أزمة الأدب في مصر الحديثة وأسباب تراجع المواهب الأدبية

على الرغم من شهرة مصر الفائقة في أنها بلد الأدباء والمفكرين، فإن مصر تعاني منذ نحو ثلاثة عقود من فقرٍ أدبيٍّ في إنتاج المواهب وليس في إنتاج الكتب. فإنتاج الكتب وفير، لكن إنتاج الأدباء زهيد. وفي محاولةٍ متواضعةٍ مني لتحليل السبب وراء كثرة إنتاج الكتب وقلة عدد الموهوبين المؤثّرين أو ذائعي الصيت، إذ عددهم لا يزيد على عشرة أدباء بكثير ممن نسميهم أصحاب شارة «البيست سيلر» -أي الأكثر مبيعًا- وعشرات آخرين في مرتبةٍ ثانيةٍ معروفين في الأوساط الثقافية ولهم جمهور فعلًا، لكنه مهما كبر في أعينهم فهو محدود جدًا بالأرقام كمبيعاتٍ وتأثير.

وفي المحصلة، لا نزال لم نجد قاماتٍ أدبيةً جديدةً تناطح قيمة وقامة أدباء عمالقة ذائعي الصيت كأديب نوبل الكاتب الراحل الكبير نجيب محفوظ، أو كتوفيق الحكيم، أو يوسف إدريس، أو عباس العقاد، ولا بالطبع ظهر بيننا طه حسين آخر.

مناخ ثقافي مُعَادٍ للإبداع: أثر الفكر المحافظ

السبب في رأيي هو أن المناخ الثقافي تبدّل وتغيّر حاله منذ غزت المنطقة العربية ما أسميه «الغزو الوهابي»، ذلك الفكر الذي أراد – ولا يزال أربابه ومن يتبنّون استمراره – العودة بنا قرونًا إلى الخلف. فهم جعلوا العقل العربي أسير الخرافات والأفكار البالية، وألجموه ليكون منصاعًا لأفكار المشايخ والفقهاء دون بذل أدنى محاولةٍ للتفكير والتحليل فيما يقولونه.

 حتى إن هناك من أصبح يقول إن الأموات يحكمون الآن عقول الأحياء. فنحن في مناخٍ شاع فيه تشويه الفن والأدب، وبعدِّهما أدواتِ انحلالٍ خُلُقيٍّ وليستا رقيًّا عقليًّا ومن أسباب التطوّر الحضاري. فالمناخ الحالي لا يشجِّع على أن يكون هناك من الأدباء الجدد قاماتٌ بحجم القامات التي نعرفها في التاريخ الحديث والقديم.

مناخ لا يشجع الإبداع

انفصال الأدب عن الفن: الطلاق الذي أضعف الاثنين

ولكي نكون منصفين، فأول أزمات الأدب تحديدًا هي انفصاله عن الفن. فقديمًا حتى سنواتٍ قريبةٍ مضت، كان الرافد الأساسي للفن هو الأدب. فلا فيلم أو مسلسل يظهر للنور إلّا وكان عن نصٍّ أدبيٍّ سواء أكان محليًّا أو عالميًّا. ثم حدث شقاقٌ نسبيٌّ واتسعت الفجوة، فأصبح كتّاب الأعمال الفنية غيرَ أدباءٍ، والأدباء صاروا لا يكتبون أعمالًا فنية، وبذلك فقد الأدب جزءًا من قيمته ومن اهتمام الناس به، وهو ما أثَّر في اهتمام الإعلام بالأدب والأدباء.

غياب الصالونات والصراعات الفكرية

كذلك، افتقد الأدب النشاط الفكري المؤثر كالصالونات الثقافية، التي كانت تمنح الأديب فرصةَ التفاعل مع المتلقي بصورة مباشرة، وتخلق نوعًا من الصراع الفكري بين الأدباء، ودائمًا المستفيد هو القارئ. وما دام الأدب قد فقد الصراعات الفكرية والمناظرات الأدبية بين الأدباء ومع القراء، فمن أين للأدب أن يزدهر؟ وكيف للأدب أن يفرز قاماتٍ جديدةً والمناخ مختنق؟

غياب الصالونات الثقافية

الطريق نحو النهضة: كيف يعود الأديب نجمًا؟

أعود وأُكرّر أن أبرز أسباب هذا التراجع هو انتهاء الالتحام بين الأدب والفن. فقديمًا كان كتّاب السيناريو أدباء في الأصل، مثل نجيب محفوظ نفسه، وإحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي يكتبون السيناريو عن عملٍ أدبيٍّ. ولو صنعوا سيناريو خاصًّا، تجد مذاقه عالي الحس الأدبي، لذلك كانوا نجومًا كما نجوم السينما، ويسعى إليهم نجوم السينما سعيًا كبيرًا. واليوم صار كتّاب السيناريو مجرد كتّابٍ محترفين يكتبون العمل الفني كما يجب أن يكون حسب رؤية الإنتاج، ومطالب النجم، ومعهم في النهاية رؤية المخرج. فبات عالم الأدباء منطويًا ومنعزلًا، لا أحد يعرفه ولا أحد يهتم به كما كان في السابق.

وهذا ما يستدعي تدخل الدولة لحماية الإبداع من الاندثار، وأتمنى هنا أن تعود الدولة إلى الإنتاج الفني سواء بنفسها أو دعمًا لشركاتٍ صاعدةٍ على أن يكون الاختيار من الأعمال الأدبية المميزة. فهنا نخلق نجومًا في عالم الأدب، وأدباء مشاهير.

فمن ينسى فلسفة الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة وصراعاته الفكرية التي كان يطرحها في أعماله، حتى إنه يصعب أن تقول على مسلسلٍ كتبه إنه مسلسل «النجم الفلاني»، بل مسلسل «أسامة أنور عكاشة». وتلك هي المعضلة التي يجب أن يسعى الأدباء الجدد والموهوبون – عن حقٍّ وليس الموهومون، وهم يدركون أنفسهم جيدًا – إلى حلها في السعي إلى دخول عالم الفن بإبداعهم الأدبي. فلابدّ أن تشهد صناعة السينما والدراما عودةً قويةً للأدباء، وعليهم أن يتعلموا فنّ السيناريو وأن يسعَوا لمنافسة المحترفين فيه. فنجاحهم في هذا المجال هو السبيل الكبير لجعلهم نجومًا، يهتم بهم الإعلام، ومن بعدها يمكن أن يكونوا كُتّابَ مقالاتٍ في الصحف الكبرى، فيخوضوا المعارك الأدبية ويعقدوا الصالونات الأدبية التي ستمتلئ بجمهورٍ أصبح يرى الأديب نجمًا ومفكرًا وعليه أن يُنصت له.

وهو دورٌ لا يقلّ أهميةً لدى بعض الفنانين المثقفين الذين يجب عليهم الأخذ بيد الأدباء الحقيقيين الذين يستحقون الدعم، فنهوض الفن والأدب معًا أمران متلازمان، وقد آن الأوان أن نسعى إليه، في الأقل لمواجهة «طيور الظلام».

إن إعادة الأدب المصري إلى مكانته الرائدة ليست مهمة مستحيلة، لكنها تتطلب وعيًا جماعيًا وإرادة حقيقية للتغيير. فالمسؤولية تقع على عاتق الدولة لدعم الإنتاج الفني القائم على الأدب، وعلى الأدباء أنفسهم لاقتحام عالم السينما والدراما بجرأة، وعلى الفنانين المثقفين لتبني المواهب الحقيقية. إن عودة التحالف المقدس بين الكلمة والصورة ليست مجرد حنين للماضي، بل هي ضرورة حتمية لإعادة إحياء المناخ الفكري، وخلق جيل جديد من القامات الأدبية التي تستطيع أن تعبر عن أسئلة عصرها، وتترك بصمة خالدة كما فعل العمالقة من قبلهم.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة