أزمة الواجب.. لماذا نطالب بالحقوق ونهمل واجباتنا؟

العلاقات المصطلح الاجتماعي الذي يقف عليه الوجود البشري، فبمرور الزمن ظهرت أصداء تحاول إعطاءها ملامح تخدم الوجود والغاية منه، ورفعها لمستويات تستطيع أن تُقوِّض الأزمات التي تحيط بها. ولطالما آمنت بأن الأزمة نعمة، إذ إن جزأها الجميل يكمن في أنها تُثير العقول لوجود الحلول وتسطير منهجية توصلنا إلى الأهداف المرجوة. إطار العلاقات واسع، وتتنوع فيه الأطراف على مستويات عدة، ولكن لندير البوصلة قبل طرح الإشكالية إلى نموذج واحد من العلاقات، وهي العلاقة التي تربط الفرد بأمته.

معادلة العلاقة الصحية: الحقوق والواجبات

في إحدى حلقات بودكاست، سمعت أن العلاقة الصحية تُبنى على مبدأ الأخذ والعطاء، وإن عكسنا هذا القول على النموذج الذي تم طرحه وحددنا الاصطلاح المناسب لكل من الأخذ والعطاء، «فنجد أن الأخذ يساوي الحق، والعطاء يساوي الواجب»، لتجد الإشكالية طريقها نحو الصياغة التالية: «ما مدى عناية الفرد العربي بواجباته نحو أمته؟».

كرّست المواثيق الدولية والدساتير الوطنية الحقوق التي تحقّ للإنسان كحقّ الحياة والتعليم والرعاية الصحية... إلخ. وكل هذه الحقوق يُنادى من أجلها لتتحقق وتتجسد على الواقع، ولا حرج في هذا، ولكن ما مدى محاسبتنا لأنفسنا على إرساء واجباتنا نحو أمتنا؟ إن المطالبة بالحقوق وإهمالنا لواجباتنا يجعل التوازن يختلّ في هذه العلاقة.

أصل الإشكالية: لماذا يغيب صوت الواجب؟

إن مبدأ التوازن في أي علاقة كان يجعل من هذه الأخيرة صالحة وصحية وقابلة للتعايش وخلق فرص جديدة لتحقيق الغاية من الوجود، لأنه يعطي نوعًا من المرونة الفكرية والعقلية ويجسِّد الرؤى على الواقع.

ولكن ما يثير تساؤلاتي هو: لماذا لم يبلغ الواجب صداه كما فعل الحق؟ أي إن معرفة الحقوق والمطالبة بها تشكل نسبة أكبر من أن يأتي أحدهم ويتساءل بينه وبين نفسه: ما الذي يقع على عاتقي من واجب اتجاه أمتي؟

لنجد أن الأسباب تكمن في أن الفرد العربي ليس لديه استعداد ورغبة في تحمّل مسؤولية هذا الواجب، وهذا ما يجعل الواجب حبيس الكلمة. فلو أردنا تعريف الواجب لخلصنا إلى أنه «فعل يقوم به الفرد اتجاه أمته، عائلته، ووظيفته»، وهذا الفعل يتطلب عنصرين هما: السعي وتحمّل المسؤولية. فهل حقًا نحن نخاف من المسؤولية كخوفنا من تقبّل حقيقة ما؟ وهل رغبتنا بأن نسعى للإتيان به سببها عدم الاستطاعة أم قصور في الإرادة؟ تُلهمني أحد الأقوال أنه «إذا كنت تريد فإنك تستطيع»!

من الكلمة إلى الفعل: صناعة الإرادة عبر الوعي

إن قلنا إن الاستطاعة البشرية تكون بقدر الإرادة، فكيف نكوِّن هذه الإرادة التي تُخرج الواجب إلى الممارسة الفعلية؟

الإرادة تبدأ بالوعي، فلا أحد يريد شيئًا إن لم يكن واعيًا بمدى أهميته وضرورته، فالوعي هو الأساس الذي يجعل الواجب أكبر من محض كلمة تُقال. فصناعته تبدأ بدراسة القضايا التي جعلت منه يعيش حالة من الركود، والبحث في الأسباب ومناقشتها، فالعُمق في الصناعة يتيح لنا منتوجًا يرفع مستويات هذه الأمة.

وهذه الصناعة تتطلب إيمانًا حقيقيًا بضرورتها، ولكن أولًا علينا صناعة حناجر تُطالب بمعالجة أزمة العلاقة بين الفرد وأمته، وهذه الحناجر تتمثل في الأسرة والمؤسسات التعليمية بعدِّهما النواة الأولى لبناء فرد واعٍ. فالاستثمار فيهما على النحو الذي يخدم صناعة الوعي يجعل من الواجب حقيقة فعلية لا مسألة نظرية فقط، فالإسلام فطرة، ولكن هذا لم ولن يمنعنا من تعلمه، وكذلك الواجبات حقيقتها تكمن في أنها لا تُكتسب، وإنما تُعلَّم بالوعي بضرورتها والإدراك بأهميتها.

فكيف يمكن أن نمارس واجباتنا نحو أمتنا؟

مسألة واحدة كفيلة بصنع الفارق ورفع التغافل عن قضية الواجبات، وهي الاهتمام بقضاياها الفكرية، والمعرفية، والاجتماعية، والمسارات التي ترفعها إلى الرقي والازدهار، ولكن قبل هذا الاهتمام عليك أن تبدأ بذاتك وبنائها بناءً لا تهزّه نسمة دخيلة.

فنخلص في الأخير إلى أن الفرد العربي يعيش أزمة علاقات بأمته، ولكن التساؤل الذي يبقى يُثار: لماذا لم تكن هذه الأزمة نعمة ولا تزال نقمة؟

الإجابة تكمن في أننا لم نعبر بعد من مرحلة الشكوى إلى مرحلة الفعل. فالواجب ليس كلمة تُقال، وإنما هو مشروع عمل يبدأ بالوعي وينتهي بالتطبيق. وما لم يتحوَّل هذا المفهوم إلى دراسات وإشكاليات تُناقش في مدارسنا وجامعاتنا ومنازلنا، وتتحول هذه الكلمة إلى ممارسة فعلية ومسؤولية فردية وجماعية، سيبقى التوازن مختلًا، وستظل الأزمة قائمة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.