إن معاهدة الحياد التي عقدها القائد الروماني لوكولوس 74- 71 ق.م مع الفرثيين تعني أن الرومان أدركوا أن الفرثيين أصبحوا قوة تقف في طريقهم، وتحول دون تحقيق أهدافهم في التوسع والسيطرة على الشرق.
معاهدة التحالف مع الفرثيين
وما يدل على أن الرومان صاروا يخشون خطر تلك القوة، ويحسبون لها حسابًا، أن القائد الروماني بومبي 70 -55 ق.م عند توجهه نحو الشرق سنة 67 ق.م للقضاء على مملكة البنتس، عقد سنة 66 ق.م تحالفًا مع الملك الفرثي فرهاد الثالث Phraates 111 67-60 ق.م لتأمين جانبه واتقاء شره من جانب.
ولأنه أراد أن يشغل ملك أرمينيا تيكران الثاني عن مساعدة حليفه مثريداتس السادس ملك بلاد البنتس، وبذلك يسهل على القائد بومبي القضاء عليه لأنه سيكون بمفرده.
وقد نصت معاهدة التحالف تلك على أن يعيد القائد بومبي مقابل المساعدة التي يقدمها له الملك الفرثي فرهاد الثالث، والمتمثلة بمهاجمته - أي مهاجمة فرهاد الثالث- أرمينيا، المناطق التي تعد من ممتلكات الدولة الفرثية.
ولا سيما منطقتي جورديني Gordyene كردستان وأديابين Adiabeni حدياب، اللتين استولى عليهما ملك أرمينيا تيكران الثاني عقب وفاة الملك الفرثي مهرداد الثاني سنة 76 ق.م، وأن يكون نهر الفرات الحد الفاصل بين الفرثيين والرومان.
وعلى أمل أن ذلك التحالف سيعيد للدولة الفرثية ما فقدته من أراضيها، هاجم الملك الفرثي فرهاد الثالث وبمساعدة ابن الملك الأرمني تيكران الثاني والمسمى تيكران الصغير سنة 66 ق.م أرمينيا، وتمكنا من محاصرة عاصمتها أرتاكساتاArtaxata، ولعدم قدرة ملكها تيكران الثاني على المقاومة فرَّ إلى الجبال،.
وقد اعتقد الملك فرهاد الثالث أن فرار تيكران الثاني قد أنهى الأمر، فعاد إلى بلاده تاركًا مهمة الاستيلاء على المدينة - أي أرتاكساتا- إلى تيكران الصغير.
وما أن علم الملك تيكران الثاني بانسحاب الملك الفرثي فرهاد الثالث حتى عاد للدفاع عن عاصمته، وتمكن من إيقاع الهزيمة بجيش ابنه تيكران الصغير المحاصر لها، الذي فرَّ بدوره إلى القائد الروماني بومبي، فاستقبله الأخير واتخذ منه دليلًا في فتح بلاد أبيه.
اقرأ أيضًا الفرثيون.. من هم وما سبب التسمية؟
القائد بومبي يخلف وعده
أما تيكران الثاني فما إن علم بتوجه القائد بومبي نحو بلاده سنة 65 ق.م حتى سارع إلى استقباله معلنًا خضوع بلاده له.
ومقابل أن يكون تيكران الثاني مواليًا للرومان ويتنازل لهم عن سوريا، وافق بومبي على إبقائه على عرش أرمينيا، وسمح له بالاحتفاظ بما كان قد استولى عليه من أراضي الدولة الفرثية، على أن يكون إقليم جورديني تركستان وإقليم صوفين لابنه تيكران الصغير.
ومع أن ذلك يعني أن القائد بومبي تخلى عن وعده الذي سبق أن قطعه إلى الملك الفرثي فرهاد الثالث، لكننا لم نجد في المصادر المتوافرة لدينا ما يشير إلى أن الملك فرهاد الثالث غضب لذلك.
ويبدو أن سكوته يعود إلى أن إقليمي جورديني وصوفين صارا من الناحية النظرية تابعين له؛ لأن تيكران الصغير كان متزوجًا من ابنته.
على أن الوفاق بين تيكران الصغير والقائد بومبي لم يستمر طويلًا، إذ سرعان ما نشب خلاف بينهما سببه أن الأول رفض طلب القائد بومبي في إعطائه الذخائر والنفائس الموجودة في إقليم صوفين مقابل مساعدته له.
وإزاء ذلك الرفض قبض القائد بومبي على تيكران الصغير، وألحق إقليمي جورديني وصوفين بحاكم كبدوكيا، الأمر الذي أثار غضب الملك الفرثي فرهاد الثالث، فأرسل إلى القائد بومبي مطالبًا إياه بتنفيذ وعده السابق في إطلاق يده في الأراضي التي تعد أصلًا من ممتلكات الدولة الفرثية.
كما طالبه بإطلاق سراح نسيبه تيكران الصغير، وقبل أن يصله الرد توجه بجيشه لمهاجمة جورديني وكان ذلك سنة 65 ق.م.
اقرأ أيضًا الحروب الفرثية والرومانية
هزيمة الملك الفرثي
أما القائد بومبي فقد عامل رسول الملك الفرثي بجفاء ورد على طلبه بإطلاق سراح تيكران الصغير بأن تلك المطالبة من حق الأب -أي تيكران الثاني- فقط.
ثم أوعز إلى قائده أفرنيوس صده عن جورديني، وكان السبب في عدم توجهه هو بنفسه لمحاربة الملك فرهاد الثالث، أنه في السنة نفسها أي سنة 65 ق.م شغـل بمطاردة ملك بلاد البنتس الذي هرب إلى ما وراء جبال القفقاس.
وفي معركة جرت بين الطرفين في السنة نفسها أي سنة 65 ق.م لم تذكر المصادر تفاصيلها، اندحر الملك الفرثي فرهاد الثالث وانسحب بجيشه إلى أربلا أربيل، فكانت تلك المعركة أول صدام مباشر بين الفرثيين والرومان.
وكان لذلك الانسحاب نتائجه السيئة على الدولة الفرثية، إذ إنه شجع حكام الأقاليم التابعة لها ومنهم حاكم إقليم خوزستان الأحواز وميدياماد وأتروباتين أذربيجان على التمرد على ملك الملوك فرهاد الثالث.
ولم يترددوا من أجل التخلص من تبعيته والرغبة في الاستقلال بأقاليمهم، من الاتصال بالقائد الروماني بومبي، عارضين عليه مرافقته في حربه القادمة ضد فرهاد الثالث، وطبيعي أن يرحب القائد بومبي بإقامة علاقات طيبة مع أولئك الحكام المتمردين.
أما الملك فرهاد الثالث فقد أخافته تلك الخيانة من أن يتعرض إلى هجوم مشترك من جانب الرومان، لذلك أرسل رسوله إلى القائد بومبي طالبًا الصلح.
إلا أن الأخير ولشدة اغتراره بما حقق رفض طلبه، وبلغ من احتقاره لرسوله أنه ذكر اسم فرهاد الثالث دون لقبه ملك الملوك، ثم إنه أمر قائده أفرنيوس بضم إقليم جورديني نهائيًا إلى أرمينيا.
وهذا يعني أن الرغبة في التوسع والسيطرة على مناطق الشرق ذات الاهمية الإستراتيجية كانت سببًا أساسيًا في الصراع الفرثي-الروماني.
اقرأ أيضًا ظهور أوكتافيوس عام 44 ق.م والمؤامرات التي قام بها ضد أنطونيوس
أرمينيا حصن دفاعي
ويبدو أن القائد بومبي أراد من احتفاظ أرمينيا بالقسم الشمالي من أرض الجزيرة الفراتية، التي هي في الأصل من ممتلكات الدولة الفرثية، خلق دولة قوية موالية للرومان تحد من الاحتكار الفرثي لمسالك التجارة ولا سيما تجارة الحرير.
إذ إن احتفاظ الملك تيكران الثاني بتلك الأراضي يعني أن منافذ دخول الحرير من جهة هضبة إيران إلى العراق أصبحت خاضعة لسيطرته، وبذلك خاضعة للرومان بعَدِّ أرمينيا أصبحت ضمن أقاليمها، هذا من جانب.
ومن جانب آخر أن القائد بومبي أراد أن يجعل من أرمينيا حصنًا دفاعيًّا يصد عنه الهجمات التي قد يشنها الفرثيون على بلاده عند مسيرة جيشه بين بلاد الجزيرة الفراتية وسوريا التي جعل منها ولاية رومانية سنة 64 ق.م.
أي أنه عمل على خلق دولة عازلة أو حاجزة Buffer State بينه وبين الفرثيين لتكون قاعدة لجيوشه، ولإمداده بما يلزم.
وبذلك يكون القائد بومبي قد ضم 3 أقاليم جديدة لدولته هي سوريا وكيليكيا وأرمينيا، وأصبحت مناطق الشرق الأوسط الخاضعة لسيطرته تمتد من ساحل البحر المتوسط غربًا حتى نهر الفرات شرقًا، إذ أصبح ذلك النهر الحد الشرقي للسيطرة الرومانية.
وعلى الرغم من الإهانة التي تلقاها الملك فرهاد الثالث، فإن المصادر لم تذكر أن حربًا وقعت بين الطرفين، حتى وفاة الملك فرهاد الثالث مسمومًا سنة 60 ق.م على يد ولديه مهرداد الثالث وأرد الأول.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.