أزمة الثقافة العربية الحالية وغياب المثقفين الفعلي

منذ القرن التّاسع عشر وحتّى يومنا هذا يمرّ العالم العربيّ بأزمة ثقافيّة وحضاريّة، ولعلّ دراسة تاريخ الحضارة الإسلاميّة تُظهر أنّ الأخيرة كانت نقطة انطلاق وتحوّل في المجتمع الغربيّ من خلال التّرجمة، ودراسة الثّقافة العربيّة، ودراسة الحضارة الإسلاميّة.

فلا يمكن للوعي العربيّ أن يرفض أو يقبل الوعي الغربيّ؛ لأنّ المجتمع العربيّ لا يزال يعاني من تمزّقٍ أيديولوجيّ مستمرّ، وهنا نجد المثقّف العربيّ يتجاهل دوره الحضاريّ في المجتمع البشريّ.

قد يهمك أيضًا

إحسان عبد القدوس فارس الرومانسية ومنصف المرأة

 

الثقافة العربية تفقد معالمها

نحن نعاني من الانحطاط والتّسمّم في الثّقافة العربيّة في مجتمعنا؛ لأنّها تابعة للثّقافة الغربيّة، ومجرّدة من الهويّة والثقافة العربية الّتي أصبحت متناقضة القيم والمبادئ.

كما أنّ تضارب قيم معيّنة يمكن أن يؤدّي إلى حواجز نفسيّة في جوهر الشّخصيّة العربيّة، خاصّةً وأنّ الشّخصيّات الإعلاميّة لها هذا الدّور في طمس الهويّة العربيّة، كما تعرّض المجتمع العربيّ لعدّة اعتداءات ثقافية لمحو هويّته الثّقافيّة.

ما هو دور الثّقافة والمثقّفين في حل الأزمة الّتي يعيشها العالم العربي حتّى الآن؟

وفي سياق الحديث عن أزمة ثقافيّة بوجود البيئة الاستبداديّة الّتي تعيشها المجتمعات العربيّة الحديثة، ووجود أيّ شكل من أشكال الثّقافة العربيّة الشّاملة ذات الطّابع المعرفيّ.

وقد عرف المنظّر والمفكّر الجزائريّ "مالك بن نبي" -رحمه الله- أنّ معاناتنا تنبع بالدّرجة الأولى من الثّقافة، لذلك جعل القضايا الثّقافيّة محور فلسفته، وسعى في توضيح المشكلة من جميع الجهات، والبحث عن حلول مناسبة على عدّة مستويات.

بينما لا نزال نعارض المشكلة الّتي ربّما تكون قد زادت حدّتها بسبب معضلة التّفكير والتّصرّف في ثقافة الأزمة، فثمّة ثقافات تسعى إلى غزونا من الخارج دون إدراكٍ ووعيٍ، فإذ بنا نسقط في شرك ما نصب لنا، ويسهل عندها التهامنا.

إنّ الثّقافة الّتي نريدها ثقافة لا تفصلنا عن تراثنا أو شعبنا أو عصرنا، ثقافة علميّة وفكريّة لها وعي ذاتيّ يتجنّب الغرق في الماضي أو إبهار المستقبل.

وهي ثقافة ولدت من احترام الإنسان لقدراته ورؤيته للمستقبل، فالافتتان بالتكنولوجيا الغربيّة يسعى إلى عزلنا عن الواقع وتقويض إحساسنا به تحت وطأة عقدة التّخلف والنّقص ممّا يضعنا في موقع المثقّفين الّذين يستهلكون ثقافة الآخرين لا غير.

قد يهمك أيضًا تربية ثقافة الإتكالية موروث وعادة اجتماعية

السبب وراء أزمة الثقافة العربية

وبالطبع هناك العديد من الأسباب وراء الأزمة الثّقافيّة الّتي نمرّ بها اليوم، ومن بين هذه الأسباب سنذكر ثلاثة:

·  السّبب الأوّل هو تهميش قطاع التّعليم الّذي يتعارض مع قيم المجتمع، والتّحيّز ضدّ المبادئ الّتي يقوم عليها، على غرار أنّ قطاع التّعليم من القطاعات المهمة الّتي يبني الأفكار ويصقلها ويقودها نحو الحضارة.

·  أمّا السبب الثّاني هو تراجع النّخب السياسيّة، فلم يتحمّلوا المسؤوليّة ويقوموا بالمهام من خلال العمل الجادّ وإيجاد الأسباب، فقطاع التّعليم يفتقر إلى مستوى الإشراف والتّوجيه الثّقافيّ على سبيل المثال.

·  السّبب الثّالث هو الاستبداد الثّقافيّ، فلا يمكننا أن نلوم الغرب على فشل إصلاحنا السياسيّ، وعدم فهمنا للصّراع بين الشّرق والغرب الّذي لا يقوم على مبدأ الدّين فقط، ولكن يقوم على مبدأ صراع الحضارات، فأحد الأطراف يفرض هيمنته الثّقافيّة، وبذلك يحوّل الغرب إلى قوّة عالميةٍ.

إنّها تفرض ثقافتها وحضارتها ممّا يؤدّي بطبيعة الحال إلى فشل أيّ محاولة للتّغيير السّياسيّ أو الثّقافيّ أو الفكريّ.

وهذا يتعارض مع مبادئه ويشكّل تهديدًا لوجوده ذاته رغم أننا هربنا من الاستعمار العسكريّ، فإنّنا ما زلنا مستعمرين ثقافيّاً، لا يمكن لأيّ مجتمع أن يقف بمفرده ما لم يتمكّن من استعادة ماضيه الثّقافيّ أو إعادة بناء الثّقافة الّتي تعبّر عن هويّته وشخصيّته.

الثّقافة كوسيلة لإنقاذ الجماعات هي نتاج عوامل تاريخيّة واجتماعيّة وسياسيّة واقتصاديّة مختلفة قد تكون موجودة في واقع وغير موجودة في واقع آخر.

وتتمثّل مسؤوليّة المثقّفين العرب اليوم في لعب دور بناء الحضارة والثّقافة للوصول إلى الجانب الآخر من الحضارة العالميّة والرّقيّ، لا ينبغي أن تمحو شخصيّتك فيه.

وهذا لا يمكن تحقيقه إلّا من خلال الإيمان بأن التّعاون الثّقافيّ لا يمكن تحقيقه إلا من خلال روافد الثّقافة الّتي يمرّ بها في أرضه ومنزله وتراثه، وقدرته على استيعاب التّجربة والقيام بها، كلّ ذلك مع العلم والطريقة المدروسة لتطويرها.

 قد يهمك أيضًا

-قراءة في كتاب موسوعة النظريات الأدبية للدكتور نبيل راغب

-التربية والثقافة أو مسألة المعنى في عالم إشكالي

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة