مهما كتب عن مجلة الرسالة وإشعاعها الأدبي فلن يوافيها حقها فالقامات الفكرية التي كتبت فيها من أدباء ومثقفين ومفكرين وكتاب عظماء شيدوا أعظم بناء في الأدب العربي الحديثK حيث أقاموا مدارس أدبية في الشعر والقصة والمقالK فكانوا بمثابة الأساتذة لجيل بعد جيل سواء من اتخذ التجديد طريقاً أو من تمسك بالقديم من التراث، .
الأديب البارع والعملاق عباس محمود العقاد (1889-1964) صاحب جولات وصولات في الأدب والشعر من كتاب مجلة الرسالة والعقاد هو من هو في الأدب، فلقد قرأت له مقال في مجلة الرسالة وقع تحت يدي بالصدفة فرأيت كم لهذا العملاق من براعة أدبية في استخدام الجمل والتراكيب اللغوية.
في العدد437 من مجلة الرسالة الصادر يوم الإثنين بتاريخ 17من نوفمبر عام 1941م الموافق 28من شوال سنة1360هحرية السنة التاسعة للصدور ولا يوجد لمجلة الرسالة غلاف، فهي عبارة عن ملازم مترابطة معاً، أي أنها ضعيفة من حيث الإخراج الصحفي ومع ذلك تبيع الأف النسخ أسبوعياً.
كتب الأستاذ العقاد مقالاً تحت عنوان "أدب اليوميات"
والمقال عبارة عن رسالة بعث بها أحد القراء يسأل فيها العقاد والعقاد يجيب على هذه الأسئلة بموسوعية وعمق قل أن تتواجد عند كاتب غيره.
وأسئلة الرسالة هي:
1-لماذا- والسؤال هنا للأستاذ العقاد-لا تكتبون يومياتكم كما يكتب مفكرو الغرب لكي يستفيد منها الشباب الواعد؟
2-هل عدم الإقدام على الزواج مفيد لرجل الفكر أم أنكم لما تجدوا من تستحق أن تكون زوجة لرجل الفكر؟ما هي أعظم أمنية تتمنها في هذه الحياة؟
جاءت إجابات الأستاذ العقاد كالاتي:
السؤال الأول أن بداية حياته الأدبية كانت منذ الدراسة التي بدأ فيها كتابة المذكرات والتعليق على ما يطالع ويشاهد، وأنه لم ينقطع عن هذه العادة إلا منذ خمس سنوات فقط. وما كتابه الأول خلاصة اليومية والشعور، وكتابه الثاني ساعات بين الكتب في طبعته الأولىما هو إلا خلاصة لتلك المذكرات والتعليقات، واليوميات.
وخلص العقاد أن هناك نوعان من المذكرات
الأولى: ما يخص أمور الأدب والفكر.
الثانية: ما يخص حوادث الحياة اليومية وقد لجأ إليه العقاد مرة واحدة ثم مزق وأحرق تلك اليوميات وهو لا يعتبر ذلك ملزم منه لأحد أن يفعل مثله لأن أسبابه غير أسبابهم وموانعه غير موانعهم ومحظوراته غير محظوراتهم، والكتاب الذين يكتبون يومياتهم تكون عندهم المساءلة ظاهرة نفسية أشبه بالتوجه إلى محراب الاعتراف، كأنهم يخففون أعباء ضمائرهم، أو كالذي يفضي إلى صديق أمين مما يشعرهم بالراحة وهذه الراحة ضمان للقارئ وهي أقوى من أي محاسبة.
كتابة اليوميات منتشره في الأدب الغربي ولاسيما الأدب الذي يكتب بالإنجليزية، وكما نعلم كم تأثر العقاد بالأدب الإنجليزي وذلك لإجادته اللغة الإنجليزية. .
وكما يقول العقاد إن أدب اليوميات موضع دراسة للناقد النفساني والمؤرخ والفيلسوف والباحث العلمي
كاتب اليوميات ما هو إلا ظاهرة نفسية ولا يميل العقاد إلى كتابة هذا النوع من أدب اليوميات حتى لا يذهب إلى محراب الاعتراف ويحتفظ لنفسه بخفيها، ولكنه يحب كتابة جزء من سيرته الشخصية أو السياسية في شكل قصة وقد كان في قصته الوحيدة سارة.
وللعلم سارة عبارة عن سلسلة مقالات بعنوان مواقف في الحب ثم جمعت بعد ذلك في كتاب.
إن حياة العقاد كما يقول هو تتوزع على الأديب والصحفي والنائب البرلماني السياسي والحياة الخاصة والعامة وكذلك حياة الباحث عن نفسه وكونه وإلهه وسائر ما يتصل بالعقيدة والسريرة الدينية.
السؤال الثاني وإجابة العقاد عن زواج المفكر لا تخلو من الطرافة، فهو شعور بالاستغراب ساق إليه هذا السؤال في شهر رمضان أربع مرات منهم واحدة غير مستغربة من والدته ،وهو سؤال مزمن يكون في كل وقت من جانب والدته، فهل شهر رمضان وما يعقبه من أعياد سبب في كثرة السؤال عن زواجه أم هي مصادفة أن السؤال عن زواجه يكون في رمضان؟!
السؤال الثالث الذي يسأل عن أمنية العقاد في الحياة فقد أجل الإجابة عليه إلى لقاء قريب في مقال آخر. تعقيب هذا المقال يغوص بالقارئ في عالم العقاد شديد الموسوعية وتقليب الرأي من وجوه عدة مما
يدل على شمولية النظرة وهو ما نفتقده اليوم من شيوع النظرة الأحادية.
إن مباني العقاد من ألفاظ وجمل وعبارات أشبه بالمهندس شديد الدقة والمهارة مما ينتج عنها معاني قوية راسخة الدلالة.
ممتاز
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.