أسرار محمود سعيد

المجهول الرابض في نهاية الأفق، السابح في الكون، هذا المروع الساكن منذ الأزل في الأعماق السحيقة لكل ما هو موجود على الأرض، كان الهاجس الكبير ومصدر القلق الحقيقي لدى الفنان التشكيلي الرائد محمود سعيد، وكان كذلك محركه تجاه الفن، وللوصول إلى هذا المطلق، غرس "سعيد" أقدامه في أعماق الأرض، وأنصت جيدًا لموسيقى الكون، وتأمل طويلًا في الوجه الإنساني، وتتبع حركة البشر في رحلتهم الحياتية، متشبعًا بالضوء والظلال والألوان، ملتحمًا حد الموت بكل ما هو مصري، في سعي محموم للإمساك بالسر، لتشكل لوحاته جدارية أبدية لمصر، هذه الأبدية التي عرفها المصريون القدماء عندما اكتشفوا النقش على الحجر كما يقول الفيلسوف والروائي الفرنسي "أندريه مالرو" وقد واصلها "سعيد" طوال رحلته الفنية في لوحات: الشواديف، الصلاة، الذكر، الصيد"، عبر رؤيته الخاصة، النابعة من فلسفته الفنية والجمالية التي تقترب من رؤية الفيلسوف الألماني "كارل ياسبرز" الذي يقول إن الفن "واسطة بين الوجود المتناهي الزائل والكينونة الأبدية.. وصلة بين المواجهة والغرق الصوفي".

-         فلسفة البحر

ثمة تناقضات تنازعت روح "سعيد"، تكمن في ثنائيات: المادة والروح، بهجة الحياة وقتامة الموت، المرح والأسى، الحركة والسكون، المجهول والمرئي، وعادة ما تنقسم أعماله الفنية على هذه التناقضات، التي تمتزج معًا من خلال حوارات الضوء والظلال. هذا القلق الروحي لدى محمود سعيد أرجعته الناقدة الدكتورة ماجدة سعد الدين إلى التأمل؛ في حركة الأمواج، والمد والجزر، لا نهائية البحر والأفق، ضوء النهار، ونور القمر، امتزاج البحر والسماء، وأشارت في كتابها: محمود سعيد بين المادية والروحانية إلى أن الفنان الكبير استمد فلسفته من البحر، وتلك الدائرة اللانهائية التي تحكمه، ومن عمق الأشياء والمعاني الزاخرة الكامنة في أعماقه، ومن اللقاء الأبدي بين المياه ورمال الشاطئ. البحر الذي يصل في حسيته إلى حد الافتراس، ويرقى في روحانيته إلى نشيد كوني يعانق السماء، سكن أعماق "سعيد" ومن هذه الأعماق جاءت لوحته "عروس البحر" وكأنها قادمة من عالم بعيد، بعد رحلة في المجهول، جاءت لتستكين على الشاطئ بعينين مليئتين بالوعود، وجسد نحاسي مصقول، تقول للرائي أنا المرأة الأسطورية الخالدة، أذهب إلى البعيد وأعود لأمنحك شيئًا مني ولا أنتهي.  تتوسط "عروس البحر" اللوحة في رسوخ، يزيدها فتنة وسط أشرعة بيضاء توحي بالمجهول، وموجات لونية هائجة وثابتة في آن، وكذلك في لوحته "المستحمات" ينقلنا "سعيد" إلى عالم آخر، حيث تتألق الشخوص النسائية وتنبض على إيقاعات الموجات اللونية، وثمة محاورة بين الحركة والسكون، سكون البحر، وحركة المستحمات، هذه المحاورة أعطت بعدًا نغميًا للوحة، تردده الأشرعة البعيدة والكتل النسائية وحركة الأمواج، لنستمع إلى موسيقى البحر.

-         مقاومة الفناء

 تعد لوحات "سعيد" امتدادًا للتماثيل المصرية القديمة، التي أراد بها المصريون، مقاومة الفناء، والبحث عما هو أبدي وخالد في الفن، وذلك عبر التحرر من الزمن، وتجاوزه. هذا التحرر كان يقابله نظام أو قانون حاكم للمنظومة الفنية يكمن في هندسة البناء ودقته، في رغبة عارمة للتوازي مع النظام الكوني وهندسته، كذلك كانت لوحات "سعيد" أبنيه معمارية تتكئ على الدقة والاتزان والرسوخ؛ فالكتلة تخضع لقانون صارم، يبدو واضحًا في دقة  النسب بين الخطوط الرأسية والأفقية، وبين الكتلة وما يحوطها من فراغ، للوصول إلى نقطة "السكون". تمتد التماثلات بين فن محمود سعيد والمنحوتات المصرية القديمة إلى ما يُسمى بالإيحاء النحتي، فثمة كثافة نحتية في لوحات "سعيد"؛ إذا تأملنا شخوصه نجدها نحاسية مصقولة، وكأنها مصنوعة من طين محروق أو خشب عتيق لا يفنيه الزمن، بوجوه هرقليه، تحدق فيما وراء الأفق، للإمساك بسر الكون، وهذه الشخوص، لا تعبأ بالزمن، وكأنها أبدية وخالدة، كالأيقونات. إن هذا الإحساس بالأبدية، يبدو عارمًا في لوحات: الشواديف، الصلاة، الدروايش، الذكر، الزار؛ الفنان يثبت الزمن، ويسجل تلك اللحظات، فالحركة في هذه الأعمال، ليست دنيوية بل هي أبدية صغيرة، من خلال الخطوط الدائرية اللونية التي توحي بالمطلق، و تردد ما يستشعره "سعيد" من ديمومة الكون. وفي لوحة "الصيد العجيب" يصل سعيد إلى ذروة هذا الإحساس، فاختيار التكوين الدائري لبناء اللوحة، وفقًا لـ"بدر الدين أبو غازي" هو استحواذ على المحتوى النفسي والتعبير عن المضمون الداخلي لموضوع "الصيد" واتصاله بالمجهول، والمصير وصراع الإنسان مع قوى الطبيعة الغامضة "فالصيد يلوح في جو غامض سحري، والعائلة يحيطها جو من القداسة وإحساس فطري يجعلها تبدو وكأنها تعيش في زمن سحيق وسط أرض يطل منها نخيل انبثق في أرض غريبة وضوء نحاسي يبعث في مشاعر الرائي أحاسيس مبهمة".

-         الرؤى الأسطورية

 من البحر الكامن في أعماق "سعيد" جاءت لوحته "الدعوة إلى السفر" بوجوه أسطورية، لتأخذنا إلى عصور سحيقة في القدم، لا إلى شاطئ قريب، وهي واحدة من أروع رؤى الفنان الخاصة، تقع بين الواقعية والرمزية، فثمة غرابة على التكوين (وجه فتاة مغوي، يواجهها فتى ريفي، وكلب ضال في الخلفية) وأشعة مجهولة تحلق بنا في رؤى أسطورية. إن "الدعوة إلى السفر" هي تجسيد لرؤى المجهول الكامن في أعماق سعيد تمامًا كالبحر، وتمتد هذه الغرابة إلى لوحته "ذات الجدائل الذهبية" فثمة عالم غامض يقترب منه "سعيد" ويأتي بهذه الفتاة صاحبة الابتسامة المعسولة الشريرة، والروح الوحشية، متفجرة بالقوة العارمة والغامضة من خلال اللون البرتقالي، في حضور زئبقي مخاتل، يدفع بالرائي إلى عوالم مجهولة.

-         التجريب يفسد الروح

 في قضية التجريب والتجديد في الفن، يقول الكاتب الفرنسي "جان جينية" في كتابه "الجرح السري.. مرسم ألبرتو جياكوميتي": "لا أفهم جيدًا ما يدعى في الفن بمجدد، هل يعني ذلك أن عملًا فنيًا يتحتم أن تفهمه الأجيال المقبلة؟ لكن لماذا؟ وعلام سيدل ذلك؟ هل يعني أن تلك الأجيال ستستطيع أن تستعمله؟ في أي شيء؟ لا أتبين شيئًا من ذلك". إلا أنني أتبين بوضوح أفضل- وإن كان لا يزال غامضا- أن كل عمل فني، إذا أراد أن يدرك التناسب الأكثر فخامة فإن عليه، من خلال صبر ومثابرة لا محدودين ومنذ لحظات تشييده، أن ينزل إلى آلاف السنين، وأن يلتحق، إذا كان ممكنًا، بالليلة العريقة في القدم الممتلئة بالموتى الذين سيتعرفون على أنفسهم في هذا العمل الفني"، يقترب الفنان "محمود سعيد" من هذه الرؤية الجينية في قضية التجريب والتجديد، فسعيد لم ينشغل قطعًا بتلك القضية، لأن "الروح" وما يحيطها من غموض وسحر ووهج، هي مركز فنه، يقتنصها من الأشخاص، والأشياء، ويجسدها في الكتلة المغمورة في الظلال والنور، ليظل في عمله الفني "شيء خالد وأزلي" مكونا من الأرضي والمطلق. الروح لا يمكن إخضاعها للتجريب واللعب.

التجديد عند "سعيد"، يكمن في الاكتشافات الأكثر ارتباطًا بالروح والإنسان، تحققت عبر مغامرته التي خاضها في أرجاء الكون، وسط الموجودات التي سعى إلى اكتشاف سرها، وتجسيده في أعمال فنية خالدة.

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية