القاعدة هي ألا تقارن ما بين عمل وآخر دوما، حتى ولو كان أجزاءً أو تتمات، فلكل عمل إبداعي فكرته المستقلة التي نحاول الاستمتاع بها كقراء أو مشاهدين، ولربما عبر استنتاجات لسبر أغوارها ما إذا كانت أفلامًا لها نكهة الغموض على غرار Inception و Shutter Island
ولكن، قد لا تملك لدى مشاهدتهما إلا أن تعقد مقارنة خفية في عقلك بينهما، فكلاهما تدور أحداثه في العقل، وعن العقل.. أستطيع وبكل سهولة مراهنتك بأنه إذا ما قمنا بعمل استفتاء سريع فسترجح كفة فيلم Inception فورًا، إذ سيؤكد الكل – تقريبًا - أن الفيلم عبقري بلا حدود وفكرته جديدة ومثيرة، وبأن مخرجه كريستوفر نولان – مخرج ثلاثية باتمان الجديدة - قد تفوق على نفسه مع أداء باهر من الممثل ليوناردو ديكابريو، في حين، سيمتعض أكثر المشاهدين لدى ذكر فيلم Shutter Island، وسيكرر كثر أن فكرته مكررة، والنهاية واضحة المعالم ويسهل استنتاجها، مع تقدير لا بأس به لإخراج مارتن سكورسيزي السوداوي.. الخ
ولكن ماذا لو أخبرتك أن العكس صحيح؟ وبأن مهمة استنتاج حبكة Inception أسهل بكثير منها في فيلم Shutter Island ؟
أولا، يجب الاعتراف بأن كريستوفر نولان قد بهرنا بفكرة جديرة بالتقدير، يصعب أن يتوصل إليها مخرج لفيلم ضخم الميزانية، ففي العادة نجد عملا معقدًا كعمله وقد خرج من عقل مؤلف رواية محنك أو كاتب سيناريو عبقري، لكن نولان تفوق على نفسه فعلا في هذا الفيلم بالذات..
ستعقد المقارنة حتما ما بين الفيلمين، والسبب أن بطلهما الأوحد هو الممثل ليوناردو ديكابريو، الذي أثبت مؤخرًا أنه ليس مجرد وجه وسيم، والفيلمان تدور أحداثهما بين ثنايا العقل، كلاهما سوداوي.. ولكن شتان ما بين عقل "ديكابريو" الغائص في المتاهات المتلوية في Inception وعقل "ديكابريو" الآخر الغارق في دوامات السوداوية الحقة في Shutter Island
Inception قد قال ما أراد المخرج قوله مذ ظهر الممثل القدير مايكل كين ليطلب من البطل كوب – "ديكابريو" أن يفيق وإلا ضاع في متاهة أحلام عقله، وكل الأحداث اللاحقة قبيل ولوج كوب مراحل الحلم المتعددة في عقل فيشر تؤكد أن كوب كان – ولا زال - داخل الليمبو أو الحلم، حلمه الخاص طبعا.. فكوب معذب ويبحث عن تكفير لذنوبه إزاء موت زوجته مول، التي تسأله إلى أي درجة يظن العالم من حوله حقيقيًا، وفي مشهد المطاردة أثناء البحث عن المنتحل – الذي لعب دوره الممثل توم هاردي -، نشاهد كوب يحاول الهرب من ممر بين مبنيين عملاقين، نراهما ظاهريًا يتقاربان رويدًا للإطباق عليه كالفك، في إشارة لنوع من كوابيس الجثم المفزعة المتكررة لدينا!
ماذا عن انتحار زوجة كوب؟ فتحقيق الشرطة الجنائية بإمكانه وبيسر كشف أنها انتحرت عبر الوثب من شرفة الحجرة المقابلة لتلك الحجرة التي ورطت بها زوجها كي يبدو وكأنه قاتلها، ولكن المقصد كون المسافة ما بين الغرفتين كالفجوة في علاقتهما بحسب مبدأ الأحلام!
نقاط كثيرة تشير إلى أن حلم كوب مستمر حتى لدى الانتهاء من مهمته العجيبة، مرور وجوه شخوص مهمته عليه وهو في المطار في طريقه للحرية، أطفاله الذين وجدهم بنفس الهيئة التي كان يتذكرهم بها بالضبط، كما لو كان يكافئ نفسه برؤيتهم كنوع من التسامح مع النفس بلم شمل العائلة وبالحرية المنتظرة، وأخيرًا، تميمة البلبل أو النحلة الدوارة التي لا يمكن الاعتماد عليها بتاتا في عوالم الأحلام، حيث يندثر أي نوع من أنواع المنطق أساسًا، ففي الحلم يمكن لتلك التميمة كذلك أن تسقط موهمة الحالم أنه مستيقظ، وبذلك يضل هائمًا في عوالم الحلم دون أن يفقه عن ذلك شيئا!
الوضع في Shutter Island مختلف كل الإختلاف.. فمخرجه مارتن سكورسيزي لا يحاول إخفاء جنون بطله تيدي – "ديكابريو" - مذ بدء تلك الافتتاحية المخيفة للفيلم، الشبيهة نوعًا بافتتاحية فيلم ستانلي كوبريك المأخوذ عن أشهر روايات ملك الرعب ستيفن كينج The Shining
اقتبس الفيلم كذلك عن رواية للكاتب دينيس ليهان، وهو صاحب روايتي Gone Baby Gone و Mystic River ، وقد تم تحويلهما سابقا إلى فيلمين مميزين..
وبإدارة عبقري كسكورسيزي، يمكن الوثوق بأنه قد حقق الرؤية التي يزمع ليهان إظهارها لنا، فاللغز المستتر هنا ليس هل تيدي مجنون أم لا.. بل هو: لماذا هو مجنون؟ ولماذا يصنع ما يصنعه بالضبط؟
يكمن حل اللغز الغامض في اسم زوجة تيدي التي قتلت أطفالهما بإغراقهم، دولوريس، ففي الديانة المسيحية تعرف العذراء مريم كذلك ب"سيدتنا ذات الآلام السبعة"، أو Our Lady of the Seven Dolours ، دولوريس هي أساسًا إلهة الألم الوثنية، ومصدر كل متعة وألم معا، وصفها الشاعر الإنجليزي أليجرنون بالأنثى المقدسة الجامعة ما بين الألم واللذة، في غوص مخيف للناحية المظلمة من الإنسانية!
تلك إذن هي زوجة تيدي الجامعة ما بين اللذة الحسية والألم لدى قتلها أطفالهما، وإفقادها زوجها البائس عقله كعقابٍ إغريقي عابث، العبث كذلك متمثل في طرائق معالجة تيدي وإيهامه أنه محقق في قضية اختفاء مريضة، فالطبيب كولي – "بين كينجسلي" - يترك له ورقة في غرفة المريضة الهاربة سولاندو تحوي أرقامًا وجُملاً بلا مغزى، كوابيس تيدي مع زوجته ومع المعتقل النازي خير دليل بأن عقله غير متزن، ولربما تطرق بكامله إلى ذكرياته التي قد تفسر أيضا على إنها أحلام! فلا محاولات لمواربة جنونه، شكوكه حول التجارب غير الآدمية على المرضى بالمصح في بارانويا واضحة!
إن فيلم Inception لهو فيلم يحقق رؤية مخرج طموح بميزانية ضخمة، لذا يسهل على المشاهد المحنك والمعتاد استنتاج تلك الرؤية بفضل المؤثرات البصرية، وحبك المخرج لأحداث قصته عبر رؤيته الإخراجية التي تمكن من عرضها بالصورة المناسبة، في حين، قد يستعصي على غير المشاهد القارئ فهم أحداث فيلم Shutter Island المقتبسة عن رواية برع مؤلفها في خلق مساحاتٍ سوداوية تشكل رابطا بين مختلف أجزاء القصة، تاركا إياها عالقة على عددٍ من التأويلات شديدة الغموض!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.