أعداء السماء

ملقاة على جانب الطريق, جثة هامدة دون حتى أن يلتفت إليها أيٌ من المارة. كانت ليلة في شتاءٍ مستبد يحكم بسوطه البارد, أحد أهم ألد أعداء سمائنا هي الشمس التي لم تمر بمدينتنا منذ عشرات السنوات. فالنجم المشتعل على الدوام لم يكف يومًا عن معاندة السماء لدينا.
فلم تستقبل عيوني خيط دافئ واحد منذ ولدت. المدينة لا يباغتها رغم ذلك قطرة ندى حتى.
 فالليل عندنا مقيم و لا يغرب عن أزقتنا الظلام.
مدينة متناقضة كالميت, جسد تلمسه دون روح تعبث بها و لها و معها. لا ألم في الجسد المتصلب ولا يقين منا للروح و لا من الروح لمسارها.
كنت حينها اشتري علبة من الشمع لأشعل بها دياري. فأنا بخيل, لا احتاج الكهرباء في منزلي, مجرد بضع الشمعات أوقد بها لنفسي أثناء القراءة. لم ألقِ الشمع من يدي حينها و لكني وجدتها سيدة مثقوبة الرأس في يدها اليمنى المتجمدة سكين و اليد الأخرى تنطوي تحت جسدها الذي يشبه عود الكبريت المقصوف. كان الفضول يداعبني, فجلست و أجلست الشمع جواري, في وقت لم يمر فيه أحدٌ.
تسللت بالجثة بهدوء ناحية زقاق و كأني الجاني. لم يساورني الخوف حينئذ و لكن سيطر عليّ الفضول.
كانت تحمل حقيبة يد سوداء غير مغلقة, كأن يد اللص التافه
عالقة بها حتى الآن. كانت تبتسم و هي تموت. نظرت إليها و لم أجد داخلي سوى هذا الظلام الذي يحيط بنا. كنت أشعر بأني كذرة الهواء... هل تعرف كيف هذا الشعور؟... الخفة و الرفعة, هذا ما تظنون؟  لا, بل إنه شعور اللاشيء. فالهواء مجرد عابر سبيل, يدلف عبر فم شخص يتثاوب ليخرج منه و هو يسعل, دون هدف. لِم من الأساس يوجد هواء؟ لِم لا نتنفس تفاحًا؟ أنا أحب التفاح.
هل تحبين التفاح أيتها الجثة؟ لا تأكليها و أنتِ في الجنة...
يستمر البحث و لا اسمع حولي سوى صوت الفئران العالقة في سراديب المنازل و على أسقف صناديق القمامة, و بعض الكلاب تعوي, ليثبت هذا الكلب القذر أنه بمقدوره أن يهزم هذا الضعيف. مع من يجب أن اتعاطف؟ مع القوي الذي لا يعيبه سوى غروره, أم مع الضعيف الذي لا يميزه سوى وضعاته؟
لم أجد في الحقيبة سوى المزيد من الأوراق الفارغة... لا يمكنني قراءة ما سطر عليها. كانت هناك ورقة واحدة فقط, استطعت قراءتها. إنها رسالة.
قرأت الرسالة  ( اقتل نفسك بهذا السكين ... )
سألت نفسي حينها, لِم قد أفعل هذا؟
فوجدت ردًا جاهزًا, و لِم لا تفعل؟
فأخذتُ السكين من يدها و قتلتني, كانت ميتة سخيفة, فقد شققت رأسي من الخلف. تمدد جسدي جوارها. خرجت بخفة من جثتي الثقيلة و نظرت جواري لأرى المرأة التي ماتت حية تنظر نحوي و تتأملني و على وجهها علامات أثارت في ذاتي التخوف و الحظر.
لم تعرفني بنفسها, قالت لي على الفور بنبرة عملية:
- سنذهب الآن إلى بيتي... هناك ستعرف ما سبب وجودك هنا.
قلت لها:
- هل دومًا يلزم أن يكون لوجودي سبب؟
قالت لي:
- هنا على الأقل, هناك سبب. صدقني, سترى السعادة في عيونك التي لم تغادرها الظلمة في لحظات.
