أسير في جحيم العظمة.. رواية حزينة

الفصل الثاني: نصر بطعم الهزيمة

كانت الجموع الغفيرة القادمة من كل أنحاء المجرة لتعزية ليون والأعضاء بهان وأسرته قد احتشدت بكثافة؛ ليزحف الصمت الثقيل قاتلاً كل الحروف التي وقفت عاجزة أمام هول المصاب، لتستحلّ مكانها عبراتٌ هائمة، لكن الوضع في القصر كان أبرد من الصقيع، وأجمح من العاصفة، وأقسى من أن يصفه سيد الكلمات المنمقة، نوى ليقف صامتاً كالبقية بانتظار كلمة تنفض غبار هذا السكون المقيت، ليقول ريتشارد بهدوء جعله يبدو أكثر رهبة من جنونه:

- كيف حال سام؟

تنهد هاك بقلب كسير مجيباً:

- إنه يتحسن ببطء، لقد استهلك معظم طاقته..

عندها تبدلت ملامح ريتشارد لسخط عظيم ليقول بغضب:

- هذا سيئ، وأين كينغ؟ أليس طبيبنا؟

لكن نوى دافع قائلاً:

- كينغ يبذل جهده، لكنه استهلك طاقته في علاجنا بعد ما حصل، لقد تضرر الجميع بسبب ذلك.

تنهد ريتشارد بقلة حيلة:

- كيف سنجد جين إذن؟

لكن شينغ همس لهم بحدة:

- اهدؤوا الآن، ودعونا ننهي مجلس العزاء، أنتم تضايقون ليون.

كان ليون واقفاً أمام التوابيت الثلاثة منخفض الرأس مثقلاً بشعور مهول بالذنب:

- لم سارت الأمور بهذا الشكل؟

لم يستطع أن يجد جواباً يشفي جراح فؤاده المذبوح..

- هل سنخسر المزيد؟

سؤال تمنى أن يكون جوابه: لا.

كان يحدق به بأسًى قبل أن تعود تلك الرؤيا للتجسد أمام مقلتيه مما جعله ينتفض بشكل لفت انتباه الجميع له، فقال له سيمون:

- أخي، أنت بخير؟

بيد أن ريتشارد لم يكن منصتاً، بل لم يكن قادراً على الإنصات بعد أن استحوذت عليه تلك الرؤيا ليردد بصوت مرتعش:

- لقد كانت خمسة قبور، وهناك المزيد والمزيد...

أنهى ريتشارد جملته تلك منتفضاً وهو يتصبب عرقاً؛ ليهرع إليه نوى مسنداً إياه هو وسيمون هاتفين بخفوت:

- أخي، ما الذي أصابك؟

لكنه أخذ يرتعش بشدة عندما رآه خلفهما ليرتد إلى الخلف رافضاً:

- لا، لا، ليس هما أيضاً..

سقط ريتشارد أرضاً، وهو بالكاد يتنفس؛ ليهبّ إليه ليون بفزع ويهزه بقوة:

- ريتشارد، هيا استيقظ، ما الذي أصابك؟

لكنه لم يجب، بل بقي متسمراً في مكانه كالمصعوق قبل أن ينهار فاقداً لوعيه، مما دفع هاك لأخذه إلى المركز الطبي وسط دهشة الجميع.

في القصر لم يكن هناك إلا ماريا تعتني بسوزان، تلك الرضيعة التي لم يتسنَّ لها لمس وجه أمها، لم تتوقف الطفلة عن البكاء رغم كل محاولات ماريا لتهدئتها، ومع صوتها الصغير الحزين كانت دموع ماريا تتدفق، كانت تحملها بين ذراعيها وتدور بها، والحزن والألم يشتعل في صدرها، فلم تشعر إلا بيد صغيرة تشدها من ثوبها:

- أمي.

- صغيرتي لارا، ما الأمر؟

قالتها بصوت حاولت أن تخفي ما به من انكسار، لتسألها لارا:

- لم تبك؟

مسحت ماريا دموعها قائلة:

- أنا لا أبكي..

لكن لارا قالت بإصرار:

- لقد رأيتك تبكين، هل هذا بسبب هذه الطفلة؟

- لا، لا..

- لمن هذه الطفلة أمي؟

- إنها ابنة عمتك لونا...

- وأين عمتي؟ لم لا تعتني بها أم أنها لا تحبها؟

- عمتك سافرت بعيداً...

- هل بسبب هذه الصغيرة؛ لأنها تبكي كثيراً، صحيح؟

قالتها لارا ببراءة لتنحني إليها والدتها قائلة:

- لا يا عزيزتي عمتك تحبها كثيراً، وأنت أيضاً يجب أن تحبي هذه الصغيرة؛ لأن عمتك قالت إنها تعتمد عليك بالعناية بطفلتها في غيابها..

- حسناً، سأعتني بها، هيا أيتها الصغيرة نامي..

بدأت لارا تمسح على رأس سوزان، فتوقفت الطفلة عن البكاء فوراً، ونامت وسط دهشة ماريا:

- أحسنت، لقد قمتِ بعمل رائع.

استيقظ ريتشارد ليجد نفسه في المركز، لينتفض كيانه بمجرد تذكر الرؤيا، لكنه تحامل على نفسه ونهض ليذهب إلى العزاء، لكنه قرر الاطمئنان على سام فوجد أن سام قد سبقه إلى هناك كما توقع، فاتجه إلى العزاء.

وهنا كان الهمس المكتوم يزيد كآبة الموقف، ودعت الفتيات صديقتهن، وبعدها تناوب الفتيان على وضع الزهور على القبور الثلاثة، وعندما وصل دور ريتشارد اقترب من القبر وقبَّله ثم قال هامساً:

- أعدك يا أخي أن دمك لن يذهب هدراً...

بعدها جاء ليون الذي وقف أمام القبور الثلاثة، وودعهم بصمت.

همس هاك بقلق:

- القائد لم يتكلم منذ فترة طويلة حتى إنه لم يذرف دمعة واحدة، وهذه ليست عاداته..

يجيبه نوى بأسى:

- لا أستطيع تخيل موقفه، كان اللَّه في عونه..

في ذلك الوقت كانت سفينة أرضية تجوب المجرات في رحلة سياحية، تلك السفينة كانت للربان جوليان ماكيب وزوجته سالي، كان جوليان يحاول التخفيف عن زوجته بعد خسارتهما لوليدهما الأول قبل أيام؛ لذا قرر أخذها في جولة عبر المجرات، فقد كانت سالي تعاني الكثير من المشاكل؛ لذا فإن إنجابها للطفل كان معجزة أذهلت الأطباء، لكن للأسف مات الطفل بعد أسبوع من ولادته مما أدخل سالي في حالة اكتئاب شديدة، اقترب منها بحنان وضمها من الخلف قائلاً:

- هيا يا عزيزتي ابتهجي..

لكنها أجابته والدموع لم تفارق مقلتيها:

- كيف تطلب مني أن أبتهج؟ لقد خسرت ابني بعد كل هذا العناء، لقد خسرت كل شيء..

تنهد جوليان بحزن قبل أن يقول:

- أرجوكِ، حاولي نسيان الأمر، إنه قدر اللَّه...

- أنا أحاول، لكنني..

قطع كلماتها حرقةُ الحرمان لتردف بصوت مرتعش باك:

- لا أستطيع.

كان يريد التسرية عنها، لكن رنين جرس إنذار السفينة جعله يتوقف:

- إنذار، إنذار، جسم غريب يقترب من السفينة، إنذار، جسم غريب يقترب من السفينة..

أوقف جوليان جهاز الإنذار ثم توجه إلى الحجرة الرئيسة لينظر إلى الشاشة:

- إنها كبسولة نجاة عزيزتي..

لحظات مرت قبل أن تأتي سالي وهي تمسح دموعها:

- ما الأمر؟

- هناك كبسولة نجاة تقترب من السفينة، سأجلبها ربما كان فيها أناس يحتاجون للمساعدة...

قالها جوليان، وهو يحاول سحب الكبسولة بكلابات السفينة؛ لتقول سالي بهلع:

- تبدو متضررة جداً، هل يعقل أن فيها أحياءً..

سحب جوليان الكبسولة إلى دخل السفينة، كانت البوابة محطمة كلياً، فقال جوليان بخيبة:

- لن أستطيع فتحها..

ثم أكمل وهو يفحص الكبسولة:

- لا أعتقد أن هناك أحياءً فيها، إنها محطمة كلياً..

عندها قالت سالي بلهفة:

- هل سمعت؟

- ماذا؟

- إنه صوت طفل..

أنصت جوليان قليلاً ثم قال:

- لم أسمع شيئاً..

- أنا متأكدة، لقد سمعت صوت طفل من الداخل، أسرع وافتحها..

قالتها بلهفة لا توصف، ليقول لها جوليان بنبرة محتارة ظناً منه أن زوجته تتخيل ذلك:

- لكن يا عزيزتي كيف لطفل أن ...

لكنها قالت بإصرار:

أرجوك افتحها....

لم يجادل جوليان سالي وأكمل محاولاته لفتح الكبسولة حتى تمكن من ذلك، وعندما فتحت الكبسولة دخل الاثنان ليجدا فيها طفلاً رضيعاً لم يتجاوز يومه الأول نائماً بهدوء في الداخل، نظر الاثنان إلى بعضهما ثم عادا للتحديق بدهشة في هذا الطفل العجيب ليردد جوليان غير مصدق:

- ما هذا؟

- ألم أقل لك؟

قالتها سالي بابتهاج لا يصدق، لكن جوليان قال بنبرة مذهولة:

- هذا ليس طفلاً، إنه ملاك"

حمله جوليان بهدوء بين ذراعيه وأخرجه من الكبسولة، لكن الطفل بمجرد خروجه استيقظ وبدأ بالبكاء، ارتبك جوليان كثيراً، فأخذت سالي الطفل منه وبدأت تهزه برفق، فعاد للنوم ليقول جوليان بارتباك:

- لقد أربكني بكاؤه المفاجئ..

