أسباب تزايد حالات الإساءة للطفل والنظريات المفسرة لها

تُعدُّ ظاهرة الإساءة للطفل واحدة من الظواهر المنتشرة في كل المجتمعات على اختلاف ثقافاتها، فهي لا تقتصر على مجتمع دون غيره، وإن كانت في المجتمعات التي يسودها الجهل والفقر والتسلط أكثر من نظيرتها المتقدمة.

ما يُعطي الموضوع أهمية أكبر أنه يتعلق بالطفل، ذلك المخلوق الضعيف الذي لا حول له ولا قوة، ولذلك كان تحرُّك المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية لوضع القوانين والمبادئ التي تحفظ حقوقه وتمنع جميع أنواع الإساءة له، وقد تجسَّد ذلك في خروج اتفاقية حقوق الطفل أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.

تزايد حالات الإساءة للطفل

شهدت السنوات الأخيرة تزايد أنواع الإساءة للطفل على الرغم من كثرة الحديث عن احترام حقوقه في الدول المتقدمة والمتخلفة على السواء. ما يهمنا بصفتنا عربًا هو حقوق الطفل في الوطن العربي الذي يشهد توترات وصراعات لا تنتهي تُلقي بظلالها على حقوق الطفل بدءًا من حقه في الحياة وصولًا إلى حقه في التعليم والرعاية الصحية.

والإساءة للطفل بوجه خاص ليست وليدة اليوم، فقد عرف التاريخ الإنساني أنواعًا مختلفة للإساءة للطفل تحت مسميات مختلفة، وسُجِلت أول حالة إساءة رسميًّا في صحيفة نيويورك تايمز عام 1814 م.

عرفت الحضارات القديمة الإساءة للطفل، إذ لم تكن حياته ذات قيمة، حتى إن بعض العادات الغريب مثل تحريم غسل الأطفال وتقييدهم، أو سحب ألسنتهم كانت شائعة في بعض الثقافات.

الثقافات الأوروبية عرفت أنواعًا وصورًا مختلفة للإساءة، ففي روما على سبيل المثال، كان من حق الآباء تحديد الطريقة التي يعامل بها طفله ويقرر بها حياته، كما لو كان الطفل ملكًا لأبيه، إذ يملك حق التصرف وتقرير المصير. أما إنجلترا فكانت الأمهات يلقين بأطفالهن غير الشرعيين في مياه نهر التايمز؛ لكي يغرقوا على مرأى ومسمع من الناس.

يُذكِّرنا ذلك بما كان يحدث للأبناء في الجاهلية، ما عُرف بظاهرة وأد البنات؛ أي دفنهن وهن أحياء؛ لأن الآباء في الجاهلية كانوا يعتقدون أن إنجاب البنات مجلبة للعار والخزي بين الناس، حتى جاء الإسلام وحرَّم هذه الظاهرة وتوعد من يرتكبها.

في القرن العشرين ومع الثورة الصناعية، تعرَّض الأطفال لنوع جديد من أنواع الإساءة تمثل في العمل لأكثر من 14 ساعة يوميًّا في المناجم، غير أن السلطات لم تكن تنظر إلى عمل الطفل على أنه نوع من الإساءة، وبذلك لم تكن تتدخل لحمايته من مثل هذه الأعمال الشاقة التي عدَّت في وقت لاحق من أنواع الإساءة للطفل.

في عام 1847 صدر أول قانون لحماية الطفل من الاضطهاد في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي عام 1924 صدر إعلان جنيف لأهمية الوفاء بمتطلبات الأطفال بعد ما شهده من مآسي في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي عام 1974 أقر الكونجرس الأمريكي قانون وقاية وعلاج الطفل من الإساءة.

مفهوم الإساءة للطفل

يُمكن تعريف الإساءة للطفل بأنها كل صور وأشكال الإيذاء النفسي والبدني والعقلي والجنسي، والإهمال في التربية والرعاية، وسوء التغذية، وعدم الرعاية الصحية، وكل ما من شأنه تعريض حياة الطفل للخطر.

وهنا على الشخص المنوط برعاية الطفل سواء كان الوالدان أو من يقوم مقامهما، أن يؤدي هذه الواجبات والالتزامات، وإلا تعرَّض للعقاب بقوة القانون.

منظمة الصحة العالمية وضعت تعريفًا للإساءة بأنها "كل أشكال سوء المعاملة الجسدية أو العاطفية أو الجنسية، والإهمال والتقصير في المعاملة أو الاستغلال الاقتصادي أو أي نوع من أنواع الاستغلال الذي يؤدي لإيقاع الأذى على صحة الطفل وبقائه ونموه وكرامته".

وكما يتَّضح فالإساءة، إما فعلية، سواء كانت جسدية أو جنسية أو عاطفية، أو إهمالًا، ويتَّضح أيضًا أن الإساءة قد تكون مقصودة أو سببها الجهل بغير قصد، ويبقى الطفل في النهاية هو ضحية هذه الإساءة سواء كانت بقصد أو دون قصد.

أسباب النزعة العدوانية

دفعت صور الإساءة بأنواعها العلماء إلى البحث وراء الأسباب التي تدفع الإنسان إلى السلوك العدواني تجاه الطفل بوجه خاص، وكان من بينها:

النظرية البيولوجية

تنظر هذه النظرية إلى الإنسان على أنه عدواني بطبعه، فقد وجدت بعض الدراسات الحديثة أنه توجد علاقة بين العدوان من جهة، واضطرابات الجهاز الغددي والكروموسومات ومستوى النشاط الكهربائي في الجهاز العصبي المركزي من جهة أخرى.

النظرية الإيثولوجية

تُفسِّر هذه النظرية نزعة السلوك العدواني لدى الإنسان، كون الإنسان حيوانًا مفترسًا ورث من أسلافه الغرائز العدوانية، وأنه لا مجال لاستئصالها من طبيعته، فهي ثابتة وغير قابلة للتغيير.

تربط هذه النظرية بين السلوك العدواني للإنسان ورغبته في التملك والسيطرة على من تحت إمرته؛ كالزوجة والأبناء على سبيل المثال، ولذا كانت الثقافة في روما القديمة على سبيل المثال تنظر إلى الطفل على أنه ملك لأبيه يحق له فعل ما يشاء نحوه.

النظرية النفسية

حاولت نظريات نفسية عدة تحليل وتفسير السلوك العدواني للإنسان، فكانت نظريات التحليل النفسي، والنظرية السلوكية، وفرضية العدوان الناجم عن الإحباط.

أنماط الإساءة للطفل

توجد أربعة أنماط رئيسة لإساءة المعاملة للطفل على النحو التالي:

الإساءة الجسدية: وتعني أي فعل يصدر من الوالدين أو من يقوم مقامهما كالجد والجدة والعم والعمة أو الخال والخالة على نحو متعمد يلحق الأذى بالطفل، والأمثلة عدة؛ كضرب الطفل على الوجه، أو الركل بالقدم، أو الضرب بالعصا أو بآلة حادة، أو تقييد الطفل، أو كيّ جسده، أو العض وغيرها من صور الإساءة الجسدية للطفل.

الإساءة الجنسية: يتضمن التحرش الجنسي بالطفل التي يُستخدَم فيها الأطفال للإشباع الجنسي من قبل الآباء أو مقدمي الرعاية له بقصد، ويدخل ذلك تحت بند إساءة الاستغلال الجنسي للأطفال أو حثهم على الدعارة أو الفسوق، وكلها أفعال مجرمة.

الإساءة الانفعالية: تعني الغضب على الطفل والتلفظ بألفاظ سيئة تؤثر فيه نفسيًّا، وتتضمن كذلك السماح للطفل بالتعاطي وغيرها من الأنشطة المجرمة.

الإهمال: النمط الرابع والأخير من أنماط الإساءة للطفل، وتعني التهاون أو التقصير من قبل الوالدين في تقديم الرعاية الصحية للطفل، والعجز عن توفير المأكل والملبس والمشرب والمأوى المناسب.

ويدخل ضمن الإهمال، ترك الطفل بالساعات أمام الشاشات بأنواعها المختلفة، ما يترتب عليه أضرار صحية ونفسية وصعوبات تعلم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة