أزمة الرواية العربية بين الحداثة والتجديد الأدبي والأصالة

أعرف جيدًا أنني لست أول من يكتب في هذا المبحث، كما أعي أنني لست بآخرهم، طالما أن الفجوة بين أدبنا المعاصر وبين أدب الغرب ما زالت قائمة، تتسع وتزداد شراسة. ومهما جرى من وفاق بين أدبائنا والأدباء الأجانب على المستوى الشخصي والفني، فهذا لا ينفي أبدًا وجود تلك المسافة الفارقة بين أدب أدنى وآخر أكثر رقيًا ونضجًا.

ما زالت تلك النعرة الممجوجة تتعالى وتتكرر منذ ستينيات القرن المنصرم، وربما قبل ذلك -إن لم أكن قد أصبت التوقيت- التي تؤكد مرارًا هذا التضاد المزعوم بين آدابنا الأصيلة وحركة التجديد والحداثة، حتى ضرب هوس التقليد الأعمى للأعمال الروائية الأجنبية آفاته في شرايين الحياة الأدبية، وهو ما عمل على ترسيخ تلك المسافات الفاصلة بين آداب العالم الثالث -ولا سيما الأدب العربي- وآداب العالم المتقدم.

أصالة الرواية: جوهر يتناقض مع التقليد الأعمى

على الرغم من تأكيد أدبائنا العظام على أن لأصالة الأعمال الروائية تعريفًا ومعنًى خاصًا لا يتعارض إطلاقًا مع مفهوم التجديد والحداثة، وإنما يؤكده، فضلًا على أنه يختلف كثيرًا عمّا هو سائد من الانسياق وراء كتابات الغرب الأدبية دون الاكتراث بالفوارق الجوهرية الحضارية والثقافية.

يقول الدكتور محمد الرميحي: «حينما ينسلخ المبدع عن مجتمعه ويغترب عن بني قومه -وهو بين ظهرانيهم- بروحه وفكره وتجاربه واستلهامه، فإن إبداعه يأتي مفرغًا لا ينطوي على المضمون الحقيقي للإبداع».

ولقد اتفق الأدباء والنقاد المعنيون بالأمر على أن أصالة الأعمال الروائية تعني في جوهرها: أدبية الرواية، أي أن الرواية لا تخضع إلا لمعاييرها الخاصة والذاتية، وأنها يجب أن تبدأ من الأوطان إلى ذاتها، أو من الأوطان إلى أوطان أخرى. ما يعني الثقة في الهوية، واستقصاء المنبع، والحفاظ على الجذور الأصيلة، وهو ذاته مفهوم التجديد والحداثة في كل أوجهه وجوانبه.

ولا تعني إطلاقًا محاكاة الأدب العالمي المتقدم، وأن الحداثة والتجديد والتقدمية -بمعناها الحالي السائد- ما إلا أكذوبة كبرى، غرق في أغوارها كثير من الأدباء، وما ترمي في الأصل إلا لتحقير الذات وفقدان الهوية.

وما زال مثل هؤلاء الأدباء في وهمهم الأعظم، بل وازداد الأمر فجاجة وحمقًا في السنوات الأخيرة، منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وخاصة بعد أن قرّب كثيرًا بين الحقول والدوائر الأدبية المحلية والأجنبية، وأتاح آدابها جيئة وذهابًا بين أطرافها.

يقول أورهان باموك: «بوسع أيّ كاتب الكتابة بطريقة شديدة الخصوصية، وملهمة وأصيلة عن المكان الفريد الذي يحيا فيه، ومع هذا يمكن أن يكون كاتبًا عالميًا، يقرأه الجميع في جميع أنحاء الأرض».

ومعارض الكتب الأخيرة بالدول العربية -خاصة- الدليل الأكبر على هذا الوهم الذي يعيشه السواد الأعظم من الكُتّاب، وبنظرة سريعة على عناوين الأعمال المعروضة حاليًا، ستعي عزيزي القارئ ماذا أقصده وما أرمي إليه. فلقد أجهضت أكثر الأعمال الجانب الحضاري والثقافي لشعوبنا، واغتمرت بوهم تماهي حضارات المشرق والمغرب، وأن ثورة الاتصالات المتنامية بخطًا مذهلة قد أذابت الثقافات وقرّبت المسافات.

هوس التقليد: تزييف الأدب وفقدان البصمة الحضارية

الجميع دفن رأسه وغمرها بالرمال -بوعي أو دون- متجاهلًا تلك الفوارق الحضارية وذلك الصدام القديم الجديد، وباتت محاكاة الآداب الأصيلة للدول المتقدمة المفتاح السري للانتشار والرواج السريع، والشهرة... بل والمال؟! بعد أن أضحى الأديب مليونيرًا على أكتاف روايات «الموضة - الموجة - الترند»، فصار محط أنظار الكُتّاب الجدد الطامحين إلى الثراء السريع.

وفي إثر ذلك، عزف أغلب كُتابنا الصاعدين عن تناول الموضوعات المطروقة والمكرورة في أدبنا العربي، وليتهم فعلوا ذلك واعين، بل تخلّوا عن أكثر الموضوعات أصالة، وارتموا في أحضان أدباء الغرب مقلدين ومحاكين دون وعي أو إدراك. استعاروا أساليبهم كمن يستعير رئة غيره ليتنفس، فأُسقطوا في فخاخ النسخ، بل المسخ والتشويه. مرّوا برموز حضارات العالم وثقافات الشعوب الأخرى وموروثاتها، يختلسون لقطة فريدة من هنا، ورمزًا أثيرًا من هناك، ليصيغوا بالنهاية من هذا المزيج الشاذ مسخًا اسمه رواية.

تحديات اللغة والقواعد الفنية

ليت الأمر قد توقف عند هذا الحد، فلقد تحرروا من أغلب القواعد الفنية للكتابة الأدبية بزعم التجديد والابتكار، وجهلوا تمامًا أن الابتكار والإبداع الأدبي -على الرغم من أنهما يقتضيان التحرر من قيود المعروفات والمألوفات في الكتابة الأدبية السائدة- فإن ثمة خطوطًا فاصلة أساسية، وقواعد تصنع الفوارق بين جنس أدبي وآخر، يصعب تخطيها وتجاهلها بهذه السهولة، وإلا تحولت الرواية لصنف أدبي آخر غير كونها رواية.

قواعد الكتابة الأدبية

فضلًا على تخليهم عن اللغة الأم -اللغة العربية- وقواعدها الحاكمة، وروحها الملهمة المؤثرة، وقد تناولنا هذا المبحث سلفًا. واستقطاب أنماط من الاصطلاحات الأجنبية، أو الغريبة على لغتنا، وربما لا تنتمي إلى أي لغة أخرى، وكأنها شفرات أو رموز أو أشباه اصطلاحات. وكذا ميلهم إلى الكتابة التقريرية والمباشرة، ومن ثم باتت كتاباتهم الروائية تخبرنا بالحدث بدلًا من أن تصوره لنا، وتلك الهُنَّة أُسقط في فخاخها الكثيرون، ما أدى بالرواية في نهاية الأمر إلى متاهات من الغموض والثرثرة، وهذا لا يصنع أدبًا أصيلًا بأي حال من الأحوال.

لقد باتت تلك الحداثة المدعوة محض افتراءات، واتجاهًا استعراضيًا مفتعلًا ومنتحلًا، بدعوى الابتكار وإعادة صياغة الخطاب الروائي بما يواكب العصر، لتجد أن أحد النقاد الحاذقين يعرّف الكتابة الجديدة بأنها: «تأتي تماشيًا مع إيقاع الحياة المعاصرة، وأنها الكتابة التي تحطم اللغة السائدة وتترك مجالًا أوسع للقارئ».

وفي الحقيقة فإن هذا الرأي يفتقد للدقة تمامًا، فضلًا على دسه للسم في العسل، فما الأمر على هذه الشاكلة بالكلية، فالأصالة والتجديد في جوهرهما إنما يعنيان تأكيد بصمة كل كاتب، النابعة من أصوله ونشأته وحضارة بلده وثقافة شعبه، لا مواكبة العصر وتقليد رموزه البارزة تقليدًا أعمى.

فما أمر استقطاب بيئات أجنبية للرواية بالطفرة التي تقدم جديدًا أو تمايز بين سائد ومبتكر، فما لم نسمع يومًا عن روائيًّا عظيم قدّم عملًا أصيلًا تعيش أشخاصه في بيئاتها بعادات وموروثات أجنبية مجلوبة من بيئات أخرى. حتى تلك الروايات التي تتناول قضايا المهجر، لم تندمج عادات أبطالها المغتربين -المنتمية إلى أوطانهم الأصلية- مع عادات البلاد الأجنبية، إنما عاشت أشخاص تلك الأعمال تتوق إلى أوطانها، وللعادات التي نشأوا وتربوا عليها، كنوع من التعبير عن الاغتراب المكاني.

أمّا أن تتماهى الشخوص في بيئات غريبة عليها، تتبنى عادات هي في الأصل لا تنتمي إلى جذورها، بدعوى أن التجديد يقتضي الانطلاق خارج الأطر الإقليمية، فليس هذا انطلاقًا أو تجديدًا على الإطلاق، إنّما هو مزج لأنماط مغتربة لا تقبل التماهي أو الاختلاط، الأمر الذي يؤدّي بالقارئ في نهاية الأمر إلى شعور غريب من النفور نابع من هذا الافتعال المستهجن والمنكور.

ولكم أصابني شديد الأسى والحزن عندما طالعت بعض الأعمال ـ على سمعة كُتّابها الذين حققوا رواجًا وشعبية منقطعة النظير، ووجدت الإحباط وخيبة الرجاء يضربانني من كل اتجاه، لم أستطع إكمال ما يعدو عشرَ صفحات، وليت الأمر أني شعرت بالاغتراب على متون تلك الروايات، فالاغتراب في النهاية أحد تيمات الكتابة الروائية، بل أصابتني حالة من الارتباك غير مفهومة، وخليط من الشتات والترح والصدمة... وغيرها من الأحاسيس التي كادت أن تدمر كل ما ألفته عن الكتابات الأصيلة، وتساءلت كثيرًا وطويلًا: كيف حققت تلك الأعمال هذه الجماهيرية، وهذا الصخب الذي يكاد يصمّ الآذان؟!

وفي واحدة من تلك الروايات، رأيت بخيالي شواهد بلاد أجنبية نعهدها من أفلام الرعب والروايات المترجمة، تجول بينها وفي طرقاتها ودروبها شخصيات عربية، تعتقد تمام الاعتقاد في عادات تلك البلدان الثقافية والاجتماعية والدينية، بل وتشعر بالحنين لموروثاتها. كان الراوي يتناول الأحداث وكأنّه يتجوّل في شوارع القاهرة وأزقّتها، الأمر الذي أشعرني وكأنّ الكاتب مصاب بنوع من الفصام، أو تلبّسته روح غريبة تتناسخ من جسد إلى جسد وتتنقل من مكان إلى مكان، تحمل اعتقادات أوطانها دون أن تأبه بوطن الجسد الذي تلبّسته. وللأسف، فإنّ هذا النوع من «الأدب» منتشر وبشدة، وستجده على أرفف أقرب مكتبة لك.

يقول الأديب الياباني هاروكي موراكامي: «لا أحب الكتابة عن أناس غريبين في بيئات غربية، بل أرغب في الكتابة عنا نحن وحسب، عن اليابانيين».

الحداثة المزعومة عُقد نفسية واستعراض فارغ

الحداثة، التجديد، التقدمية، العالمية... إلى آخره، إنّما هي اتجاهات لا ينبغي أن تشغل بال الكاتب كثيرًا، لا يجب أن تكون هدفًا أساسيًّا ترمي إليه الأعمال الأدبية، وذلك أن الأديب يكتب بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى، وبصرف النظر عن المدى الذي سيطوف به العمل. كما أن تلك العناوين البرّاقة لم يعد لها الآن معنى محدّد يمكن فهمه واستيعابه جماهيريًّا بما يتفق مع المفهوم الأدبي.

لقد باتت اصطلاحات مجوّفة ونعرات خرقاء لا مغزى لها ضمن ما يتبناه أكثر كُتّابنا منذ ما يفوق ستة عقود من الزمان مضت، كما لا صلة لها بمقتضيات العصر كما يظنّ الكثيرون، بل صلاتها تتعلق بالأصول والأوطان، الأمر الذي يقتضي من كُتّابنا تطعيم أدواتهم الكتابية بكل ما هو إنساني وجوهري، والتحصّن من الانبهار المبالغ به بآداب العالم المتقدم، فهي بالنهاية تعبر عنهم لا عنّا. كما أن هذه الاصطلاحات المقعّرة بمثابة عُقَد نفسية تتوارى تحت ستار من مرض عضال اسمه التجديد الأعمى.

لكنه، وفي ذات الآن، إن استطاع الأديب أن يتعاطى مع التجديد والحداثة بمعناهما الأصلي ومفهومهما الجوهري غير كونهما وسيلة للمقارنة أو المحاكاة أو مناهزة العالمية، فإنّه سيجد أنّهما يمثّلان اتجاهات ومناحٍ ذات معنى وجوهر، يستأهل العناء والنظر برويّة بعيدًا عمّا ألفه وورثه أغلب الكُتّاب.

فلقد عهدنا بمتابعاتنا لتاريخ الأدب، أنه من أدبائنا العظام -وهم كُثُر- من قدّموا أعمالًا أصيلة تعبّر عن أوطانهم ببيئاتها وأصولها وموروثاتها، وكانوا ملوكًا للحداثة والتجديد في عصورهم، ولم يسعوا أبدًا إلى العالمية، بل هي أتتهم راغمة في ذهول ودهش من جدية وأصالة ما قدّموه، وذلك من خلال الترجمات التي أسهمت فيها ظروف معينة عكست قيمتها الفنية.

كتاب عظماء والعالمية

ما يؤكّد مرارًا وتكرارًا أنّ التجديد لفظة مرادفة للأصالة، وكلاهما يبدأ من الداخل، من أعماق الكاتب وقاعه وجوهره، وذاته الموصولة بأصلها والعميقة بماضيها، والطاهرة من شوائب الاغتراب، لا من حيرته الداخلية الممتزجة بشعور النقص أمام مُدهشات العصر. فلسنا ككُتّاب ضيوفًا على مائدته، بل جزءًا من شهية إعادة صياغته، ويجب أن يبدآن -الأصالة والتجديد- أيضًا من وعاء الأديب الذي يحتويه، وطنه وبيئته الأصلية، بما صبغها الدهر من عادات وموروثات لا تدين لغيرها بولاء أو انتماء، مهما رفضها الآخرون.

الغزو الفكري وصمت المبدعين العرب

كثيرون من أدبائنا لا يتنبهون إلى أنّ ارتباطهم بجديد الغرب وحده، وتعوّزهم الدائم لروافد من المدينة الغربية الحديثة والانتهال من ثقافتها، هي ضمن ذرائع الغزو الفكري شديد النفوذ لأصالتنا، تلك الذرائع التي تجوس عقولنا بأفانين الحيل والاستدراج والاقتدار والدعاية لتعبئتها بما شاءت، دون أن تعطي فرصة للتكافؤ بين أفكار أدبائنا وبضاعة «الخواجات» التي دومًا ما تدقّ طبول الدعاية وأجراس الإعلان، وتتألّق بأفكارها الأنيقة الخلّابة لتخطف الألباب قبل الأبصار، وذلك كلّه ليسلبوا أدباءنا عنصر الأصالة -مناط جديّتهم وكفاءتهم- بدعوى مسايرة العصر.

يقول الأديب خليفة محمد التليسي: «ما نشكو نحن منه، تشكو منه شعوب أخرى وأمم أخرى، وبعض هذه البلدان التي نزعم ويخيّل إلينا أنّها تصدّر إلينا هذه الظواهر -يقصد التغيّرات الأدبية وكساد مبيعات الكتب- هي نفسها تشكو منها، فأنت لو تتابع الصحافة الأجنبية العالمية تجدها ترصد الأزمات نفسها، وستجدهم يجأرون بالشكوى ذاتها، حتى الذين نتوهّم أنّهم يصدرون إلينا ثقافات معينة، أو نتخيل، متفرّغون لغزونا ثقافيًّا».

إنّ الربط غير المبرر، ودون ما تقتضيه الرواية بين رموز المشرق والمغرب الحضارية والثقافية، إنما يفصل الأديب عن وعيه الأصيل وأصول مصادره ومنابعه ومراكز تعبئته الفكرية الأحق بالعناء، بل ويشوّه أعماله الأدبية بشوائب دخيلة لا داعي لوجودها أو التشبث بها، ويسمح للمتربّصين أن يبتروا إبداعاته من جذورها ويطمسوا هويتها ويطمروها، أو يبذلوها لتجّار الأفكار يهدرون حرمتها، وليس كما يظن أغلبهم بأنّ هذا التعلق جسر يربط ويقارِب بين القديم والحديث، تراثنا ومعارف العالم المتقدّم الغالبة.

وما لبثت أن فشلت تلك الدعوات… حتى خاضوا في إثرها معركة أخرى، إذ دعوا إلى إبقاء اللغة العربية، ولكن مع كتابتها بالحرف اللاتيني، لتتغرّب الأمة بالكامل قوميًّا ودينيًّا وتراثيًّا.

الحضارة العربية: نور على الرغم من تحديات التغريب

لم ينكروا حقائقنا التاريخية وحدها، بل تنكّروا لحقيقة التمايز بين حضاراتنا وأممنا وحضاراتهم وأممهم في أنماط التقدم والتطور، بل حُسِب علينا هذا التخلف الموروث قهرًا وظلمًا وعدوانًا من نظم وأحقاب الترك والمماليك، متجاهلين دهورًا كانت فيها شمس العلم والثقافة لا تشرق إلا من الشرق، ومتكئين على نهضتهم وقفزتهم الحضارية الحديثة بعدما انقلبت الأوضاع وباتت ذات الشمس تشرق من الغرب، وباتوا هم المخلِّصون لنا من أوحال الجهل والتخلف والتغييب التي اغتمرنا فيها غمرًا.

لم يَعِ هؤلاء وعملاؤهم المغترون ببريق بهرجتهم، والداعون إلى التنميط والتطبيع الثقافي العربي الغربي، أن لنا نموذجنا الحضاري المتفرّد، فانْساقوا وخُدعوا بنماذجهم وتوصياتهم وقِيلاتهم، واندهشوا بزخرف دعاويهم، لنرى بعضهم يصرخ بِمِلْءِ فيه: «أنا كافر بالشرق، مؤمن بالغرب… وهذا هو مذهبي، أعمل له طول حياتي سرًا وجهرًا».

والغريب في الأمر، ومما ساعد هؤلاء على امتطاء بعض إبداعاتنا الأدبية، أنه في كثير من الأحيان، يوجد كُتّاب غربيون يقرؤون كتبنا -التي لم يُصِبْهَا حظًّا موفورًا من القبول والانتشار، ويأخذون أفكارها فيعيدون صياغتها، وما إن يتم ضخها في سوق الكتاب، حتى تسري بسرعة مذهلة لتنتشر عبر بقاع العالم، وذلك أن الكاتب العربي غير معروف عالميًّا، ثم إن أجهزة الإعلام لا تخدمه مثلما تبذل خدماتها مجانًا للكاتب الغربي -إن هي أُتيحت لها الفرصة- فضلًا على أن كُتّابنا النوابغ قلّة وضعفاء في وضعيّتهم الموضوعية، الحال التي يسهل في ظلالها سلبُ الأفكار وانتهابُها منهم، دون أن يجترئوا على الصراخ بأحقيتهم لها، فمن ذا الذي يصدّق كاتبًا عربيًا مجهولًا ويكذّب كاتبًا غربيًا ذا مصداقية موثوقة ومقروئيةٍ رحبةٍ؟! وتلك أيضًا حقيقة.

ومن جملة الحقائق المؤلمة والأكثر أهمية، أن وعينا بات أكبر وأشمل مما يتحقق لنا، ولهذا الأمر علّات كثيرة للغاية، يعيش الكاتب والمفكر العربي في لجاجها مصارعًا حتى الموت، ولكنه دومًا ما يخسر؛ لأن بني جلدته لا يؤمنون به وبنُبل فكره ورسالته، ولا يدعمونه، لا قراء ولا دارسين ولا مسؤولين، وهو أعزل في واقعه العربي، وليست لديه إمكانيات، ليولّي هؤلاء اهتمامهم هناك – نحو الغرب. وهي مفارقة وحقيقة أخرى موجعة جديرة بالتأمل.