فأجابته سالي همساً:

هذا لأنك حملته بطريقة خاطئة، نم يا صغيري الجميل...

عندها قال جوليان:

- على أي حال سنقوم بجولة، علّنا نجد أهله في الجوار..

لكن سالي لم تجب، بل ضمت الطفل إلى صدرها بسعادة، وأخذته إلى غرفتها، بدلت ملابسه وأرضعته، وعندما دخل جوليان عليها وجدها تتأمل الصغير النائم وقد وضعته في السرير الذي كان ينام فيه ابنها الراحل ليقول مبتسماً:

- هل ما زال نائماً؟

أجابته سالي بصوت حنون:

- نعم، انظر إليه يا جوليان كم هو لطيف، انظر كم يداه صغيرتان...

تنهد جوليان:

- لقد بحثت بالجوار لكن دون فائدة، حتى حطام السفينة لم أجده في كل المنطقة المجاورة، كيف وصل هذا الطفل إلى هنا؟

- لا أدري، لكنني قررت تربية هذا الطفل ما دام بلا أهل..

قالتها سالي بابتهاج؛ ليقول لها جوليان:

- لك...

لكنها التفتت إليه قائلة:

- ما دام بلا أهل فلم لا نربيه؟

لم يعقب جوليان على كلامها، لكنه تنبه لتلك القلادة التي كانت بجوار الصغير فقال:

- انتظري، ما هذا؟

فأجابته:

- إنها قلادة وجدتها موضوعة في ردائه..

فتحها جوليان ليجد فيها صورة لرجل وامرأة لم يكونا سوى هان ولونا، ومحفور على الطرف الآخر جين الصغير مع حبنا، والداك المحبان هان ولونا...

- جين، اسم جميل إذن، اسم هذا الصغير جين..

قالتها سالي بحنوٍّ وهي تداعب وجه الطفل الغافي ليقول جوليان:

- هان ولونا، كأنني سمعت باسمهما من قبل، لكن أين؟

في مجرة القوس المكسور وعندما وصل ريتشارد إلى المقر كانت شرطة المنظمة تقتاد سومان خارجاً مما جعل ريتشارد يهرع إليهم بغضب جامح ويصرخ مندفعاً إليهم:

- إلى أين تأخذون هذا الحقير؟

لكن هاك وقف أمامه:

- اهدأ يا أخي، لقد قررت المنظمة محاكمته، ولذلك سينقلونه إلى سجن المنظمة حتى يحين وقت المحاكمة..

كزّ ريتشارد على أسنانه بغضب بالغ:

- وهل يحتاج الأمر إلى محاكمة؟ ذلك الوغد قتل هان ولونا وتقول محاكمة..

لكن سيمون قال مهدئاً:

- أرجوك يا أخي، توقف، لا تزد الموقف صعوبة عما هو عليه... عندها صرخ ريتشارد بعصبية:

- وهل يعرف ليون هذه المهزلة؟

-  ليجيبه نوى:

- نعم، القائد أعطى موافقته.

ضحك ريتشارد ساخراً وهو يضرب كفاً بكف:

- رائع، رائع، وهل أنتم راضون بذلك؟

أشاح الشباب بوجههم دون رد، فقال بعصبية:

- أنتم لستم راضين عن الأمر، هل أنتم خائفون لهذه الدرجة منه حتى تحنوا رؤوسكم جبناء، جبناء حتى في قول الحقيقة، لم يعد يهمني ما تفعلون، لكنني لن أسمح لذلك الوغد أن يخرج من هنا حيا.

أشهر ريتشارد سيفه ليقضي على سومان، لكن ليون ظهر أمامه في آخر لحظة قائلاً بحدة:

- ماذا تظن نفسك فاعلاً؟

ليقول ريتشارد باستهزاء:

- جاء القائد المغوار، ما الذي أغفى عقلك حتى تترك هذا الوغد يفلت بفعلته تلك؟

لكن ليون أجابه ببرود:

- لم يفلت، لكنه يجب أن يحاكم، لسنا من يحاكم الناس هنا.

- ما الذي يحتاج إلى محاكمة، إنه قاتل ومثير للفوضى، ما الذي يحتاج محاكمة...

قالها ريتشارد بنبرة هيتسيرية؛ ليقول له ليون:

- ربما، لكنه ينكر أنه فعل أي شيء من هذا

 لكن ريتشارد ارتعش بجنون قائلاً:

- لكنه قالها أمامنا جميعا...

هز سومان نافياً قبل أن يقول:

- أنا لم أقل شيئاً، لا يمكنك إثبات أنني من فعل كل تلك الأشياء فقط لأنك وأصدقاءك تخيلتم قولي لذلك الكلام، ثم إن هان صديق عزيز لقلبي، ولا يمكنني فعل شيء فظيع كهذا له..

تلك الكلمات جعلت جنون ريتشارد يتعدى عقله ليدفع ليون والحراس ممسكاً بسومان من ياقته:

- إياك أن تلفظ اسمه على لسانك القذر...

بعدها قال ليون بحدة وهو يبعد ريتشارد عن سومان:

- ألم أقل لك أن تتوقف؟

ضحك سومان ساخراً:

- يبدو أنك أصبحت ضعيفاً لدرجة أنهم لم يعودوا يهابون كلامك..

كاد ليون يضربه، لكنه قال للحراس:

- هيا، خذوه من هنا بسرعة...

لكن ريتشارد قال بغضب:

- لن يفعلوا..

وانطلق ليهاجم سومان، لكن ليون هذه المرة وقف في وجهه مستخدماً هالته الهائلة مما جعل ريتشارد يتراجع للخلف مرغماً:

- ابتعد وإلا...

ابتسم ريتشارد بسخرية قائلا:

- وإلا ماذا؟ ستقتلني كما قتل ذلك الوغد هان؟

التهبت عينا ذليون ليصرخ بغضب مستعر:

- لا تشبهني بذلك السافل..

فقال له ريتشارد بإصرار:

- سأقتله الآن إن شئت أو أبيت...

وقبل أن يتحرك ريتشارد أطلق ليون طاقته مجدداً، لكن هذه المرة أطلق ريتشارد طاقته هو الآخر، كاد الاثنان أن يهاجما بعضهما، لكن داني وكيم وقفا بينهما وصرخا:

- أبي ماذا تفعل؟

مما اضطر الاثنان للتوقف ليقول ريتشارد:

- كيم ما الذي تفعله هنا؟

لكن داني قال متوسلاً:

- أرجوكما توقفان...

ليتابع كيم بصوت متحشرج من الألم:

- لماذا تفعلان هذا بنا؟

وقف الاثنان يحدقان بأبنائهما في ذهول ليقول كيم بحرقة:

- لقد ذهب عمي هان، ولا أريد أن أرى أحدكما يذهب أيضاً...

ليردف داني بصوت قطعه البكاء:

- يكفينا ما حصل، لم أعد أتحمل أكثر..

عندها توجه كل واحد إلى ابنه واحتضنه معتذراً قبل أن يهمّا بمغادرة المكان دون النظر إلى بعضهما، وعندما التقيا قال ريتشارد:

- لم ينته الأمر بعد أيها القائد..

بعدها تم نقل سومان إلى سجن المنظمة، وعاد الفتيان إلى المقر، كان التوتر قد طغى على المكان، وبينما ذهب شينغ إلى غرفة المراقبة كان البقية يتحدثون بين مؤيد لليون ومعارض له، ليقول هاك:

- لقد قلقت من أن يتقاتلا حقاً، هل كانا جادين؟

زفر سيمون بتوتر قائلاً:

- ألم يكن ذلك واضحاً؟

عندها قال نوى:

- أعتقد أن ريتشارد يبالغ في ردة فعل...

فقال هاك:

- لو كنتُ مكانه لفعلتُ نفس الشيء ربما...

لكن نوى قال بنبرة حزينة:

- لكن ليون خسر أكثر بكثير، وهو يتصرف بحكمة، محاكمة ذلك الوغد ليست مهمتنا.

خرج كينغ من غرفة العناية المخصصة بسام ليسأله نوى:

كيف حاله؟

رفع كينغ كتفيه بإشارة إلى قلة حيلة:

- إنه يتحسن نعم، لكن هذا يحدث ببطء شديد..

يسأله سيمون:

  • متى سيتحسن؟

فأجابه كينغ:

- أنا أقول إنه يحتاج ثلاثة أيام من الراحة الكاملة، وبعدها سنحدد الخطوة التالية، لكن الآن مجرد استخدام هالته قد يودي بحياته؛ لذلك ألححتُ على نيرا أن تقنعه بالعزوف عن فكرة البحث عن جين الآن، أرجو أن تنجح؛ لأنه لن يجده، وسيموت قبل أن يبدأ حتى..

في غرفة العناية كان سام مستلقياً على السرير، وهو في حالة يرثى لها، بينما زوجته نيرا تجلس قربه، وريوك قد وضع رأسه على صدره، ووالده يربت على رأسه، كانت آنا تراقب وضع قلبه بحذر شديد، فقال سام مطمئناً نيرا:

- كل شيء سيكون بخير يا عزيزتي..

لكنها قبَّلت جبهته قائلة:

- أرجوك، لا تتعب نفسك يا عزيزي...

ليبتسم لها سام قائلاً:

- أنا بخير.

لكن ريوك قال بنبرة تعيسة:

- لا يا أبي، أنت شاحب جدا...

رفع سام حاجبيه بذهول مصطنع قائلاً:

- حقاً.

فأجابه ريوك وهو يقلد الأشباح:

- نعم، تبدو مثل الأشباح...

ضحك سام من حركات ريوك قائلاً:

- لا تبالغ يا ولد.

ليضمه ريوك بشدة:

- أريدك أن تعود كما كنت، ولن أغضب منك إن حملت لارا بين ذراعيك مجدداً.

فقبّله سام من جبينه:

- سيكون كل شيء بخير يا صغيري أعدك.

آنا التي كانت منهمكة في مراقبة إشارات سام الحيوية، ابتسمت بفرح بعد أن أخذت مؤشرات سام الحيوية التي تتحسن بشكل ملحوظ لينظر إليها سام بامتنان:

- شكراً لك..

في تلك الأثناء كان الشباب يحكون لكينغ ما حصل بين ريتشارد وليون؛ ليقول كينغ بانزعاج:

- كل هذا حصل في غيابي؟

تنهد نوى قائلاً:

- كان الموقف متأزماً لولا تدخل الصغار.

لكن كينغ قال بنبرة مؤنبة:

- ما كان يجب على الأطفال أن يروا هذا.

زم سيمون شفتيه بامتعاض:

- لقد حصل ما حصل..

ليطلق كينغ تنهيدة عميقة قبل أن يقول:

- على أي حال متى موعد المحاكمة؟

- غداً...

قالها هاك باقتضاب ليردف نوى بقلق:

- سيكون يوماً صعباً علينا جميعاً.

عندها نهض كينغ قائلاً:

- سأذهب إلى ليون لأطمئن عليه.

ذهب كينغ إلى غرفة ليون الذي كان جالساً على سريره وهو يربت على صدر داني النائم، طرق الباب بخفة ودخل هامساً:

- هل نام؟

أومأ ليون بالإيجاب، ليبادره كينغ بنبرة حانية:

- وأنت أيها القائد كيف حالك الآن؟

لم يجبه على سؤاله، بل سأله:

- كيف حال سام؟

فقال كينغ مطمئناً:

- لا تقلق، إنه يتحسن.

ليتنهد ليون بارتياح:

- هذا جيد، اسمع يا كينغ أريد منك أن...

لكن هاك قطع كلامه، ودخل مسرعاً وهو يقول:

- تعالوا، هناك أمر مهم يجب أن ترياه..

اجتمع الجميع في الغرفة حول شينغ الذي شغل الشاشة الرئيسة قائلاً:

- لقد كنت أفكر أنه من الممكن أن يكون أحد أقمار التجسس أو الأقمار التلفزيونية قد سجل شيئاً مما حصل معنا البارحة، وقد وجدت وبعد قليل من البحث هذه الصور.

وبدأت الصور بالعرض، في البداية عُرضت صورٌ للحرس يحيطون بهان، وصورة لهان يقاتل سومان، ثم صورة لطعن سومان لهان، ليخفض الجميع رؤوسهم بحزن تدثر بالغضب، ثم عرض شينغ المزيد من الصور للقصر وهو يحترق، ثم والدة ليون التي ظهرت وهي تحمل طفلاً ثم ظهرت صورة، والسفينة تنطلق ثم تنفجر.

قال نوى بحماس:

- هذه الصور تستطيع إثبات أن سومان قد قتل هان، و....

لكن ليون قاطعه بنبرة يائسة:

- لا يمكننا استخدام هذه الصور كدليل...

رفع هاك حاجبيه متعجباً:

- لماذا؟

ليجيبه ليون بانفعال:

- لأنها مسروقة.

هز شينغ رأسه موافقاً:

- القائد محق، للأسف سيسألون: كيف حصلتم على هذه الصور، وسنقع في مشكلة أكبر..

لكن كينغ قال:

- عد إلى الصورة التي تنفجر فيها السفينة..

عاد شينغ إلى الصورة مستفسراً:

- هذه؟

فأشار كينغ إلى الصورة:

- كبر الصورة عند الجهة اليسرى، وفي الأعلى هنا...

كبرها شينغ كما طلب كينغ الذي قال:

- انظروا، ألا تلاحظون شيئاً غريباً هنا؟

عندها قفز هاك مبتهجاً وهتف:

- نعم هناك، أليست هذه كبسولة نجاة؟ ربما كان جين فيها، أليس كذلك؟ سأذهب لإخبار ريتشارد...

لكن ليون قال:

- توقف

ثم أردف بنبرة غارقة في الحزن:

- لا أريده أن يرى بقية الصور الآن، لأنه قد يجن بالفعل إن رآها.

ذهب سيمون إلى ريتشارد لإخباره بما حصل، لكنه وجده غافياً فقرر عدم إزعاجه، وقبل أن يغادر سمع صوت ريتشارد يناديه، التفت إليه ظناً منه أنه استيقظ:

- آسف، لكننا اكتشفنا شيئاً مهماً، وظننت أنك...

توقف سيمون عن الكلام عندما أدرك أن ريتشارد يتحدث وهو نائم، فاقترب منه بهدوء وهزه بلطف، لكن تلك اللمسة كانت كافية لجعله يرى جزءاً بسيطاً مما يراه ريتشارد ليرتد عن الأرض وهو يتصبب عرقاً.

حاول النهوض، لكنه لم يستطع من هول ما أحس به، مد يده إلى صدره متحسساً دقات قلبه المتهافتة، وهمس مخفضاً رأسه بانكسار لتخفي خصلات شعره الفضية تلك الدموع التي ترقرقت من مقلتيه:

- يبدو أنني التالي..

فتح ريتشارد عينيه ليجد سيمون واقفاً أمامه فانتفض من مكانه قائلاً:

- سيمون، ما الذي أتى بك في هذا الوقت؟

ابتسم سيمون بخفة قائلاً وهو يشير للصورة التي في يده:

- لقد وجدنا دليلاً على أن جين ما زال حياً..

وما إن سمع ريتشارد هذه العبارة حتى قفز من مكانه بعجالة، وأخذ الصورة بلهفة:

- أرني..

ارتسمت ملامح البهجة على وجه ريتشارد:

- إنه حي رغم أنني لا أشعر به، لكن حدسي لا يخونني..

توقف ريتشارد عند هذه الكلمة، وقال بنبرة مكللة بالشعور بالذنب:

- في أي ساعة المحاكمة؟

ليجيبه سيمون:

- ظهيرة الغد، هل ستحضر المحاكمة؟

قال ريتشارد:

- بالتأكيد..

في اليوم التالي بدأت المحاكمة، وكان سومان يقول إنه بريء من كل التهم، وإنه لم يفعل شيئاً، وبعدها بدأ دورُ الادّعاء الذي مثّله ليون الذي نهض قائلاً:

- سيد سومان، تقول إنك لم تقتل هان، ولونا، وأمي..

وضع سومان يده على صدره بأسى:

- بالتأكيد لم أفعل، كيف أقتل صديقي القديم هان؟

أمسك سيمون بيد ريتشارد الذي كان على وشك النهوض لقتل سومان هامساً:

- أرجوك اهدأ...

ريتشارد وهو يعض على شفتيه بغضب:

- ذلك الوغد.

 

تابع ليون قائلاً:

- إذن، بماذا تفسر لي وجودك قرب موقع الجريمة وقتها.

يجيبه سومان بكل براءة:

- لقد كانت مجرد صدفة، ولو كنت أدري بما حل بصديقي هان لكنت هرعت إليه مسرعاً..

عندها سأله ليون:

- ولم هربت عندما استخدم سام هالته للتعقب؟

رفع سومان حاجبيه مستغرباً:

- لا يا عزيزي، أنا لم أهرب، لقد كنت متوجهاً لحضور الزفاف، من المؤسف أنه تم تأجيله...

عم الصمت المكان قبل أن يقول ليون:

- سأقول لك ما أفكر فيه يا سيد سومان، لقد خطّطت لكل ما حصل بدقة، قتل هان، ولونا، وأمي، لكن هدفك لم يكن ذلك..

مطّ سومان شفتيه بملل قائلاً:

- بغض النظر عن أني لم أفعل شيئاً، لكن ما هو هدفي الذي تتخيله؟

يأتيه الجواب من ليون كما لو أنه يقرأ أفكاره:

- هدفك كان تشويه سمعة فرقة الحراس بأنهم غير قادرين على حماية المجرة، وهذا ما حصل..

- من المؤسف أن يحصل هذا؛ لأنني لا علاقة لي به، أنتم يا أصحاب أناس طيبون ورائعون، وهان كان أعز صديق إلى قلبي..

أنهى سومان جملته بطريقة جعلت ريتشارد لا يتمالك نفسه هذه المرة، ليصرخ كالمجنون:

- توقف عن ذكر اسمه بلسانك القذر أيها الحقير، توقف قبل أن أقطعه لك...

طرق القاضي بمطرقته بضع مرات قائلاً:

- هدوء...

حاول سيمون تهدئة ريتشارد:

- اهدأ يا أخي، أنت لا تساعد بهذه الطريقة..

لكن ريتشارد صرخ بانفعال:

- كيف أهدأ وهذا الحقير..

قاطع القاضي كلامه قائلاً بحزم:

- إن لم تتوقف فسأضطر إلى طردك خارج قاعة المحكمة.

ضرب ريتشارد الطاولة التي أمامه محطماً إياها قبل أن يقول باشمئزاز:

- ومن قال لك إنني باقٍ..

عبر ريتشارد القاعة بسرعة، وقبل أن يغادر التفت لليون قائلاً بحنق:

- سيذهب دم هان هدراً بسببك أيها المخنث..

غادر ريتشارد المحكمة، وبدأت الجلبة في المحكمة ليعيد القاضي كلامه:

- هدوء، هدوء، كل من سيعطل عمل المحكمة سيطرد منها، مفهوم..

صمت الجميع لينحني ليون معتذراً:

- أنا آسف سيدي القاضي، أرجو أن تتفهم الوضع...

- لا بأس، لا بأس، تابع من فضلك أيها القائد..

تنهد ليون بقلة حيلة، فلم يستطع سومان إخفاء ابتسامته، ليقول له ليون:

- هل أسعدك هذا؟

لكن سومان قال بحزن مصطنع:

- كم هو مؤسف حال ريتشارد، أنا أتفهمه، المسكين...

- المهم، الأهم من تشويه سمعتنا هو شيء أكثر خطورة...

تابع ليون ليسأل سومان بسخرية:

- وما هو؟

- قتل أطفال هان أو بالأصح طفل هان..

- لم أفهم..

ابتسم ليون قائلاً:

- أنت تعلم أن لونا هي أقوى شخص في هذه المجرة، وهان أقوى شخص في مجرته، وكما تعلم إن الوريث يأخذ قدرات والديه دائماً، حتى لو كانا توءمين، فإن الصبي سيرث طاقة والديه بينما الفتاة سترث نصف ذلك؛ لأنها لا تتحمل أكثر من هذا الكم من الطاقة، وهذا يعني أن الفتى الذي سيحقق السلام الأبدي في هذه المجرة كما تقول الأسطورة قد ولد فعلاً، لكنك تظن أنك قد قتلته...

تلك الكلمات خلقت موجة من الهرج والمرج في القاعة، لكن الانزعاج بدا واضحاً على وجه سومان على الرغم من تظاهره بعدم المبالاة فقال:

- ماذا تعني؟

- طفل هان ما زال حياً، والشباب في طريقهم لإعادته...

تسمر سومان في مكانه من الصدمة ليقول:

- ماذا؟

لكنه استدرك قائلاً:

- أقصد أنه خبر رائع، مبارك عليكم وعلى المجرة، لكن ما علاقتي بكل هذه الترهات؟

عندها قال ليون:

- وهناك شيء آخر..

زفر سومان بملل:

- ألن تتوقف عن هذه السخافات؟

ليقول ليون بنبرة واثقة:

- لقد اعترف رجلك...

فتح سومان فاهه بذهول قائلاً:

- رجلي؟

- يوماك، مستشارك الخاص، سيدي القاضي، هل يمكن أن تطلب من الحرس أن يحضروا يوماك؟

- أحضروا الشاهد يوماك...

دخل يوماك متوتراً إلى القاعة، وعندما رأى سومان في القفص ازداد توتره، لكن ومع كل خطوة له داخل القاعة كان سومان يشحب كمن تسحب الدماء من عروقه ليهمس بحنق:

- لم أنت هنا؟

أخفض يوماك رأسه قائلاً:

- لقد قبضوا عليّ عندما تركتني في السفينة..

عندها قال سومان في نفسه:

- لكن يجب أن تكون ميتاً، يا لي من غبي، كان عليّ قتله قبل ذهابي، سحقاً، ظننت أنهم قتلوه، ولم أتوقع أن..

قطع أفكاره صوت ليون الذي قال:

- أنت يوماك مساعد سومان؟

- نعم.

- هل تقر بأن معلمك هو من قتل هان؟

- أنا لم أر هذا..

ذلك الجواب أعاد الابتسامة إلى وجه سومان، لكن ليون تابع أسئلته:

- هل تقر بأن معلمك قتل لونا؟

- أنا لم أر هذا..

ازدادت ابتسامة سومان، ليسأل ليون:

- هل تقر بأن معلمك هو من خطط لقتل هان، واجتمع معك في هذا الشأن..

تردد يوماك فتابع ليون:

- وقال إن هدفه من هذا خلق البلبلة، وتحطيم سمعتنا ليستعيد سيطرته على المجرة..

فقال يوماك مخفضاً رأسه:

- أنا لا أعرف شيئاً...

لكن ليون قال بنبرة محذرة:

- إنكارك سيجعلك شريكاً في الجريمة، وسيكون عقابك أكبر كونك تسترت على المجرم، وقد يصل إلى الإعدام..

ارتعشت أوصال يوماك وهو يتأتئ بكلمة "إعدام.."

عندها انتفض سومان من مكانه بغضب صارخاً:

- إنه يهدد الشاهد أيها القاضي..

- هدوء، أيها القائد ليون لا يصح تهديدك للشاهد..

- أنا لا أهدده يا سيدي، ولدي تسجيل يقر به بهذا، هل تريد سماعه يا سيدي؟

- أسمعنا.

شغل ليون التسجيل ليظهر صوت ريتشارد يحدث يوماك:

- أين الطفل؟

- لا أدري، لم يكن هناك أي طفل.

- هل تكذب مجدداً؟

- لا، صدقني، لكنني سمعته يقول إنه قتل جميع أفراد عائلة هان.

عندها هتف يوماك بارتعاد متوسلاً:

- توقف، سأتكلم..

أوقف ليون التسجيل ليمسح يوماك عرقه البارد عن وجهه المختنق..

- أنا أقر بأن سيدي سومان خطط لقتل هان وعائلته، وأرسل رجالنا إلى الكواكب لنشر الفوضى فيها حتى نستطيع استعادة السيطرة على المجرة كما كنا قبلاً، ولدي الأدلة على ذلك..

عندها قفز سومان كالملسوع:

- أيها الخائن الحقير..

- آسف يا سيدي، لكنني لن أذهب للجحيم وحدي، ثم إنك من غدر بي أولاً..

- أيها الحقير، سأقتلك..

قالها سومان وهو يحاول الهجوم على يوماك، لكن ليون أوقفه قائلاً:

- لقد وقعت..

قال سومان بحنق وهو يغرق ليون بنظراته الحاقدة اللئيمة

- لكم كان ممتعاً رؤية وجه أختك وأمك وهما تموتان..

- هدوء، رفعت الجلسة حتى يتم التشاور، وإقرار الحكم..

وبعد نصف ساعة كان سومان يقف مقيداً بالسلاسل وعيناه تقطر حقداً وغضباً، ليقول القاضي:

- الجلسة الآن للنطق بالحكم، بعد التداول والتشاور ومعاينة كل الأدلة والمستجدات، حكمت المحكمة بما يأتي...

أولاً: يجرم المدعو إدوار سوفاك الملقب بسومان بجريمة قتل المدعو هان وزوجته لونا ووالدتها هانا عن سبق الإصرار والترصد.

ثانياً: يجرم المدّعى عليه بجرم إثارة الشغب وتشكيل جماعات إرهابية هدفها تدمير السلام الكوني.

وعليه فإن المحكمة تراه مذنباً...

وبالنظر للأدلة والبراهين وخطورة التهم المثبتة على المجرم قررنا ما يأتي:

الحكم عليه بالإعدام شنقاً قراراً وجاهياً غير قابل للطعن عن طريق النقض، صدر وأفهم علناً....

رفعت الجلسة..

 

سحب الحراس سومان وهو يهدد ويتوعد:

- سأقتلكم جميعاً، وسأقتل ذاك الصغير اللعين أيضاً، سحقاً لكم..

تنهد الجميع براحة، لكن أحداً منهم لم يستطع أن يبتسم، ليجتمع الفتيان في المقر عدا ريتشارد ليسأل هاك بقلق:

- أين ريتشارد؟

ليجيبه ليون بهدوء:

- سيأتي بعد قليل..

دخل ريتشارد، وبدا عليه الإرهاق الشديد حتى إنه كاد يسقط أرضاً، فانطلق إليه هاك وأسنده:

- ما الذي حصل؟ أين كنت؟

وبعد أن ساعده هاك على الجلوس تقدم منه ليون، وربت على كتفه:

- عمل مذهل..

ليبتسم ريتشارد بذبول قائلاً:

- ما كنت لأدعه يفلت، حتى لو اضطررت لقتل نفسي حقاً..

لكن كينغ قال بجدية:

- يجب أن نذهب للمركز الآن، أنت بحاجة لعناية طبية فائقة، هيّا..

ساعده الاثنان وأخذاه إلى المركز الطبي ليقول سيمون باستغراب:

- لم أفهم شيئاً...

فأجابه ليون:

- كلمة السر في يوماك ذاك..

شهق نوى بذهول قائلاً:

- لا تقل لي يوماك ذاك؟

- من المذهل أن يكون لديك شخص قادر على التنكر بأي شكل وبأدق التفاصيل وحتى الطباع..

قالها ليون بفخر، ليقول سيمون:

- إذن، فقد كان ريتشارد هو...

أومأ ليون بالإيجاب قبل أن يردف:

- يجب أن يبقى الأمر سراً، وإن كان سومان قد اعترف بكل جرائمه وسينال عقابه الذي يستحق..

تنهد شينغ قائلاً:

- لذلك تظاهر ريتشارد بالغضب حتى يتسنى له التنكر؟

- لا، لقد كان يوماك في الحجز سابقاً، لقد استخدم قدرة كاناريا على الاستنساخ، وجعل من نفسه نسختين، لكنه لن يكون قادراً على السيطرة الكاملة على أفعال نسخته إن وجدا في نفس المكان، لذا جعل القاضي يطرده، ثم تابع بنبرة قلقة:

- لكن للأمر مخاطر..

ليسأله سيمون بفزع:

- ماذا تعني؟

- النسخة التي صنعت تحمل طاقة ريتشارد؛ لذا فإن ريتشارد خسر نصف طاقته بهذا الشكل، وترميم هذا أصعب بكثير من حالة سام، وهذا يعني..

ليتابع شينغ بأسى:

- إن جزءاً من هدف سومان قد تحقق فعلاً..

- إنه فعلاً نصر بطعم الهزيمة....

قالها ليون بحرقة قلب لتدخل ماريا وعلى وجهها ملامح الصدمة:

- ليون..

- ما الأمر.

أخفضت ماريا رأسها بانكسار لتفجر تلك القنبلة في وجوههم:

- لقد هرب سومان...

يتبع...

الفصل الثاني: نصر بطعم الهزيمة

كانت الجموع الغفيرة القادمة من كل أنحاء المجرة لتعزية ليون والأعضاء بهان وأسرته قد احتشدت بكثافة؛ ليزحف الصمت الثقيل قاتلاً كل الحروف التي وقفت عاجزة أمام هول المصاب، لتستحلّ مكانها عبراتٌ هائمة، لكن الوضع في القصر كان أبرد من الصقيع، وأجمح من العاصفة، وأقسى من أن يصفه سيد الكلمات المنمقة، نوى ليقف صامتاً كالبقية بانتظار كلمة تنفض غبار هذا السكون المقيت، ليقول ريتشارد بهدوء جعله يبدو أكثر رهبة من جنونه:

- كيف حال سام؟

تنهد هاك بقلب كسير مجيباً:

- إنه يتحسن ببطء، لقد استهلك معظم طاقته..

عندها تبدلت ملامح ريتشارد لسخط عظيم ليقول بغضب:

- هذا سيئ، وأين كينغ؟ أليس طبيبنا؟

لكن نوى دافع قائلاً:

- كينغ يبذل جهده، لكنه استهلك طاقته في علاجنا بعد ما حصل، لقد تضرر الجميع بسبب ذلك.

تنهد ريتشارد بقلة حيلة:

- كيف سنجد جين إذن؟

لكن شينغ همس لهم بحدة:

- اهدؤوا الآن، ودعونا ننهي مجلس العزاء، أنتم تضايقون ليون.

كان ليون واقفاً أمام التوابيت الثلاثة منخفض الرأس مثقلاً بشعور مهول بالذنب:

- لم سارت الأمور بهذا الشكل؟

لم يستطع أن يجد جواباً يشفي جراح فؤاده المذبوح..

- هل سنخسر المزيد؟

سؤال تمنى أن يكون جوابه: لا.

كان يحدق به بأسًى قبل أن تعود تلك الرؤيا للتجسد أمام مقلتيه مما جعله ينتفض بشكل لفت انتباه الجميع له، فقال له سيمون:

- أخي، أنت بخير؟

بيد أن ريتشارد لم يكن منصتاً، بل لم يكن قادراً على الإنصات بعد أن استحوذت عليه تلك الرؤيا ليردد بصوت مرتعش:

- لقد كانت خمسة قبور، وهناك المزيد والمزيد...

أنهى ريتشارد جملته تلك منتفضاً وهو يتصبب عرقاً؛ ليهرع إليه نوى مسنداً إياه هو وسيمون هاتفين بخفوت:

- أخي، ما الذي أصابك؟

لكنه أخذ يرتعش بشدة عندما رآه خلفهما ليرتد إلى الخلف رافضاً:

- لا، لا، ليس هما أيضاً..

سقط ريتشارد أرضاً، وهو بالكاد يتنفس؛ ليهبّ إليه ليون بفزع ويهزه بقوة:

- ريتشارد، هيا استيقظ، ما الذي أصابك؟

لكنه لم يجب، بل بقي متسمراً في مكانه كالمصعوق قبل أن ينهار فاقداً لوعيه، مما دفع هاك لأخذه إلى المركز الطبي وسط دهشة الجميع.

في القصر لم يكن هناك إلا ماريا تعتني بسوزان، تلك الرضيعة التي لم يتسنَّ لها لمس وجه أمها، لم تتوقف الطفلة عن البكاء رغم كل محاولات ماريا لتهدئتها، ومع صوتها الصغير الحزين كانت دموع ماريا تتدفق، كانت تحملها بين ذراعيها وتدور بها، والحزن والألم يشتعل في صدرها، فلم تشعر إلا بيد صغيرة تشدها من ثوبها:

- أمي.

- صغيرتي لارا، ما الأمر؟

قالتها بصوت حاولت أن تخفي ما به من انكسار، لتسألها لارا:

- لم تبك؟

مسحت ماريا دموعها قائلة:

- أنا لا أبكي..

لكن لارا قالت بإصرار:

- لقد رأيتك تبكين، هل هذا بسبب هذه الطفلة؟

- لا، لا..

- لمن هذه الطفلة أمي؟

- إنها ابنة عمتك لونا...

- وأين عمتي؟ لم لا تعتني بها أم أنها لا تحبها؟

- عمتك سافرت بعيداً...

- هل بسبب هذه الصغيرة؛ لأنها تبكي كثيراً، صحيح؟

قالتها لارا ببراءة لتنحني إليها والدتها قائلة:

- لا يا عزيزتي عمتك تحبها كثيراً، وأنت أيضاً يجب أن تحبي هذه الصغيرة؛ لأن عمتك قالت إنها تعتمد عليك بالعناية بطفلتها في غيابها..

- حسناً، سأعتني بها، هيا أيتها الصغيرة نامي..

بدأت لارا تمسح على رأس سوزان، فتوقفت الطفلة عن البكاء فوراً، ونامت وسط دهشة ماريا:

- أحسنت، لقد قمتِ بعمل رائع.

استيقظ ريتشارد ليجد نفسه في المركز، لينتفض كيانه بمجرد تذكر الرؤيا، لكنه تحامل على نفسه ونهض ليذهب إلى العزاء، لكنه قرر الاطمئنان على سام فوجد أن سام قد سبقه إلى هناك كما توقع، فاتجه إلى العزاء، وهنا كان الهمس المكتوم يزيد كآبة الموقف، ودعت الفتيات صديقتهن، وبعدها تناوب الفتيان على وضع الزهور على القبور الثلاثة، وعندما وصل دور ريتشارد اقترب من القبر وقبَّله ثم قال هامساً:

- أعدك يا أخي أن دمك لن يذهب هدراً...

بعدها جاء ليون الذي وقف أمام القبور الثلاثة، وودعهم بصمت.

همس هاك بقلق:

- القائد لم يتكلم منذ فترة طويلة حتى إنه لم يذرف دمعة واحدة، وهذه ليست عاداته..

يجيبه نوى بأسى:

- لا أستطيع تخيل موقفه، كان اللَّه في عونه..

في ذلك الوقت كانت سفينة أرضية تجوب المجرات في رحلة سياحية، تلك السفينة كانت للربان جوليان ماكيب وزوجته سالي، كان جوليان يحاول التخفيف عن زوجته بعد خسارتهما لوليدهما الأول قبل أيام؛ لذا قرر أخذها في جولة عبر المجرات، فقد كانت سالي تعاني الكثير من المشاكل؛ لذا فإن إنجابها للطفل كان معجزة أذهلت الأطباء، لكن للأسف مات الطفل بعد أسبوع من ولادته مما أدخل سالي في حالة اكتئاب شديدة، اقترب منها بحنان وضمها من الخلف قائلاً:

- هيا يا عزيزتي ابتهجي..

لكنها أجابته والدموع لم تفارق مقلتيها:

- كيف تطلب مني أن أبتهج؟ لقد خسرت ابني بعد كل هذا العناء، لقد خسرت كل شيء..

تنهد جوليان بحزن قبل أن يقول:

- أرجوكِ، حاولي نسيان الأمر، إنه قدر اللَّه...

- أنا أحاول، لكنني..

قطع كلماتها حرقةُ الحرمان لتردف بصوت مرتعش باك:

- لا أستطيع.

كان يريد التسرية عنها، لكن رنين جرس إنذار السفينة جعله يتوقف:

- إنذار، إنذار، جسم غريب يقترب من السفينة، إنذار، جسم غريب يقترب من السفينة..

أوقف جوليان جهاز الإنذار ثم توجه إلى الحجرة الرئيسة لينظر إلى الشاشة:

- إنها كبسولة نجاة عزيزتي..

لحظات مرت قبل أن تأتي سالي وهي تمسح دموعها:

- ما الأمر؟

- هناك كبسولة نجاة تقترب من السفينة، سأجلبها ربما كان فيها أناس يحتاجون للمساعدة...

قالها جوليان، وهو يحاول سحب الكبسولة بكلابات السفينة؛ لتقول سالي بهلع:

- تبدو متضررة جداً، هل يعقل أن فيها أحياءً..

سحب جوليان الكبسولة إلى دخل السفينة، كانت البوابة محطمة كلياً، فقال جوليان بخيبة:

- لن أستطيع فتحها..

ثم أكمل وهو يفحص الكبسولة:

- لا أعتقد أن هناك أحياءً فيها، إنها محطمة كلياً..

عندها قالت سالي بلهفة:

- هل سمعت؟

- ماذا؟

- إنه صوت طفل..

أنصت جوليان قليلاً ثم قال:

- لم أسمع شيئاً..

- أنا متأكدة، لقد سمعت صوت طفل من الداخل، أسرع وافتحها..

قالتها بلهفة لا توصف، ليقول لها جوليان بنبرة محتارة ظناً منه أن زوجته تتخيل ذلك:

- لكن يا عزيزتي كيف لطفل أن ...

لكنها قالت بإصرار:

أرجوك افتحها....

لم يجادل جوليان سالي وأكمل محاولاته لفتح الكبسولة حتى تمكن من ذلك، وعندما فتحت الكبسولة دخل الاثنان ليجدا فيها طفلاً رضيعاً لم يتجاوز يومه الأول نائماً بهدوء في الداخل، نظر الاثنان إلى بعضهما ثم عادا للتحديق بدهشة في هذا الطفل العجيب ليردد جوليان غير مصدق:

- ما هذا؟

- ألم أقل لك؟

قالتها سالي بابتهاج لا يصدق، لكن جوليان قال بنبرة مذهولة:

- هذا ليس طفلاً، إنه ملاك"

حمله جوليان بهدوء بين ذراعيه وأخرجه من الكبسولة، لكن الطفل بمجرد خروجه استيقظ وبدأ بالبكاء، ارتبك جوليان كثيراً، فأخذت سالي الطفل منه وبدأت تهزه برفق، فعاد للنوم ليقول جوليان بارتباك:

- لقد أربكني بكاؤه المفاجئ..

فأجابته سالي همساً:

هذا لأنك حملته بطريقة خاطئة، نم يا صغيري الجميل...

عندها قال جوليان:

- على أي حال سنقوم بجولة، علّنا نجد أهله في الجوار..

لكن سالي لم تجب، بل ضمت الطفل إلى صدرها بسعادة، وأخذته إلى غرفتها، بدلت ملابسه وأرضعته، وعندما دخل جوليان عليها وجدها تتأمل الصغير النائم وقد وضعته في السرير الذي كان ينام فيه ابنها الراحل ليقول مبتسماً:

- هل ما زال نائماً؟

أجابته سالي بصوت حنون:

- نعم، انظر إليه يا جوليان كم هو لطيف، انظر كم يداه صغيرتان...

تنهد جوليان:

- لقد بحثت بالجوار لكن دون فائدة، حتى حطام السفينة لم أجده في كل المنطقة المجاورة، كيف وصل هذا الطفل إلى هنا؟

- لا أدري، لكنني قررت تربية هذا الطفل ما دام بلا أهل..

قالتها سالي بابتهاج؛ ليقول لها جوليان:

- لك...

لكنها التفتت إليه قائلة:

- ما دام بلا أهل فلم لا نربيه؟

لم يعقب جوليان على كلامها، لكنه تنبه لتلك القلادة التي كانت بجوار الصغير فقال:

- انتظري، ما هذا؟

فأجابته:

- إنها قلادة وجدتها موضوعة في ردائه..

فتحها جوليان ليجد فيها صورة لرجل وامرأة لم يكونا سوى هان ولونا، ومحفور على الطرف الآخر جين الصغير مع حبنا، والداك المحبان هان ولونا...

- جين، اسم جميل إذن، اسم هذا الصغير جين..

قالتها سالي بحنوٍّ وهي تداعب وجه الطفل الغافي ليقول جوليان:

- هان ولونا، كأنني سمعت باسمهما من قبل، لكن أين؟

في مجرة القوس المكسور وعندما وصل ريتشارد إلى المقر كانت شرطة المنظمة تقتاد سومان خارجاً مما جعل ريتشارد يهرع إليهم بغضب جامح ويصرخ مندفعاً إليهم:

- إلى أين تأخذون هذا الحقير؟

لكن هاك وقف أمامه:

- اهدأ يا أخي، لقد قررت المنظمة محاكمته، ولذلك سينقلونه إلى سجن المنظمة حتى يحين وقت المحاكمة..

كزّ ريتشارد على أسنانه بغضب بالغ:

- وهل يحتاج الأمر إلى محاكمة؟ ذلك الوغد قتل هان ولونا وتقول محاكمة..

لكن سيمون قال مهدئاً:

- أرجوك يا أخي، توقف، لا تزد الموقف صعوبة عما هو عليه... عندها صرخ ريتشارد بعصبية:

- وهل يعرف ليون هذه المهزلة؟

-  ليجيبه نوى:

- نعم، القائد أعطى موافقته.

ضحك ريتشارد ساخراً وهو يضرب كفاً بكف:

- رائع، رائع، وهل أنتم راضون بذلك؟

أشاح الشباب بوجههم دون رد، فقال بعصبية:

- أنتم لستم راضين عن الأمر، هل أنتم خائفون لهذه الدرجة منه حتى تحنوا رؤوسكم جبناء، جبناء حتى في قول الحقيقة، لم يعد يهمني ما تفعلون، لكنني لن أسمح لذلك الوغد أن يخرج من هنا حيا.

أشهر ريتشارد سيفه ليقضي على سومان، لكن ليون ظهر أمامه في آخر لحظة قائلاً بحدة:

- ماذا تظن نفسك فاعلاً؟

ليقول ريتشارد باستهزاء:

- جاء القائد المغوار، ما الذي أغفى عقلك حتى تترك هذا الوغد يفلت بفعلته تلك؟

لكن ليون أجابه ببرود:

- لم يفلت، لكنه يجب أن يحاكم، لسنا من يحاكم الناس هنا.

- ما الذي يحتاج إلى محاكمة، إنه قاتل ومثير للفوضى، ما الذي يحتاج محاكمة...

قالها ريتشارد بنبرة هيتسيرية؛ ليقول له ليون:

- ربما، لكنه ينكر أنه فعل أي شيء من هذا

 لكن ريتشارد ارتعش بجنون قائلاً:

- لكنه قالها أمامنا جميعا...

هز سومان نافياً قبل أن يقول:

- أنا لم أقل شيئاً، لا يمكنك إثبات أنني من فعل كل تلك الأشياء فقط لأنك وأصدقاءك تخيلتم قولي لذلك الكلام، ثم إن هان صديق عزيز لقلبي، ولا يمكنني فعل شيء فظيع كهذا له..

تلك الكلمات جعلت جنون ريتشارد يتعدى عقله ليدفع ليون والحراس ممسكاً بسومان من ياقته:

- إياك أن تلفظ اسمه على لسانك القذر...

بعدها قال ليون بحدة وهو يبعد ريتشارد عن سومان:

- ألم أقل لك أن تتوقف؟

ضحك سومان ساخراً:

- يبدو أنك أصبحت ضعيفاً لدرجة أنهم لم يعودوا يهابون كلامك..

كاد ليون يضربه، لكنه قال للحراس:

- هيا، خذوه من هنا بسرعة...

لكن ريتشارد قال بغضب:

- لن يفعلوا..

وانطلق ليهاجم سومان، لكن ليون هذه المرة وقف في وجهه مستخدماً هالته الهائلة مما جعل ريتشارد يتراجع للخلف مرغماً:

- ابتعد وإلا...

ابتسم ريتشارد بسخرية قائلا:

- وإلا ماذا؟ ستقتلني كما قتل ذلك الوغد هان؟

التهبت عينا ذليون ليصرخ بغضب مستعر:

- لا تشبهني بذلك السافل..

فقال له ريتشارد بإصرار:

- سأقتله الآن إن شئت أو أبيت...

وقبل أن يتحرك ريتشارد أطلق ليون طاقته مجدداً، لكن هذه المرة أطلق ريتشارد طاقته هو الآخر، كاد الاثنان أن يهاجما بعضهما، لكن داني وكيم وقفا بينهما وصرخا:

- أبي ماذا تفعل؟

مما اضطر الاثنان للتوقف ليقول ريتشارد:

- كيم ما الذي تفعله هنا؟

لكن داني قال متوسلاً:

- أرجوكما توقفان...

ليتابع كيم بصوت متحشرج من الألم:

- لماذا تفعلان هذا بنا؟

وقف الاثنان يحدقان بأبنائهما في ذهول ليقول كيم بحرقة:

- لقد ذهب عمي هان، ولا أريد أن أرى أحدكما يذهب أيضاً...

ليردف داني بصوت قطعه البكاء:

- يكفينا ما حصل، لم أعد أتحمل أكثر..

عندها توجه كل واحد إلى ابنه واحتضنه معتذراً قبل أن يهمّا بمغادرة المكان دون النظر إلى بعضهما، وعندما التقيا قال ريتشارد:

- لم ينته الأمر بعد أيها القائد..

بعدها تم نقل سومان إلى سجن المنظمة، وعاد الفتيان إلى المقر، كان التوتر قد طغى على المكان، وبينما ذهب شينغ إلى غرفة المراقبة كان البقية يتحدثون بين مؤيد لليون ومعارض له، ليقول هاك:

- لقد قلقت من أن يتقاتلا حقاً، هل كانا جادين؟

زفر سيمون بتوتر قائلاً:

- ألم يكن ذلك واضحاً؟

عندها قال نوى:

- أعتقد أن ريتشارد يبالغ في ردة فعل...

فقال هاك:

- لو كنتُ مكانه لفعلتُ نفس الشيء ربما...

لكن نوى قال بنبرة حزينة:

- لكن ليون خسر أكثر بكثير، وهو يتصرف بحكمة، محاكمة ذلك الوغد ليست مهمتنا.

خرج كينغ من غرفة العناية المخصصة بسام ليسأله نوى:

كيف حاله؟

رفع كينغ كتفيه بإشارة إلى قلة حيلة:

- إنه يتحسن نعم، لكن هذا يحدث ببطء شديد..

يسأله سيمون:

  • متى سيتحسن؟

فأجابه كينغ:

- أنا أقول إنه يحتاج ثلاثة أيام من الراحة الكاملة، وبعدها سنحدد الخطوة التالية، لكن الآن مجرد استخدام هالته قد يودي بحياته؛ لذلك ألححتُ على نيرا أن تقنعه بالعزوف عن فكرة البحث عن جين الآن، أرجو أن تنجح؛ لأنه لن يجده، وسيموت قبل أن يبدأ حتى..

في غرفة العناية كان سام مستلقياً على السرير، وهو في حالة يرثى لها، بينما زوجته نيرا تجلس قربه، وريوك قد وضع رأسه على صدره، ووالده يربت على رأسه، كانت آنا تراقب وضع قلبه بحذر شديد، فقال سام مطمئناً نيرا:

- كل شيء سيكون بخير يا عزيزتي..

لكنها قبَّلت جبهته قائلة:

- أرجوك، لا تتعب نفسك يا عزيزي...

ليبتسم لها سام قائلاً:

- أنا بخير.

لكن ريوك قال بنبرة تعيسة:

- لا يا أبي، أنت شاحب جدا...

رفع سام حاجبيه بذهول مصطنع قائلاً:

- حقاً.

فأجابه ريوك وهو يقلد الأشباح:

- نعم، تبدو مثل الأشباح...

ضحك سام من حركات ريوك قائلاً:

- لا تبالغ يا ولد.

ليضمه ريوك بشدة:

- أريدك أن تعود كما كنت، ولن أغضب منك إن حملت لارا بين ذراعيك مجدداً.

فقبّله سام من جبينه:

- سيكون كل شيء بخير يا صغيري أعدك.

آنا التي كانت منهمكة في مراقبة إشارات سام الحيوية، ابتسمت بفرح بعد أن أخذت مؤشرات سام الحيوية التي تتحسن بشكل ملحوظ لينظر إليها سام بامتنان:

- شكراً لك..

في تلك الأثناء كان الشباب يحكون لكينغ ما حصل بين ريتشارد وليون؛ ليقول كينغ بانزعاج:

- كل هذا حصل في غيابي؟

تنهد نوى قائلاً:

- كان الموقف متأزماً لولا تدخل الصغار.

لكن كينغ قال بنبرة مؤنبة:

- ما كان يجب على الأطفال أن يروا هذا.

زم سيمون شفتيه بامتعاض:

- لقد حصل ما حصل..

ليطلق كينغ تنهيدة عميقة قبل أن يقول:

- على أي حال متى موعد المحاكمة؟

- غداً...

قالها هاك باقتضاب ليردف نوى بقلق:

- سيكون يوماً صعباً علينا جميعاً.

عندها نهض كينغ قائلاً:

- سأذهب إلى ليون لأطمئن عليه.

ذهب كينغ إلى غرفة ليون الذي كان جالساً على سريره وهو يربت على صدر داني النائم، طرق الباب بخفة ودخل هامساً:

- هل نام؟

أومأ ليون بالإيجاب، ليبادره كينغ بنبرة حانية:

- وأنت أيها القائد كيف حالك الآن؟

لم يجبه على سؤاله، بل سأله:

- كيف حال سام؟

فقال كينغ مطمئناً:

- لا تقلق، إنه يتحسن.

ليتنهد ليون بارتياح:

- هذا جيد، اسمع يا كينغ أريد منك أن...

لكن هاك قطع كلامه، ودخل مسرعاً وهو يقول:

- تعالوا، هناك أمر مهم يجب أن ترياه..

اجتمع الجميع في الغرفة حول شينغ الذي شغل الشاشة الرئيسة قائلاً:

- لقد كنت أفكر أنه من الممكن أن يكون أحد أقمار التجسس أو الأقمار التلفزيونية قد سجل شيئاً مما حصل معنا البارحة، وقد وجدت وبعد قليل من البحث هذه الصور.

وبدأت الصور بالعرض، في البداية عُرضت صورٌ للحرس يحيطون بهان، وصورة لهان يقاتل سومان، ثم صورة لطعن سومان لهان، ليخفض الجميع رؤوسهم بحزن تدثر بالغضب، ثم عرض شينغ المزيد من الصور للقصر وهو يحترق، ثم والدة ليون التي ظهرت وهي تحمل طفلاً ثم ظهرت صورة، والسفينة تنطلق ثم تنفجر.

قال نوى بحماس:

- هذه الصور تستطيع إثبات أن سومان قد قتل هان، و....

لكن ليون قاطعه بنبرة يائسة:

- لا يمكننا استخدام هذه الصور كدليل...

رفع هاك حاجبيه متعجباً:

- لماذا؟

ليجيبه ليون بانفعال:

- لأنها مسروقة.

هز شينغ رأسه موافقاً:

- القائد محق، للأسف سيسألون: كيف حصلتم على هذه الصور، وسنقع في مشكلة أكبر..

لكن كينغ قال:

- عد إلى الصورة التي تنفجر فيها السفينة..

عاد شينغ إلى الصورة مستفسراً:

- هذه؟

فأشار كينغ إلى الصورة:

- كبر الصورة عند الجهة اليسرى، وفي الأعلى هنا...

كبرها شينغ كما طلب كينغ الذي قال:

- انظروا، ألا تلاحظون شيئاً غريباً هنا؟

عندها قفز هاك مبتهجاً وهتف:

- نعم هناك، أليست هذه كبسولة نجاة؟ ربما كان جين فيها، أليس كذلك؟ سأذهب لإخبار ريتشارد...

لكن ليون قال:

- توقف

ثم أردف بنبرة غارقة في الحزن:

- لا أريده أن يرى بقية الصور الآن، لأنه قد يجن بالفعل إن رآها.

ذهب سيمون إلى ريتشارد لإخباره بما حصل، لكنه وجده غافياً فقرر عدم إزعاجه، وقبل أن يغادر سمع صوت ريتشارد يناديه، التفت إليه ظناً منه أنه استيقظ:

- آسف، لكننا اكتشفنا شيئاً مهماً، وظننت أنك...

توقف سيمون عن الكلام عندما أدرك أن ريتشارد يتحدث وهو نائم، فاقترب منه بهدوء وهزه بلطف، لكن تلك اللمسة كانت كافية لجعله يرى جزءاً بسيطاً مما يراه ريتشارد ليرتد عن الأرض وهو يتصبب عرقاً.

حاول النهوض، لكنه لم يستطع من هول ما أحس به، مد يده إلى صدره متحسساً دقات قلبه المتهافتة، وهمس مخفضاً رأسه بانكسار لتخفي خصلات شعره الفضية تلك الدموع التي ترقرقت من مقلتيه:

- يبدو أنني التالي..

فتح ريتشارد عينيه ليجد سيمون واقفاً أمامه فانتفض من مكانه قائلاً:

- سيمون، ما الذي أتى بك في هذا الوقت؟

ابتسم سيمون بخفة قائلاً وهو يشير للصورة التي في يده:

- لقد وجدنا دليلاً على أن جين ما زال حياً..

وما إن سمع ريتشارد هذه العبارة حتى قفز من مكانه بعجالة، وأخذ الصورة بلهفة:

- أرني..

ارتسمت ملامح البهجة على وجه ريتشارد:

- إنه حي رغم أنني لا أشعر به، لكن حدسي لا يخونني..

توقف ريتشارد عند هذه الكلمة، وقال بنبرة مكللة بالشعور بالذنب:

- في أي ساعة المحاكمة؟

ليجيبه سيمون:

- ظهيرة الغد، هل ستحضر المحاكمة؟

قال ريتشارد:

- بالتأكيد..

في اليوم التالي بدأت المحاكمة، وكان سومان يقول إنه بريء من كل التهم، وإنه لم يفعل شيئاً، وبعدها بدأ دورُ الادّعاء الذي مثّله ليون الذي نهض قائلاً:

- سيد سومان، تقول إنك لم تقتل هان، ولونا، وأمي..

وضع سومان يده على صدره بأسى:

- بالتأكيد لم أفعل، كيف أقتل صديقي القديم هان؟

أمسك سيمون بيد ريتشارد الذي كان على وشك النهوض لقتل سومان هامساً:

- أرجوك اهدأ...

ريتشارد وهو يعض على شفتيه بغضب:

- ذلك الوغد.

 

تابع ليون قائلاً:

- إذن، بماذا تفسر لي وجودك قرب موقع الجريمة وقتها.

يجيبه سومان بكل براءة:

- لقد كانت مجرد صدفة، ولو كنت أدري بما حل بصديقي هان لكنت هرعت إليه مسرعاً..

عندها سأله ليون:

- ولم هربت عندما استخدم سام هالته للتعقب؟

رفع سومان حاجبيه مستغرباً:

- لا يا عزيزي، أنا لم أهرب، لقد كنت متوجهاً لحضور الزفاف، من المؤسف أنه تم تأجيله...

عم الصمت المكان قبل أن يقول ليون:

- سأقول لك ما أفكر فيه يا سيد سومان، لقد خطّطت لكل ما حصل بدقة، قتل هان، ولونا، وأمي، لكن هدفك لم يكن ذلك..

مطّ سومان شفتيه بملل قائلاً:

- بغض النظر عن أني لم أفعل شيئاً، لكن ما هو هدفي الذي تتخيله؟

يأتيه الجواب من ليون كما لو أنه يقرأ أفكاره:

- هدفك كان تشويه سمعة فرقة الحراس بأنهم غير قادرين على حماية المجرة، وهذا ما حصل..

- من المؤسف أن يحصل هذا؛ لأنني لا علاقة لي به، أنتم يا أصحاب أناس طيبون ورائعون، وهان كان أعز صديق إلى قلبي..

أنهى سومان جملته بطريقة جعلت ريتشارد لا يتمالك نفسه هذه المرة، ليصرخ كالمجنون:

- توقف عن ذكر اسمه بلسانك القذر أيها الحقير، توقف قبل أن أقطعه لك...

طرق القاضي بمطرقته بضع مرات قائلاً:

- هدوء...

حاول سيمون تهدئة ريتشارد:

- اهدأ يا أخي، أنت لا تساعد بهذه الطريقة..

لكن ريتشارد صرخ بانفعال:

- كيف أهدأ وهذا الحقير..

قاطع القاضي كلامه قائلاً بحزم:

- إن لم تتوقف فسأضطر إلى طردك خارج قاعة المحكمة.

ضرب ريتشارد الطاولة التي أمامه محطماً إياها قبل أن يقول باشمئزاز:

- ومن قال لك إنني باقٍ..

عبر ريتشارد القاعة بسرعة، وقبل أن يغادر التفت لليون قائلاً بحنق:

- سيذهب دم هان هدراً بسببك أيها المخنث..

غادر ريتشارد المحكمة، وبدأت الجلبة في المحكمة ليعيد القاضي كلامه:

- هدوء، هدوء، كل من سيعطل عمل المحكمة سيطرد منها، مفهوم..

صمت الجميع لينحني ليون معتذراً:

- أنا آسف سيدي القاضي، أرجو أن تتفهم الوضع...

- لا بأس، لا بأس، تابع من فضلك أيها القائد..

تنهد ليون بقلة حيلة، فلم يستطع سومان إخفاء ابتسامته، ليقول له ليون:

- هل أسعدك هذا؟

لكن سومان قال بحزن مصطنع:

- كم هو مؤسف حال ريتشارد، أنا أتفهمه، المسكين...

- المهم، الأهم من تشويه سمعتنا هو شيء أكثر خطورة...

تابع ليون ليسأل سومان بسخرية:

- وما هو؟

- قتل أطفال هان أو بالأصح طفل هان..

- لم أفهم..

ابتسم ليون قائلاً:

- أنت تعلم أن لونا هي أقوى شخص في هذه المجرة، وهان أقوى شخص في مجرته، وكما تعلم إن الوريث يأخذ قدرات والديه دائماً، حتى لو كانا توءمين، فإن الصبي سيرث طاقة والديه بينما الفتاة سترث نصف ذلك؛ لأنها لا تتحمل أكثر من هذا الكم من الطاقة، وهذا يعني أن الفتى الذي سيحقق السلام الأبدي في هذه المجرة كما تقول الأسطورة قد ولد فعلاً، لكنك تظن أنك قد قتلته...

تلك الكلمات خلقت موجة من الهرج والمرج في القاعة، لكن الانزعاج بدا واضحاً على وجه سومان على الرغم من تظاهره بعدم المبالاة فقال:

- ماذا تعني؟

- طفل هان ما زال حياً، والشباب في طريقهم لإعادته...

تسمر سومان في مكانه من الصدمة ليقول:

- ماذا؟

لكنه استدرك قائلاً:

- أقصد أنه خبر رائع، مبارك عليكم وعلى المجرة، لكن ما علاقتي بكل هذه الترهات؟

عندها قال ليون:

- وهناك شيء آخر..

زفر سومان بملل:

- ألن تتوقف عن هذه السخافات؟

ليقول ليون بنبرة واثقة:

- لقد اعترف رجلك...

فتح سومان فاهه بذهول قائلاً:

- رجلي؟

- يوماك، مستشارك الخاص، سيدي القاضي، هل يمكن أن تطلب من الحرس أن يحضروا يوماك؟

- أحضروا الشاهد يوماك...

دخل يوماك متوتراً إلى القاعة، وعندما رأى سومان في القفص ازداد توتره، لكن ومع كل خطوة له داخل القاعة كان سومان يشحب كمن تسحب الدماء من عروقه ليهمس بحنق:

- لم أنت هنا؟

أخفض يوماك رأسه قائلاً:

- لقد قبضوا عليّ عندما تركتني في السفينة..

عندها قال سومان في نفسه:

- لكن يجب أن تكون ميتاً، يا لي من غبي، كان عليّ قتله قبل ذهابي، سحقاً، ظننت أنهم قتلوه، ولم أتوقع أن..

قطع أفكاره صوت ليون الذي قال:

- أنت يوماك مساعد سومان؟

- نعم.

- هل تقر بأن معلمك هو من قتل هان؟

- أنا لم أر هذا..

ذلك الجواب أعاد الابتسامة إلى وجه سومان، لكن ليون تابع أسئلته:

- هل تقر بأن معلمك قتل لونا؟

- أنا لم أر هذا..

ازدادت ابتسامة سومان، ليسأل ليون:

- هل تقر بأن معلمك هو من خطط لقتل هان، واجتمع معك في هذا الشأن..

تردد يوماك فتابع ليون:

- وقال إن هدفه من هذا خلق البلبلة، وتحطيم سمعتنا ليستعيد سيطرته على المجرة..

فقال يوماك مخفضاً رأسه:

- أنا لا أعرف شيئاً...

لكن ليون قال بنبرة محذرة:

- إنكارك سيجعلك شريكاً في الجريمة، وسيكون عقابك أكبر كونك تسترت على المجرم، وقد يصل إلى الإعدام..

ارتعشت أوصال يوماك وهو يتأتئ بكلمة "إعدام.."

عندها انتفض سومان من مكانه بغضب صارخاً:

- إنه يهدد الشاهد أيها القاضي..

- هدوء، أيها القائد ليون لا يصح تهديدك للشاهد..

- أنا لا أهدده يا سيدي، ولدي تسجيل يقر به بهذا، هل تريد سماعه يا سيدي؟

- أسمعنا.

شغل ليون التسجيل ليظهر صوت ريتشارد يحدث يوماك:

- أين الطفل؟

- لا أدري، لم يكن هناك أي طفل.

- هل تكذب مجدداً؟

- لا، صدقني، لكنني سمعته يقول إنه قتل جميع أفراد عائلة هان.

عندها هتف يوماك بارتعاد متوسلاً:

- توقف، سأتكلم..

أوقف ليون التسجيل ليمسح يوماك عرقه البارد عن وجهه المختنق..

- أنا أقر بأن سيدي سومان خطط لقتل هان وعائلته، وأرسل رجالنا إلى الكواكب لنشر الفوضى فيها حتى نستطيع استعادة السيطرة على المجرة كما كنا قبلاً، ولدي الأدلة على ذلك..

عندها قفز سومان كالملسوع:

- أيها الخائن الحقير..

- آسف يا سيدي، لكنني لن أذهب للجحيم وحدي، ثم إنك من غدر بي أولاً..

- أيها الحقير، سأقتلك..

قالها سومان وهو يحاول الهجوم على يوماك، لكن ليون أوقفه قائلاً:

- لقد وقعت..

قال سومان بحنق وهو يغرق ليون بنظراته الحاقدة اللئيمة

- لكم كان ممتعاً رؤية وجه أختك وأمك وهما تموتان..

- هدوء، رفعت الجلسة حتى يتم التشاور، وإقرار الحكم..

وبعد نصف ساعة كان سومان يقف مقيداً بالسلاسل وعيناه تقطر حقداً وغضباً، ليقول القاضي:

- الجلسة الآن للنطق بالحكم، بعد التداول والتشاور ومعاينة كل الأدلة والمستجدات، حكمت المحكمة بما يأتي...

أولاً: يجرم المدعو إدوار سوفاك الملقب بسومان بجريمة قتل المدعو هان وزوجته لونا ووالدتها هانا عن سبق الإصرار والترصد.

ثانياً: يجرم المدّعى عليه بجرم إثارة الشغب وتشكيل جماعات إرهابية هدفها تدمير السلام الكوني.

وعليه فإن المحكمة تراه مذنباً...

وبالنظر للأدلة والبراهين وخطورة التهم المثبتة على المجرم قررنا ما يأتي:

الحكم عليه بالإعدام شنقاً قراراً وجاهياً غير قابل للطعن عن طريق النقض، صدر وأفهم علناً....

رفعت الجلسة..

 

سحب الحراس سومان وهو يهدد ويتوعد:

- سأقتلكم جميعاً، وسأقتل ذاك الصغير اللعين أيضاً، سحقاً لكم..

تنهد الجميع براحة، لكن أحداً منهم لم يستطع أن يبتسم، ليجتمع الفتيان في المقر عدا ريتشارد ليسأل هاك بقلق:

- أين ريتشارد؟

ليجيبه ليون بهدوء:

- سيأتي بعد قليل..

دخل ريتشارد، وبدا عليه الإرهاق الشديد حتى إنه كاد يسقط أرضاً، فانطلق إليه هاك وأسنده:

- ما الذي حصل؟ أين كنت؟

وبعد أن ساعده هاك على الجلوس تقدم منه ليون، وربت على كتفه:

- عمل مذهل..

ليبتسم ريتشارد بذبول قائلاً:

- ما كنت لأدعه يفلت، حتى لو اضطررت لقتل نفسي حقاً..

لكن كينغ قال بجدية:

- يجب أن نذهب للمركز الآن، أنت بحاجة لعناية طبية فائقة، هيّا..

ساعده الاثنان وأخذاه إلى المركز الطبي ليقول سيمون باستغراب:

- لم أفهم شيئاً...

فأجابه ليون:

- كلمة السر في يوماك ذاك..

شهق نوى بذهول قائلاً:

- لا تقل لي يوماك ذاك؟

- من المذهل أن يكون لديك شخص قادر على التنكر بأي شكل وبأدق التفاصيل وحتى الطباع..

قالها ليون بفخر، ليقول سيمون:

- إذن، فقد كان ريتشارد هو...

أومأ ليون بالإيجاب قبل أن يردف:

- يجب أن يبقى الأمر سراً، وإن كان سومان قد اعترف بكل جرائمه وسينال عقابه الذي يستحق..

تنهد شينغ قائلاً:

- لذلك تظاهر ريتشارد بالغضب حتى يتسنى له التنكر؟

- لا، لقد كان يوماك في الحجز سابقاً، لقد استخدم قدرة كاناريا على الاستنساخ، وجعل من نفسه نسختين، لكنه لن يكون قادراً على السيطرة الكاملة على أفعال نسخته إن وجدا في نفس المكان، لذا جعل القاضي يطرده، ثم تابع بنبرة قلقة:

- لكن للأمر مخاطر..

ليسأله سيمون بفزع:

- ماذا تعني؟

- النسخة التي صنعت تحمل طاقة ريتشارد؛ لذا فإن ريتشارد خسر نصف طاقته بهذا الشكل، وترميم هذا أصعب بكثير من حالة سام، وهذا يعني..

ليتابع شينغ بأسى:

- إن جزءاً من هدف سومان قد تحقق فعلاً..

- إنه فعلاً نصر بطعم الهزيمة....

قالها ليون بحرقة قلب لتدخل ماريا وعلى وجهها ملامح الصدمة:

- ليون..

- ما الأمر.

أخفضت ماريا رأسها بانكسار لتفجر تلك القنبلة في وجوههم:

- لقد هرب سومان...

يتبع...

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Feb 6, 2023 - خوله كامل الكردي
Feb 6, 2023 - معزة خوجلي السيد
Feb 5, 2023 - وليد فتح الله صادق احمد
Feb 4, 2023 - أنطونيوس عطية يوسف
Feb 4, 2023 - منال صبحي عبدالمعز
Feb 4, 2023 - نهاد محمد فؤاد ابو حجر
Feb 4, 2023 - خوله كامل الكردي
Feb 4, 2023 - محمد محمد صالح عجيلي
Feb 3, 2023 - احمد عادل عثمان
Feb 2, 2023 - احمد عادل عثمان
Feb 1, 2023 - منال صبحي عبدالمعز
Jan 31, 2023 - علاء علي عبد الرؤف
Jan 30, 2023 - محمد إسماعيل الحلواني
Jan 30, 2023 - محمد محمد صالح عجيلي
Jan 29, 2023 - ازهار محمد محمد عبدالبر
Jan 29, 2023 - د. شريف علي عبدالرؤوف
Jan 29, 2023 - أحمد السيد أحمد علي حسن
Jan 28, 2023 - أمل عبدالوهاب عبدالباري
Jan 28, 2023 - لطيفة محمد خالد
Jan 28, 2023 - فاطمة الزهراء دوقيه
Jan 26, 2023 - اشرف عواض عبد الحميد
نبذة عن الكاتب