أشياء تحدث في الطرق البعيدة

كانت الأم مفعمة بكل المشاعر المفهومة والغير مفهومة في هذا العالم، لكن الشيء الأكثر وضوحًا، هو رغبتها الدفينة في البكاء، والشيء الأكثر غموضًا هو أنها كانت تساوي أطفالها الثلاثة الذين يجلسون بجوارها، داخل عربة مجنونة، عربة وحشية، تعفر النهار، وتأكل الطريق والزمن، وكان لذلك تأثيره على الركاب، الذين بدوا وكأنهم عراة، وعلى أجسادهم كانت الحكايات متأججة تحت الشمس.

"هذه العربة ستأخذنا إلى الجحيم" قال أحدهم. ردت المرأة التي تساوي أطفالها الثلاثة: نحن في الجحيم منذ الأزل، وهؤلاء أطفالي، حصيلتي من الأيام السوداء والبيضاء. ظلت المرأة تحتضن أطفالها الثلاثة، وكأنها تحاول أن تجعلهم جسدًا واحدًا في وجه الغيب، والزمن والنهار والطريق المتعرج. قال أحد الأطفال: إلى أين نحن ذاهبون يا أمي. ردت الأم: إلى النهاية يا حبيبي. متى ستأتي النهاية يا أمي؟ عندما أترككم للطريق يا حبيبي.

قال الرجل الذي يرى الجحيم: ولماذا ستتركين أطفالك؟ ردت المرأة: من أنت؟

رد الرجل: ركبت هذه العربة، وسأنزل في منتصف الطريق، أجلس بجوار شجرة أعرفها لأن الحياة ملعونة، هل تودين الجلوس معي؟ ردت المرأة: أنت تريد الجلوس في منتصف الطريق وأنا أريد الوصول إلى النهاية.

قالت المرأة العجوز التي تجلس بجوار السائق: اكفنا شر النهار. رد السائق: شر النهار؟! ردت العجوز: للنهار أيادٍ شريرة، تغمي الصغار وتأخذهم إلى أماكن لا يعرفها بشر، ويظلون في هذه الأماكن الخربة، حتى يصبحون كبارًا، ثم يظهرون للعالم بعد فوات الأوان. بعد فوات الأوان. ردد السائق.

وقبل فوات الأوان طلب السائق الأجرة، وكانت الفلوس كلها ورق. قالت امرأة شاحبة: هذه الأموال بالية، لكنها أضاعت عمرنا. لماذا انتهت المقايضة، تأخذ كيزان الذرة وتمنحني كيلو من البلح الأسمر أو الأحمر، أو تمنحني يدك، لأدسها في مخابيء جسدي، ونظل هكذا حتى يغطينا الظلام، ونصحو فلا نعرف أنفسنا، ونضيع وتنتهي الحكاية.

العربة المجنونة أكلت الزمن، فصار صفرًا، ولأن الزمان أصبح صفرًا، فالمكان أصبح مجهولًا، ولذلك كله، أصبح من في العربة مجهولين، لقد فقدوا أنفسهم في الطريق، وكان بإمكانهم خلع كل شيء وفعل أي شيء. على جانبي الطريق كانت الأشجار المتربة، والبيوت الصغيرة المصنوعة على عجل بجوار الترع الصغيرة، وبعض الأماكن المهجورة التي تشبه العشش. قال الرجل الذي رأى الجحيم منذ البداية: يمكنني أن أبدأ حياتي من جديد، في أحد هذه البيوت المهجورة، بجوار شجرة، أنا صديق الأشجار. وقالت المرأة الشاحبة: أحب الوقوف على السكك، ووضع يدي في يد أي عابر سبيل، لنلقي بأنفسنا في غيطان الذرة، أو في ترعة نائية. وقالت المرأة العجوز: هذا هو شر النهار لكنه لم ينل مني، لأنني عجوز. وقال الأطفال: إننا نلمح أشخاص بعيون نارية يبتسمون لنا من بعيد وقالت الأم: إنني ألمح يوم القيامة بجوار كشك صغير.  

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية