوء والجمال.

أغاثا ومصر

تُعد علاقة الكاتبة بمصر علاقة محورية؛ فقد كانت مصر المهد الذي شهد أولى شرارات اهتمامها بالشرق، ومسرحًا لأحداث بعض رواياتها الأشهر. زارت كريستي مصر لأول مرة برفقة والدتها عام 1907 لقضاء فصل الشتاء، والمفارقة أنها لم تُبدِ اهتمامًا آنذاك بالآثار، بل انصبَّ تركيزها على الحياة الاجتماعية، ومباريات البولو، والاستمتاع بالطقس الدافئ.

وبعد عودتها، وإثر تعرُّضها لوعكة صحية، نصحتها والدتها بالكتابة لشغل وقت فراغها؛ فكتبت روايتها الأولى، التي لم تُنشر، بعنوان «ثلوج فوق الصحراء»، التي دارت أحداثها في القاهرة. ولم تشقَّ كريستي طريقها نحو النشر إلا في عام 1920، حين صدرت روايتها «قضية ستايلز الغامضة».

جاءت زيارتها الثانية عام 1937 في رحلة سياحية برفقة زوجها وابنتها روزاليند، واستقلوا خلالها باخرة نيلية «SS Sudan». وقد كانت هذه الرحلة هي الإلهام المباشر لروايتها الأشهر عن مصر «موت فوق النيل» «Death on the Nile»، التي بدأت كتابتها عام 1936، ونُشرت عام 1937.

كما كتبت عن مصر القديمة رواية «في النهاية يأتي الموت» «Death Comes as the End» عام 1944، وتتخلل خاتمة روايتها «لقاء في بغداد» أحداث تدور في مصر والشرق الأوسط. يُذكر أيضًا أن لها مسرحية بعنوان «أخناتون» «Akhnaton»، كتبتها عام 1937، ولم تُنشر إلا في عام 1973. وتتناول فيها قصة الفرعون الموحِّد أخناتون وصراعه مع الكهنة.

أغاثا كريستي وسوريا

مثَّلت سوريا لكريستي وجهةً للعمل الميداني الشاق والاستقرار العاطفي؛ إذ قضت فيها خمسة مواسم تنقيبية امتدت لعدة أشهر بين الشتاء والربيع، برفقة زوجها عالم الآثار ماكس مالوان. ورغم زياراتها المتكررة، فإن إقامتها الأكثر تأثيرًا كانت بين عامي 1934 و1939. ومن اللفتات الجميلة أنها قضت جزءًا من شهر عسلها مع مالوان عام 1930 في قرية عين العروس على ضفاف نهر البليخ شمال سوريا.

تركزت إقامتها في منطقة الجزيرة السورية «محافظة الحسكة حاليًا»، وتحديدًا في موقعَي «تل شاغر بازار»، حيث عمل زوجها لثلاثة مواسم، و«تل براك»، أحد أكبر المواقع الأثرية، حيث اكتشفا «معبد العيون» الشهير. كما كانت حلب محطة أساسية لها، حيث اعتادت الإقامة في فندق «البارون» العريق، وتحديدًا في الغرفة رقم 213.

لم تكتفِ أغاثا بكتابة رواياتها البوليسية هناك، بل أنتجت مؤلفات استلهمتها من تلك التجربة، مثل: كتاب «هكذا عشت في سوريا» «Come, Tell Me How You Live» الصادر عام 1946، وهو مذكرات طريفة توثق يومياتها في مواقع التنقيب وتفاعلها مع السكان المحليين والقبائل البدوية.

ورواية «جريمة في قطار الشرق السريع»، التي كتبت أجزاءً منها في فندق البارون بحلب عام 1934، وتفتتح أحداثها بمشهد في حلب عند الخامسة صباحًا.

ورواية «غائب في الربيع» «Absent in the Spring»، التي نشرتها تحت اسم مستعار «ماري ويستماكوت»، وتدور حول امرأة تجد نفسها عالقة في محطة استراحة نائية في سوريا بسبب الفيضانات، الأمر الذي يدفعها لمواجهة ذاتها؛ وأخيرًا، قصة «بوابة بغداد» ضمن مجموعة «باركر باين يتدخل»، التي تتناول رحلة حافلة تنطلق من دمشق عبر الصحراء متجهةً إلى بغداد.

في دول الجوار

شملت جولات أغاثا كريستي لبنان، والأردن، وتركيا، وإيران «1928-1958». وكانت مصدرًا لاستلهام روايات أدبية بارزة، بدأت بتركيا وإسطنبول، اللتين ألهمتا رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» «1934»، وقصة «بيت في شيراز» المستوحاة من زيارة إيران «1931». كما وثقت سحر البتراء في الأردن برواية «موعد مع الموت» «1938»، واستحضرت معالم لبنان «بيروت وبعلبك» في رواية «لقد وصلوا إلى بغداد» «1951» خلال وجودها المتكرر هناك.

بين كشف الجاني وكشف الحضارة: وحدة المنهج لدى أغاثا كريستي

في رأيي، ربما كانت سنوات العطاء الأبرز في حياة أغاثا كريستي هي تلك التي قضتها في الشرق. كما أن إسهاماتها التقنية في الحفاظ على قطع العاج الهشة، وتنظيف اللُّقى الأثرية بدقة وعناية وصبر باستخدام أدواتها الخاصة -ككريم التجميل وإبرة الحياكة- رغم ما حملته من طابع عفوي ومستعجل، تُعد دليلًا على ذكائها العملي وحذقها الذي يُحسب لها.

تُعد رحلة أغاثا كريستي إلى الشرق نقطة تحول جوهرية صاغت نضجها الحياتي والعاطفي والأدبي؛ فبزواجها من ماكس مالوان، تحولت من روائية باحثة عن الإلهام إلى شريكة ميدانية فاعلة، أدت دورًا محوريًا في التنقيب، وتصوير الآثار، وتوثيقها في أهم المواقع بالعراق وسوريا.

ولم يقتصر دورها على الجهد البدني والفني في ترميم المكتشفات، بل كانت الداعم اللوجستي والممول الرئيسي لعدد كبير من البعثات الأثرية من أرباح رواياتها؛ لضمان استمرار الكشف عن كنوز الحضارات القديمة.

لقد أضفت الكاتبة على هذا العلم صبرًا ودقةً استمدتهما من عالم الجريمة، في حين منحها الشرق استقرارًا نفسيًا وعمقًا سرديًا جعلا من رواياتها الشرقية شهادة أدبية وتاريخية نادرة تمزج بين وهج المغامرة ووقار الأثر. ولم يكن هذا الشغف المزدوج تناقضًا؛ فبالنسبة لأغاثا، كان التنقيب عن الآثار يشبه التحقيق في الجريمة؛ فكلاهما رحلة صبورة لرفع طبقات الغبار عن الماضي، واستنطاق الشواهد الصامتة، وربط القرائن المتناثرة للوصول إلى الحقيقة المدفونة، سواء أكانت هوية قاتل أم هوية حضارة غابرة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.