يُعرِّف النقاد فن السيرة الذاتية بأنه سرد نثري واقعي يكتب فيه المؤلف تاريخ حياته بنفسه، معتمدًا على ذاكرته، وتتجلى قوة السيرة الذاتية في الأدب العربي في قدرتها على دمج التاريخ بالبوح الشخصي أو أدب الاعتراف.
في هذا الدليل، نستعرض تعريف فن السيرة الذاتية، وخصائص السيرة الذاتية، مع أبرز نماذج أدب السيرة الذاتية العربي، لنوضح الفرق بين الرواية والسيرة الذاتية.
قد تكون كتابة السيرة الذاتية بغرض صناعة عمل أدبي أو فني هي أكثر أنواع الأدب والكتابة مرونةً وغموضًا ومراوغةً، فلا يستطيع الكاتب أن يقول ما يريد، ويُخفي ما يريد، ويُبرز شخصيات بعينها وأمكنة محددة على حساب شخصيات وأمكنة أخرى، في إطار أحداث حقيقية وتواريخ وسياقات زمنية بعيدة عن الخيال، لكن فكرة الذاتية تمنحه كثيرًا من الحرية في الانتقاء والطرح وإخفاء كثير من الأمور.
كذلك فإن كتابة السيرة الذاتية لا تصبح عملًا أدبيًا إلا إذا التزمت بالقيم الفنية والجمالية للأدب عامة، وللأغراض التي كُتب من أجلها النص خاصة، وهو ما يدفعنا إلى التعرف على أدب السيرة الذاتية عن قرب، وما يميز فن السيرة الذاتية بخصائص فريدة تجمع بين الاعتراف الشخصي والتوثيق التاريخي.
مفهوم أدب السيرة الذاتية
في الغالب تُبنى السيرة الذاتية على سرد الكاتب لسيرته الشخصية في مرحلة ما، قد ترتبط بأحداث تاريخية معينة، وقد تقوم السيرة الذاتية على كتابة تاريخ حياته كاملًا، أو تتحدث السيرة عن علاقته بشخص أو مجموعة من الأشخاص، أو علاقته بمكان محدد، بطرحه للمعلومات والمواقف والأحداث التي شارك فيها من وجهة نظره، وتتعدد أنواع السيرة الذاتية في الأدب العربي لتشمل السيرة الذاتية الفكرية، والمذكرات السياسية، واليوميات.
كذلك يمكن أن تبنى السيرة الذاتية على سرد الكاتب لسيرة شخص آخر، قد عاصره أو حتى لم يُعاصره، وإنما جمع المعلومات عنه بغرض التسجيل والتدوين، أو حتى بغرض صناعة عمل أدبي يستهدف إبراز الشخصية أو الأحداث المحيطة بها، أو حتى من أجل طرح فكرة أو موقف بواسطة عرض هذه السيرة عرضًا فنيًّا.
في بعض كتابات أدب السيرة الذاتية، يقدم الكاتب مجموعة من المعلومات السرية أو الاعترافات الشخصية الخاصة به عن أحداث أو مواقف قديمة؛ لذا فقد يُطلق أحيانًا على أدب السيرة الذاتية أنه «أدب الاعتراف والتسجيل» أو أدب الاعتراف صراحةً، وهو يمثل حاجة إنسانية كبيرة في إطار أدبي وسياق فني.
إضاءة نقدية الميثاق السيرذاتي
لضبط الفرق بين الرواية والسيرة الذاتية، وضع الناقد والأكاديمي الفرنسي فيليب لوجون قاعدته الشهيرة المعروفة بالميثاق السيرذاتي.
ينص هذا الميثاق على أن العمل يُعد سيرة ذاتية حقيقية فقط عندما يوجد تطابق تام بين (اسم المؤلف على الغلاف = واسم الراوي داخل النص = واسم الشخصية الرئيسة). هذا التعاقد الضمني بين الكاتب والقارئ هو ما يضمن صدق السرد ويبعده عن التخييل الروائي المحض.
تاريخ أدب السيرة الذاتية ونشأته
عند البحث في تاريخ نشأة السيرة الذاتية عالميًّا وعربيًّا، أو الإجابة عن سؤال: متى كانت نشأة السيرة الذاتية؟ نجد التالي:
لا يمكن الجزم بتاريخ بداية أدب السيرة الذاتية بالنمط الذي نعرفه الآن ونضعه بين الأنماط الأدبية، لكننا نستطيع أن نشير إلى الموسوعة البريطانية التي تتحدث عن المؤرخ الصيني «لا سيما كيان» صاحب أحد أضخم الأعمال التي تتحدث عن تاريخ الصين في القرن الثاني قبل الميلاد، وهو «شيجي»، ثم إن العمل يحتوي كثيرًا من الأمور الخاصة بالكاتب، ويروي جزءًا من حياته، فيما يُعد سيرة ذاتية له ضمن العمل الأدبي.
كذلك يتحدث النقاد عن بدايات أدب السيرة الذاتية في القرن الخامس، بالإشارة إلى السيرة الذاتية التي كتبها القديس أوغستين وتحدث فيها عن نفسه وكيف كانت طفولته.
وعند الحديث عن نشأة أدب السير الذاتية في الأدب العربي توجد تجارب عربية في مجال السيرة الذاتية التي مهدت نشأة السيرة الذاتية في الأدب العربي، أبرزها كتابات أبو حيان التوحيدي، والحسن بن الهيثم. كذلك تُعد تجربة الإمام ابن حزم الأندلسي في «طوق الحمامة» من أهم التجارب العربية التي أسست أدب السيرة الذاتية عند العرب.
أما في العصر الحديث، فكتابة السيرة الذاتية أصبحت نمطًا من أنماط كتابة الرواية، غير أنها لا تجنح إلى الخيال، وتستند إلى وقائع وتفاصيل حياتية، ولا يحتاج فيها الكاتب إلى اختراع شخصيات أو أحداث، وإلا خرجت الرواية عن أدب السيرة الذاتية، وهنا يكمن الفرق بين الرواية والسيرة الذاتية، وهو ما يجد غالبًا قبولًا كبيرًا لدى القراء، وجمهورًا يُفضل هذا النوع من الأدب الذي تملأه المشاعر والأسرار والتفاصيل الحقيقية.
فيعتمد هذا الأدب على الفضول البشري ورغبة الناس في معرفة ما حدث للآخرين في حياتهم، حتى إن كثيرًا من الأشخاص الذين يقرؤون السير الذاتية ليسوا من المهتمين بالأدب.
رأي الناقد الأدبي
بصفتي باحثًا خبيرًا في الأدب العربي كثيرًا ما يُسألني النقاد: كيف تكتب سيرة ذاتية أدبية؟
الإجابة تكمن في الصدق الفني، ففي فن السيرة الذاتية، لا يُطلب من الكاتب أن يكون مؤرخًا محايدًا، بل يُطلب منه أن ينقل إلينا كيف شعر بالتاريخ والأحداث.
الكاتب هنا ينتقي من ذاكرته ما يخدم فكرته، ولذلك سُمي هذا الفن أدب الاعتراف؛ لأن سحر أدب السيرة الذاتية يكمن في البوح الإنساني الذي يفوق الخيال الروائي بأشواط.
سمات أدب السيرة الذاتية
تتعدد خصائص أدب السيرة الذاتية ومحدداته، وتتمثل أهما في التالي:
واقعي
يتسم أدب السيرة الذاتية بأنه أدب واقعي يقوم على أحداث وتفاصيل وشخصيات حقيقية، وعلى هذا لا يعتمد الكاتب في هذا النمط الأدبي على الخيال أو الفنتازيا أو المبالغة الشديدة، وهي أدوات فنية متاحة في باقي الأعمال الأدبية.
فيركِّز الأديب في السيرة الذاتية على إبراز لحظات معينة أو إنارة مواقف تاريخية أو شخصية محددة، مستغلًا عامل التشويق والفضول لدى الناس، وليس عامل القدرة على التخيل أو الاستمتاع بالفنتازيا والأفكار المدهشة.
انتقائي
في الحقيقة، يظل أدب السيرة الذاتية يعاني تسلُّط الكاتب وقيامه بانتقاء الأحداث والأسرار والاعترافات التي يرغب في إبرازها، ويمكنه تجنّب الحديث عن أشخاص أو موضوعات أو أمكنة محددة.
وعلى هذا لا يحمل أدب السيرة الذاتية الوضوح والصدق الذي ينتظره القراء على النحو الكامل، وإنما تغلب الطبيعة البشرية على الكاتب، لأنه يعترف بما يريد ويتحدث عما يريد، من أجل صناعة التوازن الذي يناسبه حسب أغراضه وظروفه.
الشخصية الرئيسة
يرتكز أدب السيرة الذاتية على شخصية رئيسة أو شخصية محورية للأحداث، حتى ولو كانت الأمور ترتبط بأحداث تاريخية مهمة مثل معارك حربية أو ظروف سياسية أو كوارث كبرى، لكن الأمر لا بد أن يرتكز على شخص ما هو صاحب السيرة الذاتية التي تُعد حكايته داخل هذا الإطار هي الحكاية الأم التي يمكن أن تتفرع منها باقي الحكايات دون إهمال للشخصية الرئيسة.
السردية
ينبنى أدب السيرة الذاتية على السردية والحكي، فتجميع النص والمعلومات والأحداث يكون في إطار سردي ووصفي، لذا يحتاج إلى موهبة وقدرة على التنظيم وترتيب وطرح السياق بشكل فني، إضافة إلى لغة مرنة وغنية قادرة على تمرير الأحداث تمريرًا سهلًا وممتعًا في الوقت نفسه، حتى يستطيع القارئ أن يتعامل مع العمل الأدبي دون ملل أو صعوبات تتعلق بالفهم أو الترتيب.

نماذج من أدب السيرة الذاتية العربي
عند البحث عن أفضل كتب السيرة الذاتية العربية وأمثلة على السيرة الذاتية في الأدب، تبرز أمامنا قامات رواد أدب السيرة الذاتية في العالم العربي:
«الأيام» – طه حسين
قد تُعد رواية «الأيام» للدكتور طه حسين عميد الأدب العربي التي نُشرت عام 1929 من أشهر نماذج أدب السيرة الذاتية العربي، وأحد أهم كتب سيرة ذاتية عربية، يسرد فيه الكاتب قصة حياته، ويحكي عن نفسه في ثلاثة أجزاء.
يتحدث الجزء الأول عن الطفولة والمعاناة التي عاشها طه حسين طفلًا، فقد بصره في الريف المصري، ويصف العادات السيئة والحسنة في هذا التوقيت، وهو ما يعد أصدق تلخيص كتاب الأيام لطه حسين.
وفي الجزء الثاني، يصف الدكتور طه حسين مراحل الدراسة في الأزهر، ويحكي عن شيوخه وكيف التحق بالجامعة الأهلية.
أما في الجزء الثالث فينقلنا الدكتور طه حسين إلى فرنسا، وحصوله على الدكتوراه، والعودة والعمل في مصر، في رحلة لا تخلو من المتعة التي توضح القيمة الفنية والأدبية لكتب السيرة الذاتية.
«حياتي» – أحمد أمين
يُعد أيضًا كتاب «حياتي» للمفكر الكبير أحمد أمين أحد أبرز كتب أدب السيرة الذاتية الذي يسرد فيه الكاتب قصة حياته منذ الطفولة، ويحكي عن تفاصيل الدراسة في مدرسة أم عباس الابتدائية، ثم انتقاله إلى الأزهر ومدرسة القضاء، ثم يحكي الكاتب أحمد أمين عن تعيينه في القضاء، وعمله مدرسًا في الجامعة.
ولا يتوقف أحمد أمين في سيرته الذاتية عند الحديث عن نفسه فقط، وإنما يتحدث عن تلك المرحلة بالإشارة إلى الكتّاب والمفكرين المعاصرين، أمثال أحمد لطفي السيد وطه حسين، ويفتح الكاتب نافذة كبيرة على المجتمع، ويصف الأحوال الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن الـ20.
«يوميات نائب في الأرياف» – توفيق الحكيم
تُعد رواية «يوميات نائب في الأرياف» للكاتب الكبير توفيق الحكيم نموذجًا مختلفًا لأدب السيرة الذاتية، فيتحدث الكاتب في إطار قصصي شيّق عن جزء أو مرحلة من حياته قضاها في العمل في مهنة القضاء في إحدى المناطق الريفية بمصر.
