أشقاء لا نعرفهم

كان أول ما يتداع لذهني عند سماع مصطلح الشوفينية، أو chauvinisme، - وهي كلمة فرنسية الأصل تعني الاعتقاد المغالي والتعصب للوطن والعنجهية في التعامل مع خلافه، وتعبر عن غياب رزانة العقل والاستحكام في التحزب لمجموعة ينتمي إليها الشخص والتفاني في التحيز لها؛ وخاصّة عندما يقترن الاعتقاد أو التحزب بالحط من شأن جماعات نظيرة والتحامل عليها، وتفيد معنى التعصب الأعمى. 
فكانت تقفز في ذهني نظرة العالم الغربي للدول العربية وجهله بالكثير فيما يتعلق بثقافة وحضارة هذه الدول ناهيك عن اللغة.
فنحن كمصريين أو عرب، ناطقي باللغة العربية، في سعي مستمر لتعلم اللغات الأجنبية ومواكبة الغرب من حيث الثقافة والفنون والعلوم إلى آخره، فكنت أنزعج كثيرا من هذا الجهل المتعمد أو التجاهل من قبلهم خاصة أثناء سفري للخارج ومواجهة الدهشة عند معرفة جنسيتي وديانتي فيتبع هذا الكثير من علامات التعجب مثلا لإتقاني اللغة الإنجليزية أو سفري للخارج بمفردي مع التزامي بالحجاب أو حتى قراءاتي واهتمامي بالسينما والفنون.
كان يستدعي ذهني دائما هذه الصورة عند سماع مصطلح الشوفينية، إلا أن سافرت إلى المغرب، هذا الشعب العاشق لمصر والمصريين، المتابع لكل ما هو مصري وحافظ لكل إفيه من الأفلام المصرية.
حب عارم غريب أثار دهشتي وسعادتي منذ وصولي لمطار الدار البيضاء من كثرة الترحاب، ولكن حينها فقط شعرت بالخجل، فأنا لا أفقه شيء عن اللهجات المغربية ولا أتذكر أني شاهدت فيلما واحدا مغربيا، فهم يتحدثون اللهجة المصرية بطلاقة وفخر ولكن أنا لا أعي حرف من حديثهم، يتبارى الجميع بإظهار معرفته بأحدث الأغاني والأفلام والمسلسلات المصرية أمامي في سعادة غمرتني بالدفء والبهجة المختلطة بالذنب، الذي حاولت تجاهله قائلة إنه بالطبع هذا يعود لصعوبة لهجتهم وتأثرهم الواضح بالاحتلال الفرنسي والأسباني.


ولكن يشاء القدر أن أقابل شاب أردني أثناء سفري بعد ذلك لعاصمة المجر بودابست، وكانت أول مرة تجمعني الصدفة بشخص من الجنسية الأردنية، ولسعادتي كان شاب في غاية الاحترام والثقافة، متواجد في بودابست لإكمال دراسته في مجال إدارة الأعمال، وعرض علي أنا وصديقتي أن يصطحبنا لرؤية أهم المعالم السياحية بالمدينة لمعرفته بها، أتذكر جيدا دماثة خلقه وثقافته الواسعة وإلقائه الشعر وإطلاعه أيضا على كل شئون مصر ومتابعته لأخبارها.
وحمدا لله كنت أتابع أخبار الملك عبد الله والملكة رانيا دائما لحبي الشخصي لهم فأسعفني هذا قليلا في الحديث معه ولكن حين بدأنا بالحديث عن الفنون خاصة إنها مجال دراستي صمت خجلا من جهلي الشديد بالفن الأردني إلا من بعض المعلومات السطحية.
وأمثلة ومواقف أخرى كثيرة قابلتها خلال أسفاري، من الجنسيات السودانية والجزائرية وغيرها، ولكن من أكثر التجارب التي هزتني وأثرت بي كثيرا لحد الكتابة، كتابة هذا المقال، كانت أثناء زيارتي الأخيرة للولايات المتحدة الأمريكية، حيث التقيت بصديقة لي يمنية مغربية- أعتبرها شخصيا مصرية الجنسية- في نيويورك للاستجمام والقيام ببعض التحاليل الطبية الخاصة بي.

لأجد صديقتي في آخر أيام عطلتنا تعرفني على سيدة يمنية قادمة خصيصا لرؤيتها من ولاية فيلادلفيا، فهي صديقة قديمة لها ولعائلتها، وانبهرت صراحة بإقدام هذه السيدة الجميلة على السفر كل هذه المسافة في هذا الصقيع بمفردها لمقابلة صديقتي، ولكن كل علامات الدهشة تبخرت حين قابلت الخالة خديجة، هذه السيدة المليئة بالبهجة والمحبة للحياة، سفيرة سابقه واسعة الاطلاع والخبرة بروح شابة.
لا أعرف متى ولا كيف قمنا بتأجيل سفرنا وإذا بنا نتجه معها إلى فيلادلفيا!
أتذكر لحظات ندمي أثناء رحلتنا لمنزلها وسؤال ملح يعصف بذهني ماذا أفعل؟ ما هذا القرار المتهور؟ كيف سأمكث لمدة أسبوع كامل مع عائلة كاملة لم أرى فرد منها من قبل؟ !
ولكني أقسم أني لم أشعر بالدفء قدر ما أحسست به وسط هذه العائلة المضيافة الكريمة، كم تفانى كل فرد لراحتنا وإسعادنا، كم كان استقبالهم لي يفيض بالحب والسعادة وأنا عاجزة عن الرد أو حتى التعبير عن امتناني، فقط إستمريت في الضحك وسط سيل من الأسئلة عن مصر وحالها وشعبها وكم يتمنون زيارة القاهرة قريبا وعن مدى سعادتهم لاستضافة فتاة مصرية.
أتذكر حنان الخالة العظيمة واهتمامها المبالغ بصحتي وأكلي ونومي لدرجة تحضير بعض الوجبات الخفيفة وتركها بجانبي على الطاوله وأنا نائمة خوفا علي من أي وعكة مفاجئة.
كم أحببت هذه العائلة بأجوائهم الحميمة ومأكولاتهم الشهية المميزة، من بنت الصحن والخبيز في فطوري حتى التفافنا مساءً حول كوب الشاي العدني الأثير وحلوى خلية النحل لمشاهدة إحدى المسلسلات العربية.

وكيف فارقتهم بغصة في قلبي كفراقي لأهلي.
كل هذه الأحداث المنفصلة أثارت تساؤل كبير مؤلم داخلي، لماذا؟ لماذا هذه الشوفينية من قبلنا؟ كيف نعيب على الغرب جهله بنا ونحن أكثر منه جهلا وتعالي؟ ! لماذا لا نعرف شيء عن شعوب شقيقة باستثناء معلومة واحدة وهي أن الشعوب العربية تكن الضغينة لبعضها البعض ويفعلوا الأفاعيل في بعضهم البعض في الخارج؟ ! لماذا كل هذه الحدود والسدود؟
فوالله لم أرى من فرد عربي سوء بل لم أجد غير كل خير وترحاب واعتزاز.
حقيقة كنت أتمنى أن أعرف عن اليمن الشقيق شيئا غير القات وعن الأردن أكثر من الملكة رانيا والملك عبد الله وعن الجمهوريه الليبية أكثر من أنها كانت تحت حكم القذافي. . . يا ليت!

 



بقلم الكاتب


ناقدة فنية و كاتبة مصرية، حاصلة على ليسانس إعلام شعبة صحافة من جامعة عين شمس و حاصلة على دبلومة دراسات عليا في النقد الفني من المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

ناقدة فنية و كاتبة مصرية، حاصلة على ليسانس إعلام شعبة صحافة من جامعة عين شمس و حاصلة على دبلومة دراسات عليا في النقد الفني من المعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون.