أسطورة لوحة الصبي الباكي ولعنة الحرائق التي أرعبت بريطانيا

ما قصة لوحة الصبي الباكي؟ هل هي حقًا لوحة مسكونة تجلب الحرائق لمن يمتلكها؟ في منتصف الثمانينيات، انتشرت في بريطانيا قصة مرعبة عن لعنة الصبي الباكي، وهي لوحة فنية لطفل حزين يُقال إنها تنجو بأعجوبة من النيران التي تلتهم كل شيء حولها. هذه الأسطورة لم تكن مجرد حكاية، بل تحولت إلى هستيريا جماعية غذتها الصحافة وأججتها المخاوف.

في هذا المقال، نفتح ملف هذه القضية الغامضة، لنتتبع أصل الأسطورة، ونكشف عن هوية الرسام، ونصل إلى التفسير العلمي وراء اللوحة التي أرعبت أمة.

خط زمني مختصر لأسطورة الصبي الباكي

  • 1950 - 1970: بيع نسخ مطبوعة من لوحات الأطفال الباكين بكميات كبيرة في المتاجر البريطانية.

  • 4 سبتمبر 1985: صحيفة (ذا صن) تنشر مقالها الأول بعنوان (لعنة الصبي الباكي المشتعل!).

  • 31 أكتوبر 1985 (الهالوين): (ذا صن) تنظم محرقة جماعية للوحات للتخلص من اللعنة.

  • عقد 2000: الأسطورة تتطور وتكتسب تفاصيل جديدة (قصة دون بونيلو) عبر كتب الفولكلور والإنترنت.

لعنة الصبي الباكي المشتعل! (تقرير صحيفة ذا صن 1985)

في منتصف الليل بإنجلترا، شبَّ حريق في منزل بمقاطعة ساوث يوركشاير. تحوَّل المنزل إلى رماد، باستثناء شيء واحد: لوحة لصبي باكٍ، لم يمسها الدخان أو النار. لم تكن هذه المرة الأولى التي يُعثر فيها على لوحة لصبي باكٍ وسط أنقاض المنازل المحترقة.

في الرابع من سبتمبر عام 1985، نشرت صحيفة ذا صن الشعبية البريطانية تقريرًا بعنوان: «لعنة الصبي الباكي المشتعل!»، تتحدث فيه عن لوحة مشؤومة مرتبطة بالحرائق، مدعومة بشهادة ضابط في محطة إطفاء محلية. قال رجل الإطفاء إن هذه اللوحات كانت تظهر سليمة بشكل غامض وسط منازل التهمتها النيران في جميع أنحاء المملكة المتحدة، حرائق يقال إنها اندلعت تلقائيًا. وأضاف أنه معروف للجميع بأنه لن يفكر يومًا في امتلاك هذه اللوحة الملعونة بنفسه.

لعنة الصبي الباكي المشتعل

وكتبت الصحيفة أن الزوجين كانا قد تجاهلا التحذيرات من أن لوحتهما ملعونة. وختمت بنداء للآخرين: على الجميع أن يتخلص فورًا من لوحات الأطفال الباكين العملاقة قبل أن تحرق بيوتهم.

إذا كان تخيل لوحات لأطفال باكين معلَّقة في غرف جلوس منازل عديدة يجعلك تتوقف لحظة باستغراب، فأنت لست وحدك. هذه اللوحات، التي تُعد بقايا غريبة من فن مطبوع بكميات كبيرة، كانت متوفرة بسهولة في المتاجر خلال خمسينيات حتى سبعينيات القرن الماضي، وغالبًا ما جذبت الأزواج الشباب. ورغم أنها لم تُعدْ طباعتها منذ عقود، فإن غرابة موضوعها وقصتها الخلفية أبقت الأسطورة حيَّة، تنتقل من حكايات الإنترنت المنسوخة إلى كتب الفلكلور المحلي.

تطور الأسطورة: من الرسام الغامض وقصة الطفل الشيطان؟

زاد من غموض الأسطورة عدم وضوح هوية الرسام. اللوحات كانت ممهورة بتوقيع جيوفاني براغولين. انتشرت الشائعات: قيل إنه رسم مئات الأطفال الباكين.

وأخيرًا زعمت سلسلة كتب الرعب الشعبية Haunted Liverpool عام 2000 أن الرسام يحمل اسم فرنشوت سيفيل. تلك الخلفية التي ظهرت عام 2000 بدت وكأنها خليط من تقرير (ذا صن) ورواية جديدة: أحد الأطفال الذين رسمهم كان يُدعى دون بونيلو، ويُقال إنه أشعل حريقًا أودى بحياة والديه. ومنذ ذلك الحين، أينما ذهب تبعته النيران، حتى اكتسب لقب الشيطان.

التحقيق: هل اللوحة مسكونة حقًا؟ (التفسير العلمي)

وفقًا للصحفي والباحث في الفولكلور ديفيد كلارك، الذي بحث في أسطورة الصبي الباكي لصالح مجلة Fortean Times، هذه الأسطورة ممتلئة بالثغرات. يبدو أن جيوفاني براغولين كان اسمًا مستعارًا للرسام الإسباني برونو أمانديو. كما أن فنانة أخرى، آنا زينكيسن، قدمت سلسلة مماثلة اعتُبرت أيضًا ملعونة.

التفسير العلمي: سر بقاء اللوحة

استكشف الكوميديان ستيفن بانت الأسطورة في برنامجه الإذاعي Punt PI على BBC. عند اختباره لمقاومة اللوحة للنار، وجدوا أنها لا تحترق بسهولة. استنتج بانت أن السبب قد يكون الطلاء المقاوم للنار، لكن سبب عدم احتراق لوحة الصبي الباكي الأهم هو أن اللوحة مطبوعة على لوح مضغوط (Hardboard)، وهو مادة يصعب جدًا إشعالها، على عكس إطارها الخشبي الذي يحترق بسهولة ويترك اللوحة تسقط على الأرض بوجهها لأسفل، محمية من ألسنة اللهب المباشرة.

سر بقاء لوحة الصبي الباكي

ذروة الهستيريا: محرقة "ذا صن" الكبرى في الهالوين

كل هذه التفسيرات لم تكن كافية في عام 1985. في ذروة انتشار القصة، قررت صحيفة ذا صن تصعيد الأسطورة، وطلبت من الجمهور إرسال لوحات الصبي الباكي لتدميرها. ووفقًا لرئيس تحرير الصحيفة: «تدفقت علينا لوحات الصبي الباكي»، لكنه رفض عرضها في المكتب بنفسه. وذكرت الصحيفة: «اللوحة لعنة نارية». بعد أسبوع من أول مقال عن اللعنة، نشرت ذا صن مقالًا بعنوان: «لعنة الصبي الباكي تضرب مجددًا»، مع أن اللوحة المصورة كانت مختلفة تمامًا عن اللوحة الأولى. القصة كانت مماثلة؛ حريق عادي تحوَّل إلى حدث غريب عندما وُجدت لوحة صبي باكٍ سليمة في المنزل.

استمرت أسطورة الصبي الباكي حتى عصر الإنترنت، وأثارت حتى إنشاء نوادٍ للمُعجبين. إذا بحثت اليوم، ستجد أن النادي قد انحل، لكن هناك دليل على وجوده في 2002 محفوظ في مدونة الفنان والمبرمج ماريو كلينغمان السابقة، حيث كانت هناك مناقشات حول مبيعات لوحات الصبي الباكي ونادٍ قائم في هولندا. تعرف كلينغمان على الأسطورة من خلال فن لورا كيكاوكا، التي استبدلت عيني الصبي بإضاءات LED حمراء، وكان غموض اللوحة بالنسبة له جزءًا من جاذبيتها. قال كلينغمان: «الأسطورة إضافة جميلة… أعتقد أنني عندما كنت طفلًا في العطلات بإيطاليا في السبعينيات، رأيت هذه اللوحات تُباع في أكشاك الشوارع، ووجدتها غريبة حينها». جمع كلينغمان عدة لوحات، وكان أحيانًا يتلقى طلبات شراء أو بيع من المهتمين، ومع ذلك لا يؤمن باللعنة.

وفقًا لجيل-نينا أندرسون في بحثها عن فلكلور الفن، انتشرت أسطورة الصبي الباكي بسرعة لأن الجميع يمكنهم المشاركة؛ فاللوحات كانت رخيصة وسهلة التوافر. توسعت الأسطورة لتشمل جميع النسخ المماثلة لأعمال فنانين مختلفين، بما في ذلك لوحات «ملعونة» لأطفال وفتيات باكيات.

انتشار أسطورة الصبي الباكي

اختتمت ذا صن معظم الضجة حول الأسطورة في مقال لها بمناسبة هالوين عام 1985 بعنوان «اللهب الباكي!» على الصفحة الأولى. وادعت الصحيفة أنها أزالت اللعنة نهائيًا من خلال حريق شعلة كبيرة، أحرقت فيه «أكياسًا» من اللوحات التي أرسلها الجمهور استجابةً لندائهم. اشتعل الحريق قرب نهر التيمز، لتختفي اللعنة في الدخان. واستشهدت الصحيفة بمشرفة على الحدث، ورجل إطفاء قال، مع شعور بالارتياح: «أعتقد أن الكثيرين سيتمكنون الآن من التنفس بسهولة أكبر».

لماذا صدقنا الأسطورة؟ (تحليل نفسي وإعلامي)

انتشرت أسطورة لوحة الصبي الباكي بسرعة لعدة أسباب متداخلة. أولاً، التأثير الإعلامي لصحافة التابلويد مثل "ذا صن" التي أتقنت فن صناعة الهلع. ثانيًا، الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias) لدى الناس، حيث يتذكرون ويروون الحالات التي "نجت" فيها اللوحة، بينما يتم نسيان آلاف الحالات التي احترقت فيها بشكل طبيعي. وأخيرًا، قوة القصة؛ فالقصص التي تمزج بين البراءة (طفل باكٍ) والخطر الخارق للطبيعة (لعنة) لها جاذبية نفسية قوية يصعب مقاومتها.

كيف تولد أسطورة حضرية؟

في النهاية، قصة لعنة الصبي الباكي هي دراسة حالة مثالية عن كيفية ولادة أسطورة حضرية حديثة. إنها تبدأ بصدفة (لوحة لا تحترق بسهولة)، ثم يغذيها الإعلام الباحث عن الإثارة، وتتطور عبر الخيال الشعبي، وأخيرًا يخلدها الإنترنت. إنها تذكير قوي بأن خوفنا ورغبتنا في تصديق الغامض قد يكونان أحيانًا أقوى من أي حقيقة علمية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.