وتُعد الرواية، التي صدرت عام 1937، من أشهر وأنجح الروايات في ذلك الشكل الأدبي، وتُصنف ضمن أشهر السير الذاتية في الأدب العربي.
يُلقي الكاتب توفيق الحكيم في روايته الضوء على الفساد المنتشر في المنظومة القانونية والإدارية بطريقة ساخرة وفكاهية، ويسرد عددًا من القصص التي تعرض لها، وكيف كانت القوانين والإمكانات عاجزة عن تحقيق العدالة في مثل هذه البيئة، إضافة إلى عدد من الأمور الشخصية التي تميز أدب السيرة الذاتية، مثل صعوبة قضاء الوقت في الأرياف، وكيف كان يُحارب الذباب والبعوض، وكيف كانت علاقته بكاتب النيابة والمأمور.
وقد تُرْجِمَت رواية «يوميات نائب في الأرياف» إلى اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية، وأُعِيد طبعها أكثر من مرة، إضافة إلى تحويلها إلى فيلم سينمائي بعد ذلك.
وفي الأخير فإن أدب السيرة الذاتية يُعد أحد روافد الأدب، وأحد أكثر أنماط الأدب قبولًا لدى القرّاء، خاصةً عندما يرتبط الأمر بالسير الذاتية للمشاهير والناجحين، لكن الكتابة لا بد أن تُحقق الشروط الأدبية وتلتزم بالقيم الفنية والجمالية، كي نستطيع أن نُطلق عليها عملًا أدبيًّا.

ما هو أدب السيرة الذاتية باختصار؟
هو فن أدبي يكتب فيه المؤلف قصة حياته أو جزءًا مهمًّا منها، معتمدًا على ذاكرته وتجربته الواقعية، ويصيغها بأسلوب أدبي وسردي ممتع يُشبه الرواية، لكن بأحداث وشخصيات حقيقية.
ما الفرق بين الرواية والسيرة الذاتية؟
الرواية عمل أدبي يعتمد بالأساس على خيال الكاتب في ابتكار الشخصيات وحبك الأحداث، في حين تعتمد السيرة الذاتية على أحداث وتفاصيل وشخصيات حقيقية عاشها الكاتب بنفسه (أو شخصية حقيقية أخرى)، دون اللجوء للفنتازيا أو الخيال المطلق.
كيف تكتب سيرة ذاتية أدبية؟
لكتابة سيرة ذاتية أدبية يجب توفر موهبة السرد والحكي، وانتقاء المواقف والأحداث البارزة في حياتك، ثم صياغتها بلغة مرنة وجمالية تبتعد عن التقريرية الجافة، مع التركيز على الصدق الفني وأدب الاعتراف لجذب القارئ.
ما أنواع السيرة الذاتية في الأدب العربي؟
تتنوع السيرة الذاتية بين السيرة الذاتية الخالصة التي يكتب فيها الشخص عن نفسه (مثل كتاب حياتي لأحمد أمين)، والسيرة الذاتية الروائية التي تدمج قصة حياة الكاتب بقالب روائي فني (مثل الأيام لطه حسين ويوميات نائب في الأرياف لتوفيق الحكيم).
من رواد أدب السيرة الذاتية في العالم العربي؟
يُعد الدكتور طه حسين بكتابه الأيام رائد هذا الفن في الأدب العربي الحديث، يليه مفكرون وكتاب عظام مثل أحمد أمين (حياتي)، توفيق الحكيم (سجن العمر ويوميات نائب في الأرياف)، وعباس محمود العقاد (أنا).
وفي نهاية مقالنا عن أدب السيرة الذاتية الذي حاولنا فيه توضيح مفهومه وتاريخه وسماته، وإبراز بعض النماذج المهمة في الكتابات العربية لأدب السيرة الذاتية، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة. ويسعدنا كثيرًا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعمّ الفائدة على الجميع.
مقال ضاف ومرجع هامّ في أدب السّيرة الذّاتيّة
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.