صراع الكاتب العربي

«من كثرة التواء أعناقنا نحو الغرب، أدبًا وصناعةً وتهذيبًا… كادت رؤوسنا أن تنفصل عن أعناقنا. فالأمة التي تبدأ في لحظة ما… الخوف من أفكارها، فإنها في حقيقة الأمر… قد بدأت العيش في تدهورها وخذلانها» مستوحى.

وأكرر: «لقد نسي أو تناسى هؤلاء، أن العربية كانت يومًا ما لسان العلم والآداب والفنون العالمية»، وأننا كنا أهم روافد الحضارة الإنسانية، في حين كانوا هم منغمسين في غياهب الجهل والتخلف والخرافة. ولسنا بالباكين على الأطلال، ففي جديد حضارتنا من أبهروا العالم بعظيم منجزاتهم، من علماء وكُتّاب وفنانين، روادًا استعانت بهم مؤسسات الدنيا، لتنهل من واسع معرفتهم وعميق عبقريتهم. ومن لا يعرف، فلينقّب… وستُبهره نماذجنا المشرّفة، التي ما سلمت من حروبهم وتربّصهم إن هي حادت عن طريقهم، في محاولة لإجهاض كل خطوة حضارية تُحسب لنا.

التجديد الأصيل سبيل الأدب العربي نحو المستقبل

وعلى الرغم من دعواتنا السابقة للوعي بمحطّ أقدامنا ضمن الآداب العالمية، وأن الحداثة تعني تأصيل كتاباتنا بجذورنا وأصولنا، فإننا لا نقصد بعناية الحداثة والتجديد بأصالة الأعمال الأدبية ألا تتخلص من ثقل الفكر التقليدي المهيمن على الآداب المحلية؛ فإنه من أهم مرامي الأصالة التخلص من الأثقال التي قد تشوب كفاءتها وجديتها، حتى وإن كانت متجذّرة إلى أقصى الأعماق.

وهذا جنبًا إلى جنب مع التركيز على الجوانب الابتكارية، باستيعاب المناهج السائدة ثم إعادة صياغتها وصقلها بالتجديد والإبداع. ثم إن أمر التخلص من أثقال النمطية لا ينفي ما سبق تقديمه عن مفهوم الأصالة المرادف لمرامي التجديد، بل يبحث عن حلول تكفي لتخليص الأعمال الأدبية من أزماتها وإشكالياتها المزمنة، وكذا طريقة لتجديد الخطاب الأدبي -بما يعنيه من فنية وقيم وفكر- في إطار الآداب العربية وخطوطها الأساسية، فضلًا على إيجاد طريقة للتواصل الأمثل بين حضارتنا وبين حضارات العالم وتطوراتها الحديثة، دون المساس بأصالة إنتاجنا وجذورها.

ولعل أكثر ما يطمح إليه أدبنا المعاصر ورواده، أن تتخطى اللغة إلى حدود ما لا تعبّر عنه -التي لا تنطق بقدر ما تحفر- وأن تتجاوز الكلمات إلى الحياة، وأن يعرف أدبنا كيف يكون جوابًا عن تحديات العصر، وأن يجد حيويَّته في السؤال لا في الجواب، وفي المجهول لا في المعلوم، وفي اللامنتهي لا في المنتهي، وأن يتناول الفكر الذي يَرُجُّ ويُقلق، فيثور ويُغيّر ويتغيّر.

حتى لا نطيل أكثر من ذلك في هذا المبحث، ولا نحيد عن بيت القصيد، فإن الكتابة الروائية في النهاية لا يجب أن تكون إلا من أجل الكتابة، لا بحثًا عن شيء آخر. وعلى الرغم أن الأصالة أو التجديد مسعى جذري لكل كاتب جاد، فإن العمل هو الذي يفرض قيمته بقدر ما بُذل فيه من عناء، وما تحرّى كاتبه من جدية وكفاءة ومصداقية، ما يعني في النهاية احترام القارئ وتقديره على المستوى الفكري والعاطفي، بصرف النظر عن أية اعتبارات أخرى.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.