قبل عام 2013 لم يكن أحد من المختصين أو حتى المهتمين بمجال التربية الخاصة يسمع عن مصطلح اضطراب التواصل الاجتماعي، على الرغم من وجود أعراضه منذ عشرات السنين.
في هذه المقالة نسلط الضوء على هذا الاضطراب وأبرز العلامات أو الأعراض المميزة له، خاصة وأنه يوجد خلط دائم مع اضطراب طيف التوحد نظرًا لتشابه الأعراض ما يترتب عليه صعوبة في التفرقة بينهما، وعلى هذا خطأ في التشخيص.
فهذه المقالة ترشد الاختصاصيين والمربين إلى بعض الأنشطة والإستراتيجيات التي يمكن اتباعها مع الأطفال المصابين بهذا الاضطراب.
أعراض اضطراب التواصل الاجتماعي
وفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات العقلية الصادر عن الجمعية الأمريكية للطب النفسي، فإن 4 بنود يجب تحقيقهم جميعًا لكي يمكننا تشخيص الطفل المصاب باضطراب التواصل الاجتماعي الذي يعاني مشكلة في التفاعل الاجتماعي وهي:
1- صعوبة التواصل لأغراض اجتماعية، الطفل هنا يكون غير قادر على إدراك أن إلقاء التحية على الرجال يختلف عنه مع النساء عنه مع الأطفال، ليس فقط بالكلام وإنما أيضًا طريقة إلقاء التحية وهو ما يسمى بالأهمية الاجتماعية للتواصل.
في مجتمعاتنا العربية عمومًا، فإن إلقاء التحية على الرجال يكون بالمصافحة وبشيء من الحميمية، أما النساء فالأمر يختلف كليًا وجزئيًا نظرًا للتقاليد والأعراف فضلًا على التعاليم الدينية التي تحكمنا. تختلف كذلك عن طريقة إلقاء التحية على الأطفال الصغار بشيء من المداعبة والاحتضان وإشعارهم بالقرب وتبديد مشاعر القلق التي قد تنتابهم عند لقاء أغراب خارج محيطهم الأسري.
2- عدم القدرة على تغيير التفاعل الاجتماعي من مكان لآخر ومن شخص لآخر. في مجتمعنا المصري على سبيل المثال يربي الآباء والأمهات أطفالهم على مبدأ "اللي يشتمك اشتمه" مقولة ترددها دائمًا الأمهات لأطفالهن عندما يتعرضوا للتنمر أو المضايقة من أقرانهم.
غير أن الطفل المصاب باضطراب التواصل الاجتماعي لا يمكنه إدراك أن هذه المقولة ممكنة مع أقرانه، لكنها غير ممكنة على الإطلاق أن يقولها لمعلميه في الفصل المدرسي أو الحضانة، أو لمن هم أكبر منه في البيت، بل ويتعامل معهم بندية، وذلك لأن الطفل يأخذ المعنى الحرفي دون إدراك أن ما يصح مع أقرانه قد لا يصح مع معلمه في الفصل.
3- مشكلات تتعلق بقواعد المحادثة مع آخرين، الطبيعي في أي حوار بين شخصين أنه يبدأ بإلقاء التحية وبالأخذ والرد في أثناء الحديث، بمعنى أنه إذا أخبرك المحاور بشيء يسعدك، فإن رد الفعل الطبيعي أن تقول له: أشكرك جدًّا، أو إذا أردت منه شيئًا أن تقول له: من فضلك أو لو سمحت، وعند إنهاء الحوار تلقي التحية مع ابتسامة وتعبيرات وجه تدل على الرضا.
طفل اضطراب التواصل الاجتماعي لا يمكنه فعل ذلك، إذ يعاني من مشكلة في سرد القصص، ولديه مشكلة في ابتداء الحوار وكذلك إنهاؤه، فضلًا على صعوبة استخدام الإشارات اللفظية وغير اللفظية في أثناء الحوار.
غالبًا ما يوصف هذا الطفل بـ"الصريح" الذي لا يعرف الكذب، وربما وجدنا هذا النموذج في الفنان عمر الشريف في فيلم "إشاعة حب" عندما جلس على مائدة الطعام، وإذ بعمه يسأله عن رأيه في الطعام الذي طهته زوجة عمه بنفسها ليفاجئ برده في حضورها قائلًا: "إنه سيء!".
طفل اضطراب التواصل الاجتماعي لا يعرف المجاملة، لا يعرف غير الحقيقة، يكره الكذب، لذلك فعندما تخبره مازحًا: "أنا جايلك راكب طيارة" للتعبير عن سرعتك في المجيء إليه، على الرغْم من أنك تقيم في الشارع المجاور، عندها يكّون صورة عنك بأنك "كاذب" ومخادع ولا يفهم أنك جئت إليه بسرعة.
ليس هذا فحسب، فقد يكون عنده ألم في بطنه أو معدته، أو يعاني صداعًا مزمنًا، لكنه لا يخبر به أحدًا ظنًا منه، أن أمه وأباه يشعران بما يشعر به حتى لو لم يتكلم!
4- مشكلة فهم ما وراء المعنى أو الكلام المجازي الذي يحتمل أكثر من معنى. تخيل مثلًا تلك الأم التي تصطحب طفلها الصغير الذي يسير ببطء شديد وتخاطبه قائلة: "يا مالك.. مد شوية.. هو أنت ماشي على قشر بيض".
طفل اضطراب التواصل الاجتماعي، لديه مشكلة فيما وراء المعنى، مثل هذه الأمثال أو التعبيرات باللغة الدارجة، يأخذها كما هي حرفيًّا، فينظر يمينًا ويسارًا، أمامه وخلفه، ثم يخاطب أمه قائلًا: "فين يا ماما قشر البيض، أنا مش شايف حاجة".
لك أن تتخيل حجم المعاناة التي يعيشها ليس فقط طفل اضطراب التواصل الاجتماعي، وإنما أسرته أيضًا التي عليها أن ينتقي أفرادها كلماتهم بعناية حتى يفهمها طفلهم، كذلك المعاناة التي يجدها هذا الطفل في علاقاته الاجتماعية التي تشهد تدهورًا ملحوظًا كلما تقدم في العمر، فالطفل الصغير عندما تصدر منه ردود فعل غير مقبولة اجتماعيًا قد يلتمس الآخرون له العذر بحجة أنه لا يزال صغيرًا لا يدرك الأمور، لكن عندما يكبر ويصير شابًا فلن يتقبله أحد.
الأنشطة وإستراتيجيات التعامل
وفقًا لاختصاصي التربية الخاصة، الأستاذ حسن صلاح الدين، فإنه يوجد عدد من الأنشطة وإستراتيجيات التعامل "غير رسمية" أثبتت فعاليتها في التعامل مع حالات اضطراب التواصل الاجتماعي منها:
أولًا: الإدراك الانفعالي والاجتماعي
نعلم الطفل في هذه الإستراتيجية أن لكل موقف مشاعره الانفعالية، سواء انفعالات بدائية فسيولوجية بيولوجية كالجوع والعطش، أو مشاعر أساسية كالحب والغضب والحزن والفرح والخوف، أو مشاعر فرعية منبثقة من تلك الأساسية، مثل الإعجاب والتضحية والرضا والدهشة وغيرها.
بالعودة إلى طفل اضطراب التواصل الاجتماعي، نجد أنه ليست عنده أية مشكلة فيما يتعلق بالتعبير عن المشاعر الأساسية وفهمها، ولكن المشكلة تكمن في فهم المشاعر الفرعية، وهنا يتعين على الاختصاصي النفسي أن يعرّف الطفل المشاعر الأساسية ثم المشاعر الفرعية.
فالدهشة على سبيل المثال، شعور فرعي، قد يكون منبثق من شعور أساسي هو الفرح أو الحزن حسب تعبيرات الوجه ونظرة العينين. يقوم الاختصاصي بعرض صورة على الطفل ويطلب منه وصف هذه الصورة وسبب فرح أو حزن الشخصية الموجودة بها من وجهة نظره.
ثانيًا: التعبير العاطفي وتنظيم العواطف
حينئذ يلجأ الاختصاصي النفسي إلى استراتيجية السيكودراما كونها إحدى وسائل العلاج النفسي بالدراما، يتقمص فيها الشخص دورًا معينًا يرى فيه نفسه والمواقف التي قد تزعجه.
ثالثًا: التفاعل الاجتماعي
يقوم اختصاصي تنمية مهارات بتدريب الطفل على إقامة علاقات اجتماعية بما يتناسب ومرحلته العمرية، وتنمية مهارات اللعب أوقات الفراغ بما يناسب سنه، فضلًا على تدريبه مهارات التوافق الاجتماعي، وكيف يبدأ محادثة، وكيف ينهيها، وماذا يجب عليه فعله في أثناء الجِلسة.
رابعًا: التواصل اللفظي
يتعلم الطفل الألفاظ والمصطلحات الدارجة باللغة العامية قبل تعليمه الأمثال الشعبية والنكت. فعندما تقول الأم لطفلها: "الجو حر نار"، فهذا لا يعني أن هناك حريقًا في المكان، وإنما تعبير عن حرارة الجو ودرجات الحرارة المرتفعة.
خامسًا: التواصل غير اللفظي
تقوم هذه الاستراتيجية على تخصيص آخر 10 دقائق من الجلسة "بانتومايم" وهو فن التمثيل الإيمائي بواسطة لغة الجسد وتعبيرات الوجه ودون نطق كلمة واحدة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.