لم أرد حينها.. شعرت أنها امرأة ممسوسة. لم اعبأ حتى بسؤالها عما إن كنت في الجنة أو النار.
سألتني في الطريق:
- هل قرأت رسالاتي التي تركتها في الحقيبة؟
- لا, لم تسطري فيها كلمة واحدة. فكيف لأحد قراءتها؟
- لكنك قرأت الرسالة الأهم على أي حال...
- ماذا تحوي تلك الرسائل الفارغة؟
- كل شيء بذلته في حياته... قصائد شعر, أغنيات ألفتها, خرافات و حكايات لأناس قد ماتوا... أضغاث أحلامي التافهة لهم... تواريخ وفاة أحبابي و ميلاد أعدائي... أسماء كلاب اقتنيتها... عدد السيارات التي ركبتها... جميع المسرحيات التي عرفتها... عنوانين الكتب... مجموع ما دفعته على طاولات المطاعم... لون حذائي المفضل... مدى كرهي لأختي حين تستعير مني فستاني المفضل... عدد القبلات التي طابعها المنافقين على وجنتي... مجموع الساعات التي أهدرتها في التفكير فيما سأقول... عدد الحماقات التي ارتكبتها... عدد من أحبوني و لم يتمكن قلبي من حبهم... عدد من يجبر بخواطر غيره في حياتي... عدد الحسنات و عدد السيئات التي تمكنت من حصرها... كم مرة أخبرت من أحب أنني أعشقه... كم مرة نافقت من أكره و لم أخبره... كيف تبدو الجنة في خيالي... كيف أحلم... بمَ أحلم... عدد أنفاسي... و في النهاية ذكرت كم مدينة زرت قبل أن أزور تلك المدينة السوداء.
- و في النهاية متِ كأي شخص تافه...
شعرت بالسذاجة فيما تقول, فسألتني:
- ماذا تحمل الورقة التي في جيبك قبل أن تأتي لهنا؟
- قلت... فارغة, الجانب الظاهر فارغ... أما الجانب الخفي فهو الجانب الأكثر فراغًا.
وصلنا إلى بيتها, دخلت هي أمامي. لم يهمني تفاصيل البيت إلا أنني رأيت ما اسموه النور لأول مرة في حياتي القصيرة. كما تقول الأسطورة بالضبط, خيوط بيضاء متجمعة في حزمة تحيطك من كل الجوانب, تحاصرك لتخرج من جسدك صورة يتأملها كل ناظر, تكشف قلبك لك ثم لمن يجاورك, تكشف الحقيقة. خيوط رفيعة هشة لا يوجد منها مهرب, لا بداية لها و لكنها تنتهي في خفوت و تحتضر حين يغزو اللاشيء روحك. النور هي الشيء إن غاب حل محله الفارغ. نحن أعداء السماء في مدينتنا.
ثلاث أشخاص يحملون في أيديهم ورق و قلم. قالت لي السيدة الميتة أن لي الاختيار الآن.
هناك ذلك المَلِك الطاعن في السن, ذلك سيهبك الخلود هنا و فقط.
تلك الفتاة ستهبك ما تحتاجه من نور, لنفسك و لتضيء المدينة و لكنك سترجعك للحياة المظلمة من جديد, لكن حين تغادر لا مجال للتراجع, و قد تموت في لحظة ما هناك.
تلك السيدة السمينة, ستهبك النشوة دون ملل, شغف لا يقتله سأم... فهي قاتلة الاعتياد.
ذلك الشاب, يجعلك لا تندم على شيء, فهو يمكنه أن يعيدك إلى وقتما تريد مرارًا و تكرارًا... لكنك لن تموت هناك حينها... ستظل حبيس هذا.
ما هذا العبث؟, هكذا كنتُ أخبرها و أنا مشتت.
لا أريد الاختيار. فالاختيار هو الاختيار الوحيد الاجباري أمامي الآن.
و إلا عانيت من كل هذا, من الخلود... من النور... من النشوة... من التكرار... عدم الندم.
إنها قصة مزعجة, و ستقف عند هذا الحد... اختاروا لأنفسكم خيار واحد و إلا أخفقتم في هذا الامتحان.